/ صفحة 351 /

هذه النعم التي اوتوها ليشكروا فتلهوا بها وبدلوا نعمة الله كفرا.

والسورة بما لها من السياق تحتمل المكية والمدنية، وسيأتي ما ورد في سبب نزولها في البحث الروائي إن شاء الله.

قوله تعالى: " ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر " قال في المفردات: اللهو ما يشغل الانسان عما يعنيه ويهمه.

قال، ويقال: ألهاه كذا أي شغله عما هو أهم إليه، قال تعالى: " ألهاكم التكاثر "، انتهى.

وقال: والمكاثرة والتكاثر التباري في كثرة المال والعز، انتهى.

وقال: المقبرة بكسر الميم - والمقبرة - بفتحها - موضع القبور وجمعها مقابر، قال تعالى: " حتى زرتم المقابر " كناية عن الموت، انتهى.

فالمعنى على ما يعطيه السياق شغلكم التكاثر في متاع الدنيا وزينتها والتسابق في تكثير العدة والعدة عما يهمكم وهو ذكر الله حتى لقيتم الموت فعمتكم الغفلة مدى حياتكم.

وقيل: المعنى شغلكم التباهي والتباري بكثرة الرجال بأن يقول هؤلاء: نحن أكثر رجالا، وهؤلاء: نحن أكثر حتى إذا استوعبتم عدد الاحياء صرتم إلى القبور فعددتم الاموات من رجالكم فتكاثرتم بأمواتكم.

وهذا المعنى مبني على ما ورد في أسباب النزول أن قبيلتين من الانصار تفاخرتا بالاحياء ثم بالاموات، وفي بعضها أن ذلك كان بمكة بين بني عبد مناف وبني سهم فنزلت السورة، وسيأتي القصة في البحث الروائي.

قوله تعالى: " كلا سوف تعلمون " ردع عن اشتغالهم بما لا يهمهم عما يعنيهم وتخطئة لهم، وقوله: " سوف تعلمون " تهديد معناه على ما يفيده المقام سوف تعلمون تبعة تلهيكم هذا وتعرفونها إذا انقطعتم عن الحياة الدنيا.

قوله تعالى: " ثم كلا سوف تعلمون " تأكيد للردع والتهديد السابقين، وقيل: المراد بالأول علمهم بها عند الموت وبالثاني علمهم بها عند البعث.

قوله تعالى: " كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم " ردع بعد ردع تأكيدا واليقين العلم الذي لا يداخله شك وريب.

وقوله: " لو تعلمون علم اليقين " جواب لو محذوف والتقدير لو تعلمون الامر علم اليقين لشغلكم ما تعلمون عن التباهي والتفاخر بالكثرة، وقوله: " لترون الجحيم " استئناف في

 

/ صفحة 352 /

الكلام، واللام للقسم، والمعنى اقسم لترون الجحيم التي جزاء هذا التلهى كذا فسروا.

قالوا: ولا يجوز أن يكون قوله: " لترون الجحيم " جواب لو الامتناعية لان الرؤية محقق الوقوع وجوابها لا يكون كذلك.

وهذا مبني على أن يكون المراد رؤية الجحيم يوم القيامة كما قال: " وبرزت الجحيم لمن يرى " النازعات: 36 وهو غير مسلم بل الظاهر أن المراد رؤيتها قبل يوم القيامة رؤية البصيرة وهي رؤية القلب التي هي من آثار اليقين على ما يشير إليه، قوله تعالى: " وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والارض وليكون من الموقنين " الانعام: 75، وقد تقدم الكلام فيها، وهذه الرؤية القلبية قبل يوم القيامة غير محققة لهؤلاء المتلهين بل ممتنعة في حقهم لامتناع اليقين عليهم.

قوله تعالى: " ثم لترونها عين اليقين " المراد بعين اليقين نفسه، والمعنى لترونها محض اليقين، وهذه بمشاهدتها يوم القيامة، ومن الدليل عليه قوله بعد ذلك " ثم لتسألن يومئذ عن النعيم " فالمراد بالرؤية الاولى رؤيتها قبل يوم القيامة وبالثانية رؤيتهايوم القيامة.

وقيل: الاولى قبل الدخول فيها يوم القيامة والثانية إذ دخلوها.

وقيل: الاولى بالمعرفة والثانية بالمشاهدة، وقيل: المراد الرؤية بعد الرؤية إشارة إلى الاستمرار والخلود، وقيل غير ذلك وهي وجوه ضعيفة.

قوله تعالى: " ثم لتسألن يومئذ عن النعيم " ظاهر السياق أن هذا الخطاب وكذلك الخطابات المتقدمة في السورة للناس بما أن فيهم من اشتغل بنعمة ربه عن ربه فأنساه التكاثر فيها عن ذكر الله، وما في السورة من التوبيخ والتهديد متوجه إلى عامة الناس ظاهرا واقع على طائفة خاصة منهم حقيقة وهم الذين ألهاهم التكاثر.

وكذا ظاهر السياق أن المراد بالنعيم مطلقه وهو كل ما يصدق عليه أنه نعمة فالانسان مسؤول عن كل نعمة أنعم الله بها عليه.

وذلك أن النعمة - وهي الامر الذي يلائم المنعم عليه ويتضمن له نوعا من الخير والنفع - إنما تكون نعمة بالنسبة إلى المنعم عليه إذا استعملها بحيث يسعد بها فينتفع وأما لو استعملها على خلاف ذلك كانت نقمة بالنسبة إليه وإن كانت نعمة بالنظر إلى نفسها.

وقد خلق الله تعالى الانسان وجعل غاية خلقته التي هي سعادته ومنتهى كماله التقرب العبودي إليه كما قال: " وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون " الذاريات 56 وهي

 

/ صفحة 353 /

الولاية الالهية لعبده، وقد هيأ الله سبحانه له كل ما يسعد وينتفع به في سلوكه نحو الغاية التي خلق لها وهي النعم فأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة.

فاستعمال هذه النعم على نحو يرتضيه الله وينتهي بالانسان إلى غايته المطلوبة هو الطريق إلى بلوغ الغاية وهو الطاعة، واستعمالها بالجمود عليها ونسيان ما وراءها غي وضلال وانقطاع عن الغاية وهو المعصية، وقد قضى سبحانه قضاء لا يرد ولا يبدل أن يرجع الانسان إليه فيسأله عن عمله فيحاسبه ويجزيه، وعمله هو استعماله للنعم الالهية قال تعالى: " وأن ليس للانسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الاوفى وأن إلى ربك المنتهى " النجم: 42، فالسؤال عن عمل العبد سؤال عن النعيم كيف استعمله أشكر النعمة أم كفر بها.

(بحث روائي) في المجمع، قيل: نزلت في اليهود قالوا: نحن أكثر من بني فلان، وبنو فلان أكثر من بني فلان ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلالا عن قتادة.

وقيل: نزلت في فخذ من الانصار تفاخروا عن أبي بريدة، وقيل: نزلت في حيين من قريش: بني عبد مناف بن قصي وبني سهم بن عمر وتكاثروا وعدوا أشرافهم فكثرهم بنو عبد مناف.

ثم قالوا: نعد موتانا حتى زاروا القبور فعدوهم وقالوا: هذا قبر فلان وهذا قبر فلان فكثرهم بنو سهم لانهم كانوا أكثر عددا في الجاهلية.

عن مقاتل والكلبي.

وفي تفسير البرهان عن البرقي عن أبيه عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: " لو تعلمون علم اليقين " قال: المعاينة.

أقول: الرواية تؤيد ما قدمناه من المعنى.

وفي تفسير القمي باسناده عن جميل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: " لتسألن يومئذ عن النعيم " قال: تسأل هذه الامة عما أنعم الله عليها برسوله ثم بأهل بيته.

وفي الكافي بإسناده عن أبي خالد الكابلي قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) فدعا بالغذاء فأكلت معه طعاما ما أكلت طعاما أطيب منه قط ولا ألطف فلما فرغنا من الطعام قال: يا أبا خالد كيف رأيت طعامك؟ أو قال: طعامنا؟ قلت: جعلت فداك

 

/ صفحة 354 /

ما أكلت طعاما أطيب منه قط ولا أنظف ولكن ذكرت الآية التي في كتاب الله عزوجل " ثم لتسألن يومئذ عن النعيم " فقال أبو جعفر (عليه السلام): إنما يسألكم عما أنتم عليه من الحق.

وفيه بإسناده عن أبي حمزة قال: كنا عند أبي عبد الله (عليه السلام) جماعة فدعا بطعام ما لنا عهد بمثله لذاذة وطيبا وأتينا بتمر تنظر فيه أوجهنا من صفائه وحسنه فقال رجل: لتسألن عن هذا النعيم الذي تنعمتم به عند ابن رسول الله فقال أبو عبد الله (عليه السلام) إن الله عزوجل أكرم وأجل أن يطعم طعاما فيسوغكموه ثم نسألكم عنه إنما يسألكم عما أنعم عليكم بمحمد وآل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

أقول: وهذا المعنى مروي عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بطرق اخرى وعبارات مختلفة وفي بعضها أن النعيم ولايتنا أهل البيت، ويؤل المعنى إلى ما قدمناه من عموم النعيم لكل نعمة أنعم الله بها بما أنها نعمة.

بيان ذلك أن هذه النعم لو سئل عن شئ منها فليست يسأل عنها بما أنها لحم أو خبز أو تمر أو ماء بارد أو أنها سمع أو بصر أو يد أو رجل مثلا وإنما يسأل عنها بما أنها نعمة خلقها الله للانسان وأوقعها في طريق كماله والحصول على التقرب العبودي كما تقدمت الاشارة إليه وندبه إلى أن يستعملها شكرا لا كفرا.

فالمسؤل عنها هي النعمة بما أنها نعمة، ومن المعلوم ان الدال على نعيمية النعيم وكيفية استعماله شكرا والمبين لذلك كله هو الدين الذي جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ونصب لبيانه الائمة من أهل بيته فالسؤال عن النعيم مرجعه السؤال عن العمل بالدين في كل حركة وسكون ومن المعلوم ايضا أن السؤال عن النعيم الذي هو الدين سؤال عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والائمة من بعده الذين افترض الله طاعتهم وأوجب اتباعهم في السلوك إلى الله الذي طريقه استعمال النعم كما بينه الرسول والائمة.

وإلى كون السؤال عن النعيم سؤالا عن الدين يشير ما في رواية أبي خالد من قوله: " إنما يسألكم عما أنتم عليه من الحق ".

وإلى كونه سؤالا عن النعيم الذي هو النبي وأهل بيته يشير ما في روايتي جميل وأبي حمزة السابقتين من قوله: " يسأل هذه الامة عما أنعم الله عليها برسوله ثم بأهل بيته " أو ما في معناه، وفي بعض الروايات: " النعيم هو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنعم الله به على أهل العالم

 

/ صفحة 355 /

فاستنقذهم من الضلالة "، وفي بعضها أن النعيم ولايتنا أهل البيت، والمال واحد ومن ولاية أهل البيت افتراض طاعتهم واتباعهم فيما يسلكونه من طريق العبودية.

وفي المجمع، وقيل: النعيم الصحة والفراغ عن عكرمة، ويعضده ما رواه ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ.

وفيه، وقيل: هو يعني النعيم الامن والصحة عن عبد الله بن مسعود ومجاهد، وروي ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام).

أقول: وفي روايات اخرى من طرق أهل السنة أن النعيم هو التمر والماء البارد وفي بعضها غيرهما، وينبغي أن يحمل الجميع على إيراد المثال.

وفي الحديث النبوي من طرقهم ايضا، ثلاث لا يسأل عنها العبد: خرقة يواري بها عورته أو كسرة يسد بها جوعته أو بيت يكنه من الحر والبرد.

الحديث، وينبغي أن يحمل على خفة الحساب في الضروريات ونفي المناقشة فيه والله أعلم.

 

(سورة العصر مكية وهي ثلاث آيات)

بسم الله الرحمن الرحيم والعصر - 1.

إن الانسان لفي خسر - 2.

إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر - 3.

(بيان) تخلص السورة جميع المعارف القرآنية وتجمع شتات مقاصد القرآن في أوجز بيان، وهي تحتمل المكية والمدنية لكنها أشبه بالمكية.

قوله تعالى: " والعصر " إقسام بالعصر والانسب لما تتضمنه الآيتان التاليتان من شمول الخسران للعالم الانساني إلا لمن اتبع الحق وصبر عليه وهم المؤمنون الصالحون عملا، أن يكون المراد بالعصر عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو عصر طلوع الاسلام على المجتمع البشري وظهور الحق على الباطل.

وقيل: المراد به وقت العصر وهو الطرف الاخير من النهار لما فيه من الدلالة على

 

/ صفحة 356 /

التدبير الربوبي بإدبار النهار وإقبال الليل وذهاب سلطان الشمس، وقيل: المراد به صلاة العصر وهي الصلاة الوسطى التي هي أفضل الفرائض اليومية، وقيل الليل والنهار ويطلق عليهما العصران، وقيل الدهر لما فيه من عجائب الحوادث الدالة على القدرة الربوبية وغير ذلك.

وقد ورد في بعض الروايات أنه عصر ظهور المهدي (عليه السلام) لما فيه من تمام ظهور الحق على الباطل.

قوله تعالى: " إن الانسان لفي خسر " المراد بالانسان جنسه، والخسر والخسران والخسار والخسارة نقص رأس المال قال الراغب: وينسب ذلك إلى الانسان فيقال: خسر فلان وإلى الفعل فيقال: خسرت تجارته، انتهى.

والتنكير في " خسر " للتعظيم ويحتمل التنويع أي في نوع من الخسر غير الخسارات المالية والجاهية قال تعالى: " الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين " الزمر 15.

قوله تعالى: " إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات " استثناء من جنس الانسان الواقع في الخسر، والمستثنون هم الافراد المتلبسون بالايمان والاعمال الصالحة فهم آمنون من الخسر.

وذلك أن كتاب الله يبين أن للانسان حياة خالدة مؤبدة لا تنقطع بالموت وإنما الموت انتقال من دار إلى دار كما تقدم في تفسير قوله تعالى: " على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فيما لا تعلمون " الواقعة، 61، ويبين أن شطرا من هذه الحياة وهي الحياة الدنيا حياة امتحانية تتعين بها صفة الشطر الاخير الذي هو الحياة الاخرة المؤبدة من سعادة وشقاء قال تعالى: " وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع ": الرعد 26، وقال: " كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة " الانبياء 35.

ويبين أن مقدمية هذه الحياة لتلك الحياة إنما هي بمظاهرها من الاعتقاد والعمل فالاعتقاد الحق والعمل الصالح ملاك السعادة الاخروية والكفر والفسوق ملاك الشقاء فيها قال تعالى: " وأن ليس للانسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الاوفى " النجم 41، وقال: " من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلانفسهم يمهدون " الروم 44، وقال: " من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها " حم السجدة 46، وقد سمى الله تعالى ما سيلقاه الانسان في الآخرة جزاء وأجرا في آيات كثيرة.

ويتبين بذلك كله أن الحياة رأس مال للانسان يكسب به ما يعيش به في حياته الآخرة فإن اتبع الحق في العقد والعمل فقد ربحت تجارته وبورك في مكسبه وأمن الشر

 

/ صفحة 357 /

في مستقبله، وإن اتبع الباطل وأعرض عن الايمان والعمل الصالح فقد خسرت تجارته وحرم الخير في عقباه وهو قوله تعالى: " إن الانسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ".

والمراد بالايمان الايمان بالله ومن الايمان بالله الايمان بجميع رسله والايمان باليوم الآخر فقد نص تعالى فيمن لم يؤمن ببعض رسله (1) أو باليوم الآخر أنه غير مؤمن بالله.

وظاهر قوله: " وعملوا الصالحات " التلبس بجميع الاعمال الصالحة فلا يشمل الاستثناء الفساق بترك بعض الصالحات من المؤمنين ولازمه أن يكون الخسر أعم من الخسر في جميع جهات حياته كما في الكافر المعاند للحق المخلد في العذاب، والخسر في بعض جهات حياته كالمؤمن الفاسق الذي لا يخلد في النار وينقطع عنه العذاب بشفاعة ونحوها.

قوله تعالى: " وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر " التواصي بالحق هو أن يوصى بعضهم بعضا بالحق أي باتباعه والدوام عليه فليس دين الحق إلا اتباع الحق اعتقادا وعملا والتواصي بالحق أوسع من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لشموله الاعتقاديات ومطلق الترغيب والحث على العمل الصالح.

ثم التواصي بالحق من العمل الصالح فذكره بعد العمل الصالح من قبيل ذكر الخاص بعد العام اهتماما بأمره كما أن التواصي بالصبر من التواصي بالحق وذكره بعده من ذكر الخاص بعد العام اهتماما بأمره، ويؤكد تكرار ذكر التواصي حيث قال: " وتواصوا بالصبر " ولم يقل: وتواصوا بالحق والصبر.

وعلى الجملة ذكر تواصيهم بالحق وبالصبر بعد ذكر تلبسهم بالايمان والعمل الصالح للاشارة إلى حياة قلوبهم وانشراح صدورهم للاسلام لله فلهم اهتمام خاص واعتناء تام بظهور سلطان الحق وانبساطه على الناس حتى يتبع ويدوم اتباعه قال تعالى: " أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله اولئك في ضلال مبين " الزمر 22.

وقد أطلق الصبر فالمراد به أعم من الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصيته، والصبر عند النوائب التي تصيبه بقضاء من الله وقدر.

 

 

* (هامش) *

(1) النساء: 150 - 151

 

/ صفحة 358 /

(بحث روائي) في تفسير القمي بإسناده عن عبد الرحمان بن كثير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: " إلا الذين آمنوا " الخ، فقال: استثنى أهل صفوته من خلقه.

أقول: وطبق في ذيل الرواية الايمان على الايمان بولاية علي (عليه السلام)، والتواصي بالحق على توصيتهم ذرياتهم وأخلافهم بها.

وفي الدر المنثور أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: " والعصر إن الانسان لفي خسر " يعني أبا جهل بن هشام " إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات " ذكر عليا وسلمان.

 

(سورة الهمزة مكية وهي تسع آيات)

بسم الله الرحمن الرحيم ويل لكل همزة لمزة - 1.

الذي جمع مالا وعدده - 2.

يحسب أن ماله أخلده - 3.

كلا لينبذن في الحطمة - 4.

وما أدراك ما الحطمة - 5.

نار الله الموقدة - 6.

التي تطلع على الافئدة - 7.

إنها عليهم مؤصدة - 8.

في عمد ممددة - 9.

(بيان) وعيد شديد للمغرمين بجمع المال المستعلين به على الناس المستكبرين عليهم فيزرون بهم ويعيبونهم بما ليس بعيب، والسورة مكية.

قوله تعالى: " ويل لكل همزة لمزة " قال في المجمع: الهمزة الكثير الطعن على غيره بغير حق العائب له بما ليس بعيب، وأصل الهمز الكسر.

قال: واللمز العيب أيضا والهمزة واللمزة بمعنى، وقد قيل: بينهما فرق فإن الهمزة الذي يعيبك بظهر الغيب، واللمزة الذى يعيبك في وجهك.

عن الليث.

وقيل: الهمزة الذي يؤذي جليسه بسوء لفظه، واللمزة الذي يكسر عينه على جليسه

 

/ صفحة 359 /

ويشير برأسه ويؤمي بعينه.

قال: وفعلة بناء المبالغة في صفة من يكثر منه الفعل ويصير عادة له تقول: رجل نكحة كثير النكاح وضحكة كثير الضحك وكذا همزة ولمزة انتهى.

فالمعنى ويل لكل عياب مغتاب، وفسر بمعان أخر على حسب اختلافهم في تفسير الهمزة واللمزة.

قوله تعالى: " الذي جمع مالا وعدده يحسب أن ماله أخلده " بيان لهمزة لمزة وتنكير " مالا " للتحقير فإن المال وإن كثر ما كثر لا يغني عن صاحبه شيئا غير أن له منه ما يصرفه في حوائج نفسه الطبيعية من أكلة تشبعه وشربة ماء ترويه ونحو ذلك و " عدده " من العد بمعنى الاحصاء أي إنه لحبه المال وشغفه بجمعه يجمع المال ويعده عدا بعد عد التذاذا بتكثره.

وقيل: المعنى جعله عدة وذخرا لنوائب الدهر.

وقوله: " يحسب أن ماله أخلده " أي يخلده في الدنيا ويدفع عنه الموت والفناء فالماضي أريد به المستقبل بقرينة قوله: " يحسب ".

فهذا الانسان لاخلاده إلى الارض وانغماره في طول الامل لا يقنع من المال بما يرتفع به حوائج حياته القصيرة وضروريات أيامه المعدودة بل كلما زاد مالا زاد حرصا إلى ما لا نهاية له فظاهر حاله أنه يرى أن المال يخلده، ولحبه الغريزي للبقاء يهتم بجمعه وتعديده، ودعاه ما جمعه وعدده من المال وما شاهده من الاستغناء إلى الطغيان والاستعلاء على غيره من الناس كما قال تعالى: " إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى " العلق 7، ويورثه هذا الاستكبار والتعدي الهمز واللمز.

ومن هنا يظهر أن قوله: " يحسب أن ماله أخلده " بمنزلة التعليل لقوله: " الذي جمع مالا وعدده "، وقوله: " الذي جمع " الخ بمنزلة التعليل لقوله: " ويل لكل همزة لمزة ".

قوله تعالى: " كلا لينبذن في الحطمة " ردع عن حسبانه الخلود بالمال، واللام في " لينبذن " للقسم، والنبذ القذف والطرح، والحطمة مبالغة من الحطم وهو الكسر وجاء بمعنى الاكل، وهي من أسماء جهنم على ما يفسرها قوله الآتي: " نار الله الموقدة ".

والمعنى ليس مخلدا بالمال كما يحسب أقسم ليموتن ويقذفن في الحطمة.

قوله تعالى: " وما أدراك ما الحطمة " تفخيم وتهويل.

قوله تعالى: " نار الله الموقدة التي تطلع على الافئدة " إيقاد النار إشعالها والاطلاع والطلوع على الشئ الاشراف والظهور، والافئدة جمع فؤاد وهو القلب، والمراد به في

 

/ صفحة 360 /

القرآن مبدإ الشعور والفكر من الانسان وهو النفس الانسانية.

وكأن المراد من اطلاعها على الافئدة أنها تحرق باطن الانسان كما تحرق ظاهره بخلاف النار الدنيوية التي إنما تحرق الظاهر فقط قال تعالى: " وقودها الناس والحجارة " البقرة 24.

قوله تعالى: " إنها عليهم مؤصدة " أي مطبقة لا مخرج لهم منها ولا منجا.

قوله تعالى: " في عمد ممددة " العمد بفتحتين جمع عمود والتمديد مبالغة في المد قيل: هي أوتاد الاطباق التي تطبق على أهل النار، وقيل: عمد ممددة يوثقون فيها مثل المقاطر وهي خشب أو جذوع كبار فيها خروق توضع فيها أرجل المحبوسين من اللصوص وغيرهم، وقيل غير ذلك.

(بحث روائي) في روح المعاني في قوله تعالى: " ويل لكل همزة لمزة " نزل ذلك على ما أخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق عن عثمان بن عمر في أبي بن خلف، وعلى ما أخرج عن السدي في أبي بن عمر والثقفي الشهير بالاخنس بن شريق فإنه كان مغتابا كثير الوقيعة.

وعلى ما قال ابن إسحاق في امية بن خلف الجمحي وكان يهمز النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

وعلى ما أخرج ابن جرير وغيره عن مجاهد في جميل بن عامر وعلى ما قيل في الوليد بن المغيرة واغتيابه لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وغضه منه، وعلى قول في العاص بن وائل.

أقول: ثم قال: ويجوز أن يكون نازلا في جمع من ذكر.

انتهى ولا يبعد أن يكون من تطبيق الرواة وهو كثير في أسباب النزول.

وفي تفسير القمي في قوله تعالى: " ويل لكل همزة " قال: الذي يغمز الناس ويستحقر الفقراء، وقوله: " لمزة " يلوي عنقه ورأسه ويغضب إذا رأى فقيرا أو سائلا " الذي جمع مالا وعدده " قال: أعده ووضعه.

وفيه قوله تعالى: " التي تطلع على الافئدة " قال: تلتهب على الفؤاد قال أبو ذر رضي الله عنه: بشر المتكبرين بكي في الصدور وسحب على الظهور.

قوله " إنها عليهم موصدة " قال: مطبقة " في عمد ممددة " قال: إذا مدت العمد عليهم أكلت والله الجلود.

وفي المجمع روى العياشي بإسناده عن محمد بن النعمان الاحول عن حمران بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن الكفار والمشركين يعيرون أهل التوحيد في النار ويقولون:

 

/ صفحة 361 /

ما نرى توحيدكم أغنى عنكم شيئا وما نحن وأنتم إلا سواء قال: فيأنف لهم الرب تعالى فيقول للملائكة: اشفعوا فيشفعون لمن شاء الله ثم يقول للنبيين: اشفعوا فيشفعون لمن شاء الله ثم يقول للمؤمنين: اشفعوا فيشفعون لمن شاء الله ويقول الله: أنا أرحم الراحمين اخرجوا برحمتي فيخرجون كما يخرج الفراش.

قال: ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): ثم مدت العمد وأوصدت عليهم وكان والله الخلود.

 

(سورة الفيل مكية وهي خمس آيات)

بسم الله الرحمن الرحيم ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل - 1.

ألم يجعل كيدهم في تضليل - 2.

وأرسل عليهم طيرا أبابيل - 3.

ترميهم بحجارة من سجيل - 4.

فجعلهم كعصف مأكول - 5.

(بيان) فيها إشارة إلى قصة أصحاب الفيل إذ قصدوا مكة لتخريب الكعبة المعظمة فأهلكهم الله بإرسال طير أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول، وهي من آيات الله الجلية التي لا سترة عليها، وقد أرخو بها وذكرها الجاهليون في أشعارهم، والسورة مكية.

قوله تعالى: " ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل " المراد بالرؤية العلم الظاهر ظهور الحس، والاستفهام إنكاري، والمعنى ألم تعلم كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، وقد كانت الواقعة عام ولد فيه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

قوله تعالى: " ألم يجعل كيدهم في تضليل " المراد بكيدهم سوء قصدهم بمكة وإرادتهم تخريب البيت الحرام، والتضليل والاضلال واحد، وجعل كيدهم في تضليل جعل سعيهم ضالا لا يهتدى إلى الغاية المقصودة منه فقد ساروا لتخريب الكعبة وانتهى بهم إلى هلاك أنفسهم.

 

 

/ صفحة 362 /

قوله تعالى: " وأرسل عليهم طيرا أبابيل " الابابيل - كما قيل - جماعات في تفرقة زمرة زمرة، والمعنى وأرسل الله على أصحاب الفيل جماعات متفرقة من الطير والآية والتى تتلوها عطف تفسير على قوله: " ألم يجعل كيدهم في تضليل ".

قوله تعالى: " ترميهم بحجارة من سجيل " أي ترمي أبابيل الطير أصحاب الفيل بحجارة من سجيل، وقد تقدم معنى السجيل في تفسير قصص قوم لوط.

قوله تعالى: " فجعلهم كعصف مأكول " العصف ورق الزرع والعصف المأكول ورق الزرع الذي أكل حبه أو قشر الحب الذي أكل لبه والمراد أنهم عادوا بعد وقوع السجيل عليهم أجسادا بلا أرواح أو أن الحجر بحرارته أحرق أجوافهم، وقيل: المراد ورق الزرع الذي وقع فيها الاكال وهو أن يأكله الدود فيفسده وفسرت الآية ببعض وجوه اخر لا يناسب الادب القرآني.

(بحث روائي) في المجمع: أجمعت الرواة على أن ملك اليمن الذي قصد هدم الكعبة هو أبرهة بن الصباح الاشرم وقيل: إن كنيته أبو يكسوم ونقل عن الواقدي أنه جد النجاشي الذي كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

ثم ساق الكلام في قصة استيلائه على ملك اليمن إلى أن قال: ثم إنه بنى كعبة باليمن وجعل فيها قبابا من ذهب فأمر أهل مملكته بالحج إليها يضاهي بذلك البيت الحرام، وإن رجلا من بني كنانة خرج حتى قدم اليمن فنظر إليها ثم قعد فيها يعني لحاجة الانسان فدخلها أبرهة فوجد تلك العذرة فيها فقال: من اجترء علي بهذا؟ ونصرانيتي لاهدمن ذلك البيت حتى لا يحجه حاج أبدا ودعا بالفيل وأذن قومه بالخروج ومن اتبعه من أهل اليمن، وكان أكثر من اتبعه منهم عك والاشعرون وخثعم.

قال: ثم خرج يسير حتى إذا كان ببعض طريقه بعث رجلا من بني سليم ليدعو الناس إلى حج بيته الذي بناه فتلقاه أيضا رجل من الحمس من بني كنانة فقتله فازداد بذلك حنقا وحث السير والانطلاق.

وطلب من أهل الطائف دليلا فبعثوا معه رجلا من هذيل يقال له نفيل فخرج بهم يهديهم حتى إذا كانوا بالمغمس نزلوه وهو من مكة على ستة أميال فبعثوا مقدماتهم إلى

 

/ صفحة 363 /

مكة فخرجت قريش عباديد في رؤوس الجبال وقالوا: لا طاقة لنا بقتال هؤلاء ولم يبق بمكه غير عبد المطلب بن هاشم أقام على سقايته وغير شيبة بن عثمان بن عبد الدار أقام على حجابة البيت فجعل عبد المطلب يأخذ بعضادتي الباب ثم يقول: لا هم إن المرء يمنع رحله فامنع جلالك لا يغلبوا بصليبهم ومحالهم عدوا محالك لا يدخلوا البلد الحرام إذا فأمرما بدالك ثم إن مقدمات أبرهه أصابت نعما لقريش فأصابت فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم فلما بلغه ذلك خرج حتى أتى القوم، وكان حاجب أبرهة رجلا من الاشعرين وكان له بعبد المطلب معرفة فاستأذن له على الملك وقال له: أيها الملك جاءك سيد قريش الذى يطعم إنسها في الحي ووحشها في الجبل فقال له: ائذن له.

وكان عبد المطلب رجلا جسيما جميلا فلما رآه أبو يكسوم أعظمه أن يجلسه تحته وكره أن يجلسه معه على سريره فنزل من سريره فجلس على الارض وأجلس عبد المطلب معه ثم قال: ما حاجتك؟ قال: حاجتي مائتا بعير لي أصابتها مقدمتك فقال أبو يكسوم: والله لقد رأيتك فأعجبتني ثم تكلمت فزهدت فيك فقال: ولم أيها الملك؟ قال: لاني جئت إلى بيت عزكم ومنعتكم من العرب وفضلكم في الناس وشرفكم عليهم ودينكم الذي تعبدون فجئت لاكسره وأصيبت لك مائتا بعير فسألتك عن حاجتك فكلمتني في إبلك ولم تطلب إلي في بيتكم.

فقال له عبد المطلب: أيها الملك أنا أكلمك في مالي ولهذا البيت رب هو يمنعه لست أنا منه في شئ فراع ذلك أبو يكسوم وأمر برد إبل عبد المطلب عليه ثم رجع وأمست ليلتهم تلك الليلة كالحة نجومها كأنها تكلمهم كلاما لاقتربها منهم فأحست نفوسهم بالعذاب.

إلى أن قال: حتى إذا كان مع طلوع الشمس طلعت عليهم الطير معها الحجارة فجعلت ترميهم، وكل طائر في منقاره حجر وفي رجليه حجران وإذا رمت بذلك مضت وطلعت اخرى فلا يقع حجر من حجارتهم تلك على بطن إلا خرقه ولا عظم إلا أوهاه وثقبه، وثاب أبو يكسوم راجعا قد أصابته بعض الحجارة فجعل كلما قدم أرضا انقطع له فيها إرب حتى إذا انتهى إلى اليمن لم يبق شئ إلا باده فلما قدمها تصدع صدره وانشق بطنه فهلك ولم يصب من الاشعرين وخثعم أحد، الحديث.

 

/ صفحة 364 /

أقول: وفي الروايات اختلاف شديد في خصوصيات القصة من أراد الوقوف عليها فعليه بمطولات السير والتواريخ.

 

(سورة قريش مكية وهي أربع آيات)

بسم الله الرحمن الرحيم لايلاف قريش - 1.

إيلافهم رحلة الشتاء والصيف - 2.

فليعبدوا رب هذا البيت - 3.

الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف - 4.

(بيان) تتضمن السورة امتنانا على قريش بإيلافهم الرحلتين وتعقبه بدعوتهم إلى التوحيد وعبادة رب البيت، والسورة مكية.

ولمضمون السورة نوع تعلق بمضمون سورة الفيل ولذا ذهب قوم من أهل السنة إلى كون الفيل ولايلاف سورة واحدة كما قيل بمثله في الضحى وألم نشرح لما بينهما من الارتباط كما نسب ذلك إلى المشهور بين الشيعة والحق أن شيئا مما استندوا إليه لا يفيد ذلك.

أما القائلون بذلك من أهل السنة فإنهم استندوا فيه إلى ما روي أن أبي بن كعب لم يفصل بينهما في مصحفه بالبسملة، وبما روي عن عمرو بن ميمون الازدي قال: صليت المغرب خلف عمر بن الخطاب فقرء في الركعة الاولى والتين وفي الثانية ألم تر ولايلاف قريش من غير أن يفصل بالبسملة.

وأجيب عن الرواية الاولى بمعارضتها بما روي أنه أثبت البسملة بينهما في مصحفه، وعن الثانية بأن من المحتمل على تقدير صحتها أن يكون الراوي لم يسمع قراءتها أو يكون قرأها سرا.

على أنها معارض بما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إن الله فضل قريشا بسبع خصال وفيها " ونزلت فيهم سورة من القرآن لم يذكر فيها أحد غيرهم: لايلاف قريش ".

الحديث على أن الفصل متواتر.

وأما القائلون بذلك من الشيعة فاستندوا فيه إلى ما في المجمع عن أبي العباس عن أحدهما (عليهما السلام) قال: ألم تر كيف فعل ربك ولايلاف قريش سورة واحدة، وما

 

/ صفحة 365 /

في التهذيب باسناده عن العلاء عن زيد الشحام قال: صلى بنا أبو عبد الله (عليه السلام) الفجر فقرء الضحى وألم نشرح في ركعة، وما في المجمع عن العياشي عن المفضل بن صالح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: لا تجمع بين سورتين في ركعة واحدة إلا الضحى وألم نشرح وألم تر كيف ولايلاف قريش، ورواه المحقق في المعتبر نقلا من كتاب الجامع لاحمد بن محمد بن أبي نصر عن المفضل مثله.

أما رواية أبي العباس فضعيف لما فيها من الرفع.

وأما رواية الشحام فقد رويت عنه بطريقين آخرين: أحدهما ما في التهذيب باسناده عن ابن مسكان عن زيد الشحام قال: صلى بنا أبو عبد الله (عليه السلام) فقرء بنا بالضحى وألم نشرح، وثانيهما عنه عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن زيد الشحام قال: صلى بنا أبو عبد الله (عليه السلام) فقرء في الاولى الضحى وفي الثانية ألم نشرح لك صدرك.

وهذه أعني صحيحة ابن أبي عمير صريحة في قراءة السورتين في ركعتين ولا يبقى معها لرواية العلاء ظهور في الجمع بينهما، وأما رواية ابن مسكان فلا ظهور لها في الجمع ولا صراحة، وأما حمل ابن أبي عمير على النافلة فيدفعه قوله فيها: " صلى بنا " فإنه صريح في الجماعة ولا جماعة في نفل.

وأما رواية المفضل فهي أدل على كونهما سورتين منها على كونهما سورة واحدة حيث قيل: لا تجمع بين سورتين ثم استثني من السورتين الضحى وألم نشرح وكذا الفيل ولايلاف.

فالحق أن الروايات إن دلت فإنما تدل على جواز القران بين سورتي الضحى وألم نشرح وسورتي الفيل ولايلاف في ركعة واحدة من الفرائض وهو ممنوع في غيرها، ويؤيده روايه الراوندي في الخرائج عن داود الرقي عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال فلما طلع الفجر قام فأذن وأقام وأقامني عن يمينه وقرء في أول ركعة الحمد والضحى وفي الثانية بالحمد وقل هو الله أحد ثم قنت ثم سلم ثم جلس.

قوله تعالى: " لايلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف " الالف بكسر الهمزة اجتماع مع التئام كما قاله الراغب ومنه الالفة، وقال في الصحاح: وفلان قد ألف هذا الموضع بالكسر يألفه إلفا وآلفه إياه غيره، ويقال أيضا: آلفت الموضع أولفه إيلافا، انتهى.

وقريش عشيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم ولد النضر بن كنانة المسمى قريشا، والرحلة حال السير على الراحلة وهي الناقة القوية على السير كما في المجمع، والمراد بالرحلة خروج قريش

 

/ صفحة 366 /

من مكة للتجارة وذلك أن الحرم واد جديب لا زرع فيه ولا ضرع فكانت قريش تعيش فيه بالتجارة، وكانت لهم في كل سنة رحلتان للتجارة رحلة في الشتاء إلى اليمن ورحلة بالصيف إلى الشام، وكانوا يعيشون بذلك وكان الناس يحترمونهم لمكان البيت الحرام فلا يتعرضون لهم بقطع طريقهم أو الاغارة على بلدهم الآمن.

وقوله: " لايلاف قريش " اللام فيه للتعليل، وفاعل الايلاف هو الله سبحانه وقريش مفعوله الاول ومفعوله الثاني محذوف يدل عليه ما بعده، وقوله: " إيلافهم رحلة الشتاء والصيف " بدل من إيلاف قريش، وفاعل إيلافهم هو الله ومفعوله الاول ضمير الجمع ومفعوله الثاني رحلة الخ، والتقدير لايلاف الله قريشا رحلة الشتاء والصيف.

قوله تعالى: " فليعبدوا رب هذا البيت " الفاء في " فليعبدوا " لتوهم معنى الشرط أي أي شئ كان فليعبدوا رب هذا البيت لايلافه أيام الرحلتين أو لتوهم التفصيل أي مهما يكن من شئ فليعبدوا رب هذا البيت الخ، فهو كقوله تعالى: " ولربك فاصبر " المدثر: 7.

ومحصل معنى الآيات الثلاث ليعبد قريش رب هذا البيت لاجل إيلافه إياهم رحلة الشتاء والصيف وهم عائشون بذلك في أمن.

هذا بالنظر إلى كون السورة منفصلة عما قبلها ذات سياق مستقل في نفسها، وأما على تقدير كونها جزء من سورة الفيل متممة لها فذكروا أن اللام في " لايلاف " تعليلية متعلقة بمقدر يدل عليه المقام والمعنى فعلنا ذلك بأصحاب الفيل نعمة منا على قريش مضافة إلى نعمتنا عليهم في رحلة الشتاء والصيف فكأنه قال: نعمة إلى نعمة ولذا قيل: إن اللام مؤدية معنى إلى وهو قول الفراء.

وقيل: المعنى فعلنا ذلك بأصحاب الفيل لتألف قريش بمكة ويمكنهم المقام بها أو لنؤلف قريشا فإنهم هابوا من أبرهة لما قصدها وهربوا منه فأهلكناهم لترجع قريش إلى مكة ويألفوا بها ويولد محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فيبعث إلى الناس بشيرا ونذيرا هذا، والكلام في استفادة هذه المعاني من السياق.

قوله تعالى: " الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف " إشارة إلى ما في إيلافهم الرحلتين من منه الواضح ونعمته الظاهرة عليهم وهو الاطعام والامن فيعيشون في أرض لا خصب فيها ولا أمن لغيرهم فليعبدوا ربا يدبر أمرهم أحسن التدبير وهو رب البيت.

 

/ صفحة 367 /

(بحث روائي) في تفسير القمي في قوله تعالى: " لايلاف قريش إيلافهم " قال: نزلت في قريش لانه كان معاشهم من الرحلتين رحلة في الشتاء إلى اليمن، ورحلة في الصيف إلى الشام، وكانوا يحملون من مكة الادم واللب وما يقع من ناحية البحر من الفلفل وغيره فيشترون بالشام الثياب والدرمك والحبوب، وكانوا يتألفون في طريقهم ويثبتون في الخروج في كل خرجة رئيسا من رؤساء قريش وكان معاشهم من ذلك.

فلما بعث الله نبيه استغنوا عن ذلك لان الناس وفدوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وحجوا إلى البيت فقال الله: " فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع " لا يحتاجون أن يذهبوا إلى الشام " وآمنهم من خوف " يعني خوف الطريق.

اقول: قوله: فلما بعث الله الخ خفي الانطباق على سياق آيات السورة، ولعله من كلام القمي أخذه من بعض ما روي عن ابن عباس.

 

(سورة الماعون مدنية أو مكية وهي سبع آيات)

بسم الله الرحمن الرحيم أرأيت الذي يكذب بالدين - 1.

فذلك الذي يدع اليتيم - 2.

ولا يحض على طعام المسكين - 3.

فويل للمصلين - 4.

الذين هم عن صلاتهم ساهون - 5.

الذين هم يراؤن - 6.

ويمنعون الماعون - 7.

(بيان) وعيد لمن كان من المنتحلين بالدين متخلقا بأخلاق المنافقين كالسهو عن الصلاة والرياء في الاعمال ومنع الماعون مما لا يلائم التصديق بالجزاء.

والسورة تحتمل المكية والمدنية، وقيل: نصفها مكي ونصفها مدني.

 

/ صفحة 368 /

قوله تعالى: " أرأيت الذي يكذب بالدين " الرؤية تحتمل الرؤية البصرية وتحتمل أن تكون بمعنى المعرفة، والخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما أنه سامع فيتوجه إلى كل سامع، والمراد بالدين الجزاء يوم الجزاء فالمكذب بالدين منكر المعاد وقيل المراد به الدين بمعنى الملة.

قوله تعالى: " فذلك الذي يدع اليتيم " الدع هو الرد بعنف وجفاء، والفاء في " فذلك " لتوهم معنى الشرط والتقدير أرأيت الذي يكذب بالجزاء فعرفته بصفاته اللازمة لتكذيبه فإن لم تعرفه فذلك الذي يرد اليتيم بعنف ويجفوه ولا يخاف عاقبة عمله السيئ ولو لم يكذب به لخافها ولو خافها لرحمه.

قوله تعالى: " ولا يحض على طعام المسكين " الحض الترغيب، والكلام على تقدير مضاف أي لا يرغب الناس على إطعام طعام المسكين قيل: إن التعبير بالطعام دون الاطعام للاشعار بأن المسكين كأنه مالك لما يعطى له كما في قوله تعالى: " وفي أموالهم حق للسائل والمحروم " الذاريات: 19 وقيل: الطعام في الآية بمعنى الاطعام.

والتعبير بالحض دون الاطعام لان الحض أعم من الحض العملي الذي يتحقق بالاطعام.

قوله تعالى: " فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون " أي غافلون لا يهتمون بها ولا يبالون أن تفوتهم بالكلية أو بعض الاوقات أو تتأخر عن وقت فضيلتها وهكذا.

وفي الآية تطبيق من يكذب بالدين على هؤلاء المصلين لمكان فاء التفريع ودلالة على أنهم لا يخلون من نفاق لانهن يكذبون بالدين عملا وهم يتظاهرون بالايمان.

قوله تعالى: " الذين هم يراؤن " أي يأتون بالعبادات لمراآة الناس فهم يعملون للناس لا لله تعالى.

قوله تعالى: " ويمنعون الماعون " الماعون كل ما يعين الغير في رفع حاجة من حوائج الحياة كالقرض تقرضه والمعروف تصنعه ومتاع البيت تعيره، والى هذا يرجع متفرقات ما فسر به في كلماتهم.

(بحث روائي) في تفسير القمي في قوله تعالى: " أرأيت الذي يكذب بالدين " قال: نزلت في أبي جهل وكفار قريش، وفي قوله: " الذين هم عن صلاتهم ساهون " قال: عنى به تاركون لان كل إنسان يسهو في الصلاة قال أبو عبد الله (عليه السلام): تأخير الصلاة عن أول وقتها لغير عذر.

 

/ صفحة 369 /

وفي الخصال عن علي (عليه السلام) في حديث الاربعمائة قال: ليس عمل أحب إلى الله عز وجل من الصلاة فلا يشغلنكم عن أوقاتها شئ من امور الدنيا فإن الله عزوجل ذم أقواما فقال: " الذين هم عن صلاتهم ساهون " يعني أنهم غافلون استهانوا بأوقاتها.

وفي الكافي باسناده عن محمد بن الفضيل قال: سألت عبدا صالحا (عليه السلام) عن قول الله عزوجل: " الذين هم عن صلاتهم ساهون " قال هو التضييع.

أقول: وفي هذه المضامين روايات أخر.

وفي الدر المنثور أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن علي بن أبي طالب " الذين هم يراؤن " قال: يراؤن بصلاتهم.

وفيه أخرج أبو نعيم والديلمي وابن عساكر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله " ويمنعون الماعون " قال: ما تعاون الناس بينهم الفاس والقدر والدلو وأشباهه.

وفي الكافي باسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال.

وقوله عزوجل: " ويمنعون الماعون " هو القرض تقرضه والمعروف تصنعه ومتاع البيت تعيره ومنه الزكاة.

أقول: وتفسير الماعون بالزكاة مروي من طرق أهل السنة أيضا عن علي (عليه السلام) كما في الدر المنثور ولفظه: الماعون الزكاة المفروضة يراؤن بصلاتهم ويمنعون زكاتهم.

وفي الدر المنثور أخرج ابن قانع عن علي بن أبي طالب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: المسلم أخو المسلم إذا لقيه حياه بالسلام ويرد عليه ما هو خير منه لا يمنع الماعون قلت: يا رسول الله ما الماعون؟ قال صلى الله عليه وسلم: الحجر والحديد والماء وأشباه ذلك.

أقول: وقد فسر (صلى الله عليه وآله وسلم) في رواية اخرى الحديد بقدور النحاس وحديد الفاس والحجر بقدور الحجارة.

 

(سورة الكوثر مكية وهي ثلاث آيات)

بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر - 1.

فصل لربك وانحر - 2.

إن شانئك هو الابتر - 3.

 

/ صفحة 370 /

(بيان) امتنان على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بإعطائه الكوثر وتطييب لنفسه الشريفة بأن شانئه هو الابتر، وهي أقصر سورة في القرآن وقد اختلفت الروايات في كون السورة مكية أو مدنية، والظاهر أنها مكية، وذكر بعضهم أنها نزلت مرتين جمعا بين الروايات.

قوله تعالى: " إنا أعطيناك الكوثر " قال في المجمع الكوثر فوعل وهو الشئ الذي من شأنه الكثرة، والكوثر الخير الكثير، انتهى.

وقد اختلفت أقوالهم في تفسير الكوثر اختلافا عجيبا فقيل: هو الخير الكثير، وقيل نهر في الجنة، وقيل: حوض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الجنة أو في المحشر، وقيل: أولاده وقيل: أصحابه وأشياعه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يوم القيامة، وقيل: علماء امته (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل القرآن وفضائله كثيرة، وقيل النبوة وقيل: تيسير القرآن وتخفيف الشرائع وقيل: الاسلام وقيل التوحيد، وقيل: العلم والحكمة، وقيل: فضائله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل المقام المحمود، وقيل: هو نور قلبه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى غير ذلك مما قيل، وقد نقل عن بعضهم أنه أنهى الاقوال إلى ستة وعشرين.

وقد استند في القولين الاولين إلى بعض الروايات، وباقي الاقوال لا تخلو من تحكم وكيفما كان فقوله في آخر السورة: " إن شانئك هو الابتر " - وظاهر الابتر هو المنقطع نسله وظاهر الجملة انها من قبيل قصر القلب - ان كثرة ذريته (صلى الله عليه وآله وسلم) هي المرادة وحدها بالكوثر الذي اعطيه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو المراد بها الخير الكثير وكثرة الذرية مرادة في ضمن الخير الكثير ولولا ذلك لكان تحقيق الكلام بقوله: " إن شانئك هو الابتر " خاليا عن الفائدة.

وقد استفاضت الروايات أن السورة إنما نزلت فيمن عابه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالبتر بعد ما مات ابناه القاسم وعبد الله، وبذلك يندفع ما قيل: ان مراد الشانئ بقوله: " أبتر " المنقطع عن قومه أو المنقطع عن الخير فرد الله عليه بأنه هو المنقطع من كل خير.

ولما في قوله: " انا أعطيناك " من الامتنان عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) جئ بلفظ المتكلم مع الغير الدال على العظمة، ولما فيه من تطييب نفسه الشريفة أكدت الجملة بإن وعبر بلفظ الاعطاء الظاهر في التمليك.

 

/ صفحة 371 /

والجمله لا تخلو من دلالة على أن ولد فاطمة (عليها السلام) ذريته (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا في نفسه من ملاحم القرآن الكريم فقد كثر الله تعالى نسله بعده كثرة لا يعادلهم فيها أي نسل آخر مع ما نزل عليهم من النوائب وأفنى جموعهم من المقاتل الذريعة.

قوله تعالى: " فصل لربك وانحر " ظاهر السياق في تفريع الامر بالصلاة والنحر على الامتنان في قوله: " إنا أعطيناك الكوثر " انه من شكر النعمة والمعنى إذا مننا عليك بإعطاء الكوثر فاشكر لهذه النعمة بالصلاة والنحر.

والمراد بالنحر على ما رواه الفريقان عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعن علي (عليه السلام) وروته الشيعة عن الصادق (عليه السلام) وغيره من الائمة هو رفع اليدين في تكبير الصلاة إلى النحر.

وقيل: معنى الآية صل لربك صلاة العيد وانحر البدن، وقيل: يعني صل لربك واستو قائما عند رفع رأسك من الركوع وقيل غير ذلك.

قوله تعالى: " إن شانئك هو الابتر " الشانئ هو المبغض والابتر من لا عقب له وهذا الشانئ هو العاصي بن وائل.

وقيل: المراد بالابتر المنقطع عن الخير أو المنقطع عن قومه، وقد عرفت أن روايات سبب نزول السورة لا تلائمه وستجيئ.

(بحث روائي) في الدر المنثور أخرج البخاري وابن جرير والحاكم من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: الكوثر الخير الذي أعطاه إياه قال أبو بشر قلت لسعيد ابن جبير فإن ناسا يزعمون أنه نهر في الجنة قال: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه.

وفيه أخرج ابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن علي بن أبي طالب قال: لما نزلت هذه السورة على النبي صلى الله عليه وسلم " إنا أعطيناك الكوثر " قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل: ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي؟ قال: إنها ليست بنحيرة ولكن يأمرك إذا تحرمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبرت وإذا ركعت وإذا رفعت رأسك من الركوع فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة الذين في السماوات السبع، وإن لكل شئ زينة وزينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: رفع اليدين من الاستكانة التي قال الله: " فما استكانوا لربهم

 

/ صفحة 372 /

وما يتضرعون ".

أقول: ورواه في المجمع عن المقاتل عن الاصبغ بن نباتة عنه (عليه السلام) ثم قال: أورده الثعلبي والواحدي في تفسيرهما، وقال أيضا: إن جميع عترته الطاهرة رووا عنه (عليه السلام) أن معنى النحر رفع اليدين إلى النحر في الصلاة.

وفيه أخرج ابن جرير عن أبي جعفر في قوله: " فصل لربك " قال: الصلاة " وانحر " قال يرفع يديه أول ما يكبر في الافتتاح.

وفيه أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: " فصل لربك وانحر " قال: إن الله أوحى إلى رسوله أن ارفع يديك حذاء نحرك إذا كبرت للصلاة فذاك النحر.

وفي المجمع في الآية عن عمر بن يزيد قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول في قوله " فصل لربك وانحر " هو رفع يديك حذاء وجهك.

اقول: ثم قال: وروى عنه عبد الله بن سنان مثله، وروى أيضا قريبا منه عن جميل عنه (عليه السلام).

وفي الدر المنثور أخرج ابن سعد وابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان أكبر ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم القاسم ثم زينب ثم عبد الله ثم أم كلثوم ثم فاطمة ثم رقية فمات القاسم وهو أول ميت من ولده بمكة ثم مات عبد الله فقال العاصي بن وائل السهمي قد انقطع نسله فهو أبتر فأنزل الله " إن شانئك هو الابتر ".

وفيه أخرج الزبير بن بكار وابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: توفي القاسم ابن رسول الله بمكة فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آت من جنازته على العاصى بن وائل وابنه عمرو فقال حين رآى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لاشنؤه فقال العاصي بن وائل: لا جرم لقد أصبح أبتر فأنزل الله " إن شانئك هو الابتر ".

وفيه أخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: كانت قريش تقول - إذا مات ذكور الرجل - بتر فلان فلما مات ولد النبي صلى الله عليه وسلم قال العاصي بن وائل: بتر والابتر الفرد.

اقول: وفي بعض الآثار أن الشانئ هو الوليد بن المغيرة، وفي بعضها أبو جهل وفي بعضها عقبة بن أبي معيط، وفي بعضها كعب بن الاشرف، والمعتمد ما تقدم.

ويؤيده ما في احتجاج الطبرسي عن الحسن بن علي (عليهما السلام) في حديث يخاطب فيه عمرو بن العاصي: وإنك ولدت على فراش مشترك فتحاكمت فيك رجال قريش

 

/ صفحة 373 /

منهم أبو سفيان بن حرب والوليد بن المغيرة وعثمان بن الحارث والنضر بن الحارث بن كلدة والعاصي بن وائل كلهم يزعم أنك ابنه فغلبهم عليك من بين قريش الامهم حسبا وأخبثهم منصبا وأعظمهم بغية.

ثم قمت خطيبا وقلت: أنا شانئ محمد وقال العاصي بن وائل: إن محمدا رجل أبتر لا ولد له فلو قد مات انقطع ذكره فأنزل الله تبارك وتعالى: " إن شانئك هو الابتر " الحديث.

وفي تفسير القمي " إنا أعطيناك الكوثر " قال: الكوثر نهر في الجنة أعطى الله محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) عوضا عن ابنه إبراهيم.

اقول: الخبر على ارساله واضماره معارض لسائر الروايات وتفسير الكوثر بنهر في الجنة لا ينافي التفسير بالخير الكثير كما تقدم في خبر ابن جبير.

 

(سورة الكافرون مكية وهي ست آيات)

بسم الله الرحمن الرحيم قل يا أيها الكافرون - 1.

لا أعبد ما تعبدون - 2.

ولا أنتم عابدون ما أعبد - 3.

ولا أنا عابد ما عبدتم - 4.

ولا أنتم عابدون ما أعبد - 5.

لكم دينكم ولي دين - 6.

(بيان) فيها أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يظهر للكفار براءته من دينهم ويخبرهم بامتناعهم من دينه فلا دينه يتعداه إليهم ولا دينهم يتعداهم إليه فلا يعبد ما يعبدون أبدا ولا يعبدون ما يعبد أبدا فلييأسوا من أي نوع من المداهنة والمساهلة.

 

واختلفوا في كون السورة مكية أو مدنية، والظاهر من سياقها أنها مكية.

قوله تعالى: " قل يا أيها الكافرون " الظاهر أن هؤلاء قوم معهودون لا كل كافر ويدل على ذلك أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يخاطبهم ببراءته من دينهم وامتناعهم من دينه.

قوله تعالى: " لا أعبد ما تعبدون " الآية إلى آخر السورة مقول القول، والمراد بما

 

/ صفحة 374 /

تعبدون الاصنام التي كانوا يعبدونها، ومفعول " يعبدون " ضمير راجع إلى الموصول محذوف لدلالة الكلام عليه ولرعاية الفواصل، وكذا مفاعيل الافعال التالية: " أعبد " و " عبدتم " و " أعبد ".

وقوله: " لا أعبد " نفي استقبالي فإن " لا " لنفي الاستقبال كما أن " ما " لنفي الحال، والمعنى لا أعبد أبدا ما تعبدونه اليوم من الاصنام.

قوله تعالى: " ولا أنتم عابدون ما أعبد " نفي استقبالي أيضا لعبادتهم ما يعبده (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو اخبار عن امتناعهم عن الدخول في دين التوحيد في مستقبل الامر.

وبانضمام الامر الذي في مفتتح الكلام تفيد الآيتان أن الله سبحانه أمرني بالدوام على عبادته وأن أخبركم أنكم لا تعبدونه أبدا فلا يقع بيني وبينكم اشتراك في الدين أبدا.

فالآية في معنى قوله تعالى: " لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون " يس: 7، وقوله: " إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون " البقرة: 6.

وكان من حق الكلام أن يقال: ولا أنتم عابدون من أعبد.

لكن قيل: ما أعبد ليطابق ما في قوله: " لا أعبد ما تعبدون ".

قوله تعالى: " ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد " تكرار لمضمون الجملتين السابقتين لزيادة التأكيد، كقوله: " كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون " التكاثر: 4 وقوله: " فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر " المدثر: 20.

وقيل: إن " ما " في " ما عبدتم " و " ما أعبد " مصدرية لا موصولة والمعنى ولا أنا عابد عبادتكم ولا أنتم عابدون عبادتي أي لا اشارككم ولا تشاركونني لا في المعبود ولا في العبادة فمعبودي هو الله ومعبودكم الوثن وعبادتي ما شرعه الله لي وعبادتكم ما ابتدعتموه جهلا وافتراء، وعلى هذا فالآيتان غير مسوقتين للتأكيد، ولا يخلو من بعد وسيأتي في البحث الروائي التالي وجه آخر للتكرار لطيف.

قوله تعالى: " لكم دينكم ولي دين " تأكيد بحسب المعنى لما تقدم من نفي الاشتراك، واللام للاختصاص أي دينكم وهو عبادة الاصنام يختص بكم ولا يتعداكم إلى وديني يختص بي ولا يتعداني إليكم ولا محل لتوهم دلالة الآية على إباحة أخذ كل بما يرتضيه من الدين ولا أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يتعرض لدينهم بعد ذلك فالدعوة الحقة التي يتضمنها القرآن تدفع ذلك أساسا.

 

/ صفحة 375 /

وقيل: الدين في الآية بمعنى الجزاء والمعنى لكم جزاؤكم ولي جزائي، وقيل: إن هناك مضافا محذوفا والتقدير لكم جزاء دينكم ولي جزاء ديني، والوجهان بعيدان عن الفهم.

(بحث روائي) في الدر المنثور أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن الانباري في المصاحف عن سعيد بن ميناء مولى أبي البختري قال: لقي الوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل والاسود بن المطلب وأمية بن خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد ولنشترك نحن وانت في أمرنا كله فإن كان الذي نحن عليه أصح من الذي أنت عليه كنت قد أخذت منه حظا وإن كان الذي انت عليه أصح من الذي نحن عليه كنا قد أخذنا منه حظا فأنزل الله " قل يا أيها الكافرون لا اعبدما تعبدون " حتى انقضت السورة.

اقول: وروى الشيخ في الامالي بإسناده عن ميناء عن غير واحد من اصحابه قريبا منه.

وفي تفسير القمي عن أبيه عن ابن أبي عمير قال: سأل أبو شاكر أبا جعفر الاحول عن قول الله: " قل أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد " فهل يتكلم الحكيم بمثل هذا القول، ويكرر مرة بعد مرة؟ فلم يكن عند أبي جعفر الاحول في ذلك جواب.

فدخل المدينة فسأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذلك فقال: كان سبب نزولها وتكرارها أن قريشا قالت لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة وتعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة فأجابهم الله بمثل ما قالوا فقال فيما قالوا: تعبد آلهتنا سنة: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، وفيما قالوا: نعبد إلهك سنة: ولا أنتم عابدون ما أعبد، وفيما قالوا: تعبد آلهتنا سنة: " ولا أنا عابد ما عبدتم " وفيما قالوا: نعبد إلهك سنة: " ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين ".

قال: فرجع ابو جعفر الاحول إلى ابي شاكر فأخبره بذلك فقال ابو شاكر: هذا حملته الابل من الحجاز.

اقول: مفاد التكرار في كلام قريش الاستمرار على عبادة آلهتهم سنة وعبادة الله تعالى سنة.

 

/ صفحة 376 /

 

(سورة النصر مدنية وهي ثلاث آيات)

بسم الله الرحمن الرحيم إذا جاء نصر الله والفتح - 1.

ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا - 2.

فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا - 3.

(بيان) وعدله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنصر والفتح وأنه سيرى الناس يدخلون في الاسلام فوجا بعد فوج وأمره بالتسبيح حينئذ والتحميد والاستغفار، والسورة مدنية نزلت بعد صلح الحديبية وقبل فتح مكة على ما سنستظهر.

قوله تعالى: " إذا جاء نصر الله والفتح " ظهور " إذا " المصدرة بها الآية في الاستقبال يستدعي أن يكون مضمون الآية إخبارا بتحقق أمر لم يتحقق بعد، وإذا كان المخبر به هو النصر والفتح وذلك مما تقر به عين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو وعد جميل وبشرى له (صلى الله عليه وآله وسلم) ويكون من ملاحم القرآن الكريم.

وليس المراد بالنصر والفتح جنسهما حتى يصدقا على جميع المواقف التي أيد الله فيها نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) على أعدائه وأظهر دينه على دينهم كما في حروبه ومغازيه وإيمان الانصار وأهل اليمن كما قبل إذ لا يلائمه قوله بعد: " ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا ".

وليس المراد بذلك أيضا صلح الحديبية الذي سماه الله تعالى فتحا إذ قال " إنا فتحنا لك فتحا مبينا " الفتح: 1 - لعدم انطباق الآية الثانية بمضمونها عليه.

وأوضح ما يقبل الانطباق عليه النصر والفتح المذكوران في الآية هو فتح مكة الذي هو أم فتوحاته " ص " في زمن حياته والنصر الباهر الذي انهدم به بنيان الشرك في جزيرة العرب.

ويؤيده وعد النصر الذي في الآيات النازلة في الحديبية " إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا " الفتح: 3 فإن من القريب جدا أن يكون ما في الآيات وعدا بنصر عزيز يرتبط بفتح الحديبية وهو نصره تعالى نبيه " ص " على قريش حتى فتح مكة بعد

 

/ صفحة 377 /

مضى سنتين من فتح الحديبية.

وهذا الذي ذكر أقرب من حمل الآية على إجابة أهل اليمن الدعوة الحقة ودخولهم في الاسلام من غير قتال، فالاقرب إلى الاعتبار كون المراد بالنصر والفتح نصره تعالى نبيه " ص " على قريش وفتح مكة، وأن تكون السورة نازلة بعد صلح الحديبية ونزول سورة الفتح وقبل فتح مكة.

قوله تعالى: " ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا " قال الراغب: الفوج الجماعة المارة المسرعة، وجمعه أفواج.

انتهى.

فمعنى دخول الناس في دين الله أفواجا دخولهم فيه جماعة بعد جماعة، والمراد بدين الله الاسلام قال تعالى: " إن الدين عند الله الاسلام " آل عمران: 19.

قوله تعالى: " فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا " لما كان هذا النصر والفتح إذلالا منه تعالى للشرك وإعزازا للتوحيد وبعبارة أخرى إبطالا للباطل وإحقاقا للحق ناسب من الجهة الاولى تنزيهه تعالى وتسبيحه، وناسب من الجهة الثانية - التي هي نعمة - الثناء عليه تعالى وحمده فلذلك أمره " ص " بقوله: " فسبح بحمد ربك ".

وههنا وجه آخر يوجه به الامر بالتسبيح والتحميد والاستغفار جميعا وهو أن للرب تعالى: " على عبده أن يذكره بصفات كماله ويذكر نفسه بما له من النقص والحاجة ولما كان في هذا الفتح فراغه " ص " من جل ما كان عليه من السعي في إماطة الباطل وقطع دابر الفساد أمر أن يذكره عند ذلك بجلاله وهو التسبيح وجماله وهو التحميد وأن يذكره بنقص نفسه وحاجته إلى ربه وهو طلب المغفرة ومعناه فيه " ص " - وهو مغفور - سؤال إدامة المغفرة فإن الحاجة إلى المغفرة بقاء كالحاجة إليها حدوثا فافهم ذلك، وبذلك يتم شكره لربه تعالى وقد تقدم (1) كلام في معنى مغفرة الذنب في الابحاث السابقة.

وقوله: " إنه كان توابا " تعليل للامر بالاستغفار لا يخلو من تشويق وتأكيد.

(بحث روائي) في المجمع عن مقاتل: لما نزلت هذه السورة قرأها " ص " على أصحابه ففرحوا واستبشروا وسمعها العباس فبكى فقال " ص ": ما يبكيك يا عم؟ قال: أظن أنه قد

 

* (هامش) *

(1) في آخر الجزء السادس من الكتاب.

 

/ صفحة 378 /

نعيت اليك نفسك يا رسول الله فقال: إنه لكما تقول فعاش بعدها سنتين ما رؤي بعدها ضاحكا مستبشرا.

اقول: وروي هذا المعنى في عدة روايات بألفاظ مختلفة وقيل في وجه دلالتها أن سياقها يلوح إلى فراغه " ص " مما عليه من السعي والمجاهدة وتمام امره، وعند الكمال يرقب الزوال.

وفيه عن ام سلمة قالت: كان رسول الله " ص " بالآخرة لا يقوم ولا يقعد ولا يجئ ولا يذهب إلا قال: سبحان الله وبحمده استغفر الله واتوب إليه فسألناه عن ذلك فقال: إني أمرت بها ثم قرء " إذا جاء نصر الله والفتح ".

أقول: وفي هذا المعنى غير واحد من الروايات مع اختلاف ما فيما كان يقوله " ص ".

وفي العيون باسناده إلى الحسين بن خالد قال: قال الرضا (عليه السلام) سمعت ابى يحدث عن ابيه (عليهما السلام) ان اول سورة نزلت " بسم الله الرحمن الرحيم اقرء باسم ربك " وآخر سورة نزلت " إذا جاء نصر الله ".

اقول: لعل المراد به أنها آخر سورة نزلت تامة كما قيل.

وفي المجمع في قصة فتح مكة: لما صالح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قريشا عام الحديبية كان في أشراطهم أنه من أحب أن يدخل في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دخل فيه فدخلت خزاعة في عقد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ودخلت بنو بكر في عقد قريش، وكان بين القبيلتين شر قديم.

ثم وقعت فيما بعد بين بني بكر وخزاعة مقاتلة ورفدت قريش بني بكر بالسلاح وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفيا، وكان ممن أعان بني بكر على خزاعة بنفسه عكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو.

فركب عمرو بن سالم الخزاعي حتى قدم على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة وكان ذلك مما هاج فتح مكة فوقف عليه وهو في المسجد بين ظهراني القوم وقال: لا هم إني نأشد (1) محمدا * حلف أبينا وأبيه الا تلدا (2) إن قريشا أخلفوك الموعدا * ونقضوا ميثاقك المؤكدا وقتلونا ركعا وسجدا

 

* (هامش) *

(1) الناشد: الطالب والذكور.

(2) الا تلد: القديم.

 

/ صفحة 379 /

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): حسبك يا عمرو ثم قام فدخل دار ميمونة وقال: اسكبي لي ماء فجعل يغتسل وهو يقول: لا نصرت إن لم أنصر بني كعب وهم رهط عمرو بن سالم ثم خرج بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبروه بما أصيب منهم ومظاهرة قريش بني بكر عليهم ثم انصرفوا راجعين إلى مكة وقد كان (صلى الله عليه وآله وسلم) قال للناس: كأنكم بأبي سفيان قد جاء ليشدد العقد ويزيد في المدة وسيلقي بديل بن ورقاء فلقوا أبا سفيان بعسفان وقد بعثته قريش إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليشدد العقد.

فلما لقي أبو سفيان بديلا قال: من أين أقبلت يا بديل قال: سرت في هذا الساحل وفي بطن هذا الوادي قال: ما أتيت محمدا؟ قال: لا فلما راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان: لئن كان جاء من المدينة لقد علف بها النوى فعمد إلى مبرك ناقته وأخذ من بعرها ففته فرآى فيها النوى فقال: أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا.

ثم خرج أبو سفيان حتى قدم إلى رسول الله " ص " فقال: يا محمد احقن دماء قومك وأجر بين قريش وزدنا في المدة فقال: أغدرتم يا أبا سفيان؟ قال: لا فقال: فنحن على ما كنا عليه فخرج فلقي أبا بكر فقال: أجر بين قريش قال: ويحك وأحد يجير على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ ثم لقي عمر بن الخطاب فقال له مثل ذلك ثم خرج فدخل على أم حبيبة فذهب ليجلس على الفراش فأهوت إلى الفراش فطوته فقال: يا بنية أرغبت بهذا الفراش عني؟ فقالت: نعم هذا فراش رسول الله " ص " ما كنت لتجلس عليه وأنت رجس مشرك.

ثم خرج فدخل على فاطمة (عليها السلام) فقال: يا بنت سيد العرب تجيرين بين قريش وتزيدين في المدة فتكونين أكرم سيدة في الناس؟ فقالت: جواري جوار رسول الله صلى الله عليه وآله.

قال: أتأمرين ابنيك أن يجيرا بين الناس؟ قالت: والله ما بلغ ابناي أن يجيرا بين الناس وما يجير على رسول الله " ص " أحد فقال: يا أبا الحسن إني أرى الامور قد اشتدت علي فانصحني فقال علي (عليه السلام): إنك شيخ قريش فقم على باب المسجد واجربين قريش ثم الحق بأرضك قال: وترى ذلك مغنيا عني شيئا؟ قال: لا والله ما اظن ذلك ولكن لا اجد لك غير ذلك فقام ابو سفيان في المسجد فقال: يا ايها الناس إني قد اجرت بين قريش ثم ركب بعيره فانطلق.

 

/ صفحة 380 /

فلما قدم على قريش قالوا: ما وراءك؟ فأخبرهم بالقصة فقالوا: والله إن زاد علي بن أبي طالب على ان لعب بك فما يغني عنا ما قلت؟ قال: لا والله ما وجدت غير ذلك.

قال: فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالجهاز لحرب مكة وامر الناس بالتهيئة وقال: اللهم خذ العيون والاخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها، وكتب حاطب بن ابي بلتعة إلى قريش فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الخبر من السماء فبعث عليا (عليه السلام) والزبير حتى اخذا كتابه من المرأه وقد مضت هذه القصة في سورة الممتحنة.

ثم استخلف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا ذر الغفاري وخرج عامدا إلى مكة لعشر مضين من شهر رمضان سنة ثمان في عشرة آلاف من المسلمين ونحو من أربعمائة فارس ولم يتخلف من المهاجرين والانصار عنه أحد.

وقد كان ابو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أمية بن المغيرة قد لقيا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بنيق العقاب فيما بين مكة والمدينة فالتمسا الدخول عليه فلم يأذن لهما فكلمته أم سلمة فيهما فقالت: يا رسول الله ابن عمك وابن عمتك وصهرك قال لا حاجة لي فيهما اما ابن عمي فهتك عرضي، واما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال فلما خرج الخبر إليهما بذلك ومع ابي سفيان بني له قال: والله ليأذنن لي أو لآخذن بيد بني هذا ثم لنذهبن في الارض حتى نموت عطشا وجوعا فلما بلغ ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رق لهما فأذن لهما فدخلا عليه فأسلما.

فلما نزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مر الظهران وقد غمت الاخبار عن قريش فلا يأتيهم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خبر خرج في تلك الليلة ابو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل ابن ورقاء يتجسسون الاخبار وقد قال العباس ليلة ئذ: يا سوء صباح قريش والله لئن بغتها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في بلادها فدخل مكة عنوة إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر فخرج على بغلة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: أخرج إلى الاراك لعلي أرى خطابا أو صاحب لبن أو داخلا يدخل مكة فيخبرهم بمكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيأتونه فيستأمنونه.

قال العباس فو الله إني لاطوف في الاراك ألتمس ما خرجت له إذ سمعت صوت أبي سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء وسمعت أبا سفيان يقول: والله ما رأيت كالليلة قط نيرانا فقال بديل: هذه نيران خزاعة فقال أبو سفيان: خزاعة ألام من ذلك

 

/ صفحة 381 /

قال: فعرفت صوته فقلت: يا أبا حنظلة يعني أبا سفيان فقال: ابو الفضل؟ فقلت: نعم قال: لبيك فداك أبي وامى ما وراءك؟ فقلت: هذا رسول الله وراءك قد جاء بما لا قبل لكم به بعشرة آلاف من المسلمين.

قال: فما تأمرني؟ قلت تركب عجز هذه البغلة فاستأمن لك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فو الله لئن ظفر بك ليضربن عنقك فردفني فخرجت أركض به بغلة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فكلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: هذا عم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على بغلة رسول الله حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال يعني عمر: يا أبا سفيان الحمد لله الذي أمكن منك بغير عهد ولا عقد ثم اشتد نحو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وركضت البغلة حتى اقتحمت باب القبة وسبقت عمر بما يسبق به الدابة البطيئة الرجل البطئ.

فدخل عمر فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان عدو الله قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد فدعني أضرب عنقه فقلت: يا رسول الله إني قد أجرته ثم إني جلست إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأخذت برأسه وقلت: والله لا يناجيه اليوم أحد دوني فلما أكثر فيه عمر قلت: مهلا يا عمر فو الله ما يصنع هذا الرجل إلا أنه رجل من آل بني عبد مناف ولو كان من عدي بن كعب ما قلت هذا قال: مهلا يا عباس لاسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): اذهب فقد آمناه حتى تغدو به علي في الغداة.

قال: فلما أصبح غدوت به على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما رآه قال: ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ فقال: بأبي أنت وأمي ما أوصلك وأكرمك وأرحمك وأحلمك والله لقد ظننت أن لو كان معه إله لاغنى يوم بدر ويوم احد فقال: ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ فقال: بأبي أنت وامي أما هذه فإن في النفس منها شيئا قال العباس: فقلت له: ويحك اشهد بشهادة الحق قبل أن يضرب عنقك فتشهد.

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) للعباس: انصرف يا عباس فاحبسه عند مضيق الوادي حتى يمر عليه جنود الله قال: فحبسته عند خطم (1) الجبل بمضيق الوادي ومر عليه القبائل قبيلة قبيلة وهو يقول: من هؤلاء؟ وأقول: أسلم وجهينة وفلان حتى مر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الكتيبة الخضراء من المهاجرين والانصار في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق فقال:

 

* (هامش) *

(1) خطم الجبل: أنفه.

 

/ صفحة 382 /

من هؤلاء يا أبا الفضل؟ قلت: هذا رسول الله في المهاجرين والانصار فقال: يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما، فقلت: ويحك إنها النبوة فقال: نعم إذا.

وجاء حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأسلما وبايعاه فلما بايعاه بعثهما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بين يديه إلى قريش يدعوانهم إلى الإسلام وقال: من دخل دار أبي سفيان وهي بأعلى مكة فهو آمن، ومن دخل دار حكيم وهي بأسفل مكة فهو آمن، ومن أغلق بابه وكف يده فهو آمن.

ولما خرج أبو سفيان وحكيم من عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عامدين إلى مكة بعث في اثرهما الزبير بن العوام وأمره على خيل المهاجرين وأمره أن يغرز رايته بأعلى مكة بالحجون وقال له: لا تبرح حتى آتيك ثم دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مكة وضربت هناك خيمته، وبعث سعد بن عبادة في كتيبة الانصار في مقدمته، وبعث الخالد بن الوليد فيمن كان أسلم من قضاعة وبني سليم وأمره أن يدخل أسفل مكة ويغرز رايته دون البيوت.

 

وأمرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جميعا أن يكفوا أيديهم ولا يقاتلوا إلا من قاتلهم، وأمرهم بقتل أربعة نفر عبد الله بن سعد بن أبي سرح والحويرث بن نفيل وابن خطل ومقبس بن ضبابة وأمرهم بقتل قينتين كانتا تغنيان بهجاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة فقتل علي (عليه السلام) الحويرث بن نفيل وإحدى القينتين وأفلتت الاخرى، وقتل مقبس بن ضبابة في السوق، وأدرك ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر فسبق سعيد عمارا فقتله.

قال: وسعى أبو سفيان إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأخذ غرزه أي ركابه فقبله ثم قال: بأبي أنت وامى أما تسمع ما يقول سعد إنه يقول: اليوم يوم الملحمة * اليوم تسبى الحرمة فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام): أدركه وخذ الراية منه وكن أنت الذي يدخل بها وأدخلها إدخالا رفيقا فأخذها علي (عليه السلام) وأدخلها كما أمر.

ولما دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مكة دخل صناديد قريش الكعبة وهم يظنون أن السيف لا يرفع عنهم وأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ووقف قائما على باب الكعبة فقال: لا إله إلا الله وحده وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الاحزاب وحده ألا إن كل مال أو مأثرة ودم يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة الكعبة وسقاية الحاج فإنهما مردودتان إلى أهليهما، ألا إن

 

/ صفحة 383 /

مكة محرمة بتحريم الله لم تحل لاحد كان قبلي ولم تحل لي إلا ساعة من نهار وهي محرمة إلى أن تقوم الساعة لا يختلى خلاها، ولا يقطع شجرها ولا ينفر صيدها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد.

ثم قال: ألا لبئس جيران النبي كنتم لقد كذبتم وطردتم وأخرجتم وآذيتم ثم ما رضيتم حتى جئتموني في بلادي تقاتلونني فاذهبوا فأنتم الطلقاء فخرج القوم فكأنما أنشروا من القبور ودخلوا في الاسلام، وكان الله سبحانه أمكنه من رقابهم عنوة فكانوا له فيئا فلذلك سمي أهل مكة الطلقاء.

وجاء ابن الزبعرى إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأسلم وقال: يا رسول الاله إن لساني * راتق ما فتقت إذ أنا بور (1) إذ أباري (2) الشيطان في سنن (3) * الغي ومن مال ميله مثبور آمن اللحم والعظام لربي * ثم نفسي الشهيد أنت النذير قال: وعن ابن مسعود قال: دخل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الفتح وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: " جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ".

وعن ابن عباس قال: لما قدم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى مكة أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة فامر بها فاخرجت وصورة إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) وفي أيديهما الازلام فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) قاتلهم الله أما والله لقد علموا أنهما لم يستقسما بها قط.

أقول: والروايات حول قصة الفتح كثيرة من أراد استقصاءها فعليه بكتب السير وجوامع الاخبار وما تقدم كالملخص منها.

 

(سورة تبت مكية وهي خمس آيات)

بسم الله الرحمن الرحيم تبت يدا أبي لهب وتب - 1.

ما أغنى

 

*(هامش)*(1) النور: الهالك.

(2) المباراة: المباهاة.

(3) السنن: وسط الطريق.

 

/ صفحة 384 /

عنه ماله وما كسب - 2.

سيصلى نارا ذات لهب - 3.

وامرأته حمالة الحطب - 4.

في جيدها حبل من مسد - 5.

(بيان) وعيد شديد لابي لهب بهلاك نفسه وعمله وبنار جهنم ولامرأته، والسورة مكية.

قوله تعالى: " تبت يدا أبي لهب وتب " التب والتباب هو الخسران والهلاك على ما ذكره الجوهري، ودوام الخسران على ما ذكره الراغب، وقيل: الخيبة، وقيل الخلو من كل خير والمعاني - كما قيل - متقاربة فيد الانسان هي عضوه الذي يتوصل به إلى تحصيل مقاصده وينسب إليه جل أعماله، وتباب يديه خسرانهما فيما تكتسبانه من عمل وإن شئت فقل: بطلان أعماله التي يعملها بهما من حيث عدم انتهائها إلى غرض مطلوب وعدم انتفاعه بشئ منها وتباب نفسه خسرانها في نفسها بحرمانها من سعادة دائمة وهو هلاكها المؤبد.

فقوله: " تبت يدا أبي لهب وتب " أي أبو لهب، دعاء عليه بهلاك نفسه وبطلان ما كان يأتيه من الاعمال لاطفاء نور النبوة أو قضاء منه تعالى بذلك.

وأبو لهب هذا هو أبو لهب بن عبد المطلب عم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان شديد المعاداة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مصرا في تكذيبه مبالغا في إيذائه بما يستطيعه من قول وفعل وهو الذي قال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): تبا لك لما دعاهم إلى الاسلام لاول مرة فنزلت السورة ورد الله التباب عليه.

وذكر بعضهم أن أبا لهب اسمه وإن كان في صورة الكنية، وقيل: اسمه عبد العزى وقيل: عبد مناف وأحسن ما قيل في ذكره في الآية بكنيته لا باسمه أن في ذلك تهكما به لان أبا لهب يشعر بالنسبة إلى لهب النار كما يقال أبو الخير وأبو الفضل وأبو الشر في النسبة إلى الخير والفضل والشر فلما قيل: " سيصلى نارا ذات لهب " فهم منه أن قوله: " تبت يدا أبي لهب " في معنى قولنا: تبت يدا جهنمي يلازم لهبها.

وقيل: لم يذكر باسمه وهو عبد العزى لان عزى اسم صنم فكره أن يعد بحسب اللفظ عبدا لغير الله وهو عبد الله وإن كان الاسم إنما يقصد به المسمى.

قوله تعالى: " ما أغنى عنه ماله وما كسب " ما الاولى نافية وما الثانية موصولة

 

/ صفحة 385 /

ومعنى " ما كسب " الذي كسبه بأعماله وهو أثر أعماله أو مصدرية والمعنى كسبه بيديه وهو عمله، والمعنى ما أغنى عنه عمله.

ومعنى الآية على أي حال لم يدفع عنه ماله ولا عمله - أو أثر عمله - تباب نفسه ويديه الذي كتب عليه أودعي عليه.

قوله تعالى: " سيصلى نارا ذات لهب " أي سيدخل نارا ذات لهب وهي نار جهنم الخالدة، وفي تنكير لهب تفخيم له وتهويل.

قوله تعالى: " وامرأته حمالة الحطب " عطف على ضمير الفاعل المستكن في " سيصلى " والتقدير: وستصلى امرأته الخ و " حمالة الحطب " بالنصب وصف مقطوع عن الوصفية للذم أي أذم حمالة الحطب، وقيل: حال من " امرأته " وهو معنى لطيف على ما سيأتي.

قوله تعالى: " في جيدها حبل من مسد " المسد حبل مفتول من الليف، والجملة حال ثانية من امرأته.

والظاهر أن المراد بالآيتين أنها ستتمثل في النار التي تصلاها يوم القيامة في هيئتها التي كانت تتلبس بها في الدنيا وهي أنها كانت تحمل أغصان الشوك وغيرها تطرحها بالليل في طريق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تؤذيه بذلك فتعذب بالنار وهي تحمل الحطب وفي جيدها حبل من مسد.

قال في مجمع البيان: وإذا قيل: هل كان يلزم أبا لهب الايمان بعد هذه السورة وهل كان يقدر على الايمان ولو آمن لكان فيه تكذيب خبر الله سبحانه بأنه سيصلى نارا ذات لهب.

فالجواب أن الايمان يلزمه لان تكليف الايمان ثابت عليه وإنما توعده الله بشرط أن لا يؤمن انتهى موضع الحاجة.

أقول: مبنى الاشكال على الغفلة من أن تعلق القضاء الحتمي منه تعالى بفعل الانسان الاختياري لا يستوجب بطلان الاختيار واضطرار الانسان على الفعل فان الارادة الالهية - وكذا فعله تعالى - إنما يتعلق بفعله الاختياري على ما هو عليه أي أن يفعل الانسان باختياره كذا وكذا فلو لم يقع الفعل اختياريا تخلف مراده تعالى عن إرادته وهو محال وإذا كان الفعل المتعلق للقضاء الموجب اختياريا كان تركه أيضا اختياريا وإن كان لا يقع فافهم وقد تقدم هذا البحث في غير موضع من المباحث السابقة.

(25 - الميزان - 20)

 

/ صفحة 386 /

فقد ظهر بذلك أن أبا لهب كان في اختياره أن يؤمن وينجو بذلك عن النار التي كان من المقضي المحتوم أن يدخلها بكفره.

ومن هذا الباب الآيات النازلة في كفار قريش أنهم لا يؤمنون كقوله: " إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون " البقرة: 6، وقوله: " لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون " يس: 7، ومن هذا الباب أيضا آيات الطبع على القلوب.

(بحث روائي) في المجمع في قوله تعالى: " وأنذر عشيرتك الاقربين " عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية صعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الصفا فقال: يا صباحاه فاجتمعت إليه قريش فقالوا: ما لك؟ فقال: أرأيتكم إن أخبرتكم أن العدو مصبحكم وممسيكم ما كنتم تصدقونني؟ قالوا: بلى.

قال: فاني نذير لكم بين يدي عذاب شديد قال أبو لهب: تبا لك ألهذا دعوتنا جميعا؟ فأنزل الله عزوجل " تبت يدا أبي لهب ".

أقول: ورواه أيضا في تفسير السورة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ولم يذكر فيه كون الدعوة عند نزول آية " وأنذر عشيرتك " الآية.

وفيه أيضا عن طارق المحاربي قال: بينما أنا بسوق ذي المجاز إذا أنا بشاب يقول أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، وإذا برجل خلفه يرميه قد أدمى ساقيه وعرقوبيه ويقول: يا أيها الناس إنه كذاب فلا تصدقوه: فقلت: من هذا؟ فقالوا: هو محمد يزعم أنه نبي وهذا عمه أبو لهب يزعم أنه كذاب.

وفي قرب الاسناد بإسناده إلى موسى بن جعفر (عليه السلام) في حديث طويل يذكر فيه آيات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: من ذلك أن ام جميل امرأه أبي لهب أتته حين نزلت سورة تبت ومع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أبو بكر بن أبي قحافة فقال: يا رسول الله هذه ام جميل محفظة اي مغضبة تريدك ومعها حجر تريد ان ترميك به فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): إنها لا تراني فقالت لابي بكر: أين صاحبك؟ قال: حيث شاء الله قالت: جئته ولو أراه لرميته فإنه هجاني واللات والعزى إني لشاعرة فقال أبو بكر: يا رسول الله لم ترك؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): لا.

ضرب الله بيني وبينها حجابا.

أقول: وروي ما يقرب منه بغير واحد من طرق أهل السنة.

 

/ صفحة 387 /

وفي تفسير القمي في قوله تعالى: " وامرأته حمالة الحطب " قال: كانت ام جميل بنت صخر وكانت تنم على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وتنقل أحاديثه إلى الكفار.

 

(سورة الاخلاص مكية وهي أربع آيات)

بسم الله الرحمن الرحيم قل هو الله أحد - 1.

الله الصمد - 2.

لم يلد ولم يولد - 3.

ولم يكن له كفوا أحد - 4.

(بيان) السورة تصفه تعالى بأحدية الذات ورجوع ما سواه إليه في جميع حوائجه الوجودية من دون أن يشاركه شئ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وهو التوحيد القرآني الذي يختص به القرآن الكريم ويبني عليه جميع المعارف الاسلامية.

وقد تكاثرت الاخبار في فضل السورة حتى ورد من طرق الفريقين انها تعدل ثلث القرآن كما سيجئ إن شاء الله.

والسورة تحتمل المكية والمدنية، والظاهر من بعض ما ورد في سبب نزولها أنها مكية.

قوله تعالى: " قل هو الله أحد " هو ضمير الشأن والقصة يفيد الاهتمام بمضمون الجملة التالية له، والحق أن لفظ الجلالة علم بالغلبة له تعالى بالعربية كما أن له في غيرها من اللغات اسما خاصا به، وقد تقدم بعض الكلام فيه في تفسير سورة الفاتحة.

وأحد وصف مأخوذ من الوحدة كالواحد غير أن الاحد إنما يطلق على ما لا يقبل الكثرة لا خارجا ولا ذهنا ولذلك لا يقبل العد ولا يدخل في العدد بخلاف الواحد فإن كل واحد له ثانيا وثالثا إما خارجا وإما ذهنا بتوهم أو بفرض العقل فيصير بانضمامه كثيرا، وأما الاحد فكل ما فرض له ثانيا كان هو هو لم يزد عليه شئ.

واعتبر ذلك في قولك: ما جاءني من القوم أحد فإنك تنفي به مجئ اثنين منهم وأكثر كما تنفي مجئ واحد منهم بخلاف ما لو قلت: ما جاءني واحد منهم فإنك إنما تنفي به مجئ واحد منهم بالعدد ولا ينافيه مجئ اثنين منهم أو أكثر، ولافادته هذا المعنى لا يستعمل في الايجاب مطلقا إلا فيه تعالى ومن لطيف البيان في هذا الباب قول

 

/ صفحة 388 /

علي عليه أفضل السلام في بعض خطبه في توحيده تعالى: كل مسمى بالوحدة غيره قليل، وقد أوردنا طرفا من كلامه (عليه السلام) في التوحيد في ذيل البحث عن توحيد القرآن في الجزء السادس من الكتاب.

قوله تعالى: " الله الصمد " الاصل في معنى الصمد القصد أو القصد مع الاعتماد يقال: صمده يصمده صمدا من باب نصر أي قصده أو قصده معتمدا عليه، وقد فسروا الصمد - وهو صفة - بمعاني متعددة مرجع اكثرها إلى انه السيد المصمود إليه اي المقصود في الحوائج، وإذا اطلق في الآية ولم يقيد بقيد فهو المقصود في الحوائج على الاطلاق.

وإذا كان الله تعالى هو الموجد لكل ذي وجود مما سواه يحتاج إليه فيقصده كل ما صدق عليه انه شئ غيره، في ذاته وصفاته وآثاره قال تعالى: " ألا له الخلق والامر " الاعراف: 54 وقال واطلق: " وان إلى ربك المنتهى " النجم: 42 فهو الصمد في كل حاجة في الوجود لا يقصد شيئا إلا وهو الذي ينتهي إليه قصده وينجح به طلبته ويقضي به حاجته.

ومن هنا يظهر وجه دخول اللام في الصمد وانه لافادة الحصر فهو تعالى وحده الصمد على الاطلاق، وهذا بخلاف احد في قوله: " الله احد " فإن احدا بما يفيده من معنى الوحدة الخاصة لا يطلق في الاثبات على غيره تعالى فلا حاجة فيه إلى عهد أو حصر.

واما إظهار اسم الجلالة ثانيا حيث قيل: " الله الصمد " ولم يقل: هو الصمد، ولم يقل: الله احد صمد فالظاهر ان ذلك للاشارة إلى كون كل من الجملتين وحدها كافية في تعريفه تعالى حيث إن المقام مقام تعريفه تعالى بصفة تختص به فقيل: الله احد الله الصمد إشارة إلى ان المعرفة به حاصلة سواء قيل كذا أو قيل كذا.

والآيتان مع ذلك تصفانه تعالى بصفة الذات وصفة الفعل جميعا فقوله: " الله احد " يصفه بالاحدية التي هي عين الذات، وقوله: " الله الصمد " يصفه بانتهاء كل شئ إليه وهو من صفات الفعل.

وقيل: الصمد بمعنى المصمت الذي ليس بأجوف فلا يأكل ولا يشرب ولا ينام ولا يلد ولا يولد وعلى هذا يكون قوله: " لم يلد ولم يولد " تفسيرا للصمد.

قوله تعالى: " لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد " الآيتان الكريمتان تنفيان عنه تعالى أن يلد شيئا بتجزيه في نفسه فينفصل عنه شئ سنخه بأي معنى أريد من الانفصال

 

/ صفحة 389 /

والاشتقاق كما يقول به النصارى في المسيح (عليه السلام) انه ابن الله وكما يقول الوثنية في بعض آلهتهم أنهم أبناء الله سبحانه.

وتنفيان عنه أن يكون متولدا من شئ آخر ومشتقا منه بأي معنى اريد من الاشتقاق كما يقول الوثنية ففي آلهتهم من هو إله أبواله ومن هو إلهة ام إله ومن هو إله ابن إله.

وتنفيان أن يكون له كفؤ يعدله في ذاته أو في فعله (1) وهو الايجاد والتدبير ولم يقل أحد من المليين وغيرهم بالكفؤ الذاتي بأن يقول بتعدد واجب الوجود عز اسمه، وأما الكفؤ في فعله وهو التدبير فقد قيل به كآلهة الوثنية من البشر كفرعون ونمرود من المدعين للالوهية وملاك الكفاءة عندهم استقلال من يرون الوهيته في تدبير ما فوض إليه تدبيره كما أنه تعالى مستقل في تدبير من يدبره وهم الارباب والآلهة وهو رب الارباب وإله الآلهة.

وفي معنى كفاءة هذا النوع من الاله ما يفرض من استقلال الفعل في شئ من الممكنات فإنه كفاءة مرجعها استغناؤه عنه تعالى وهو محتاج من كل جهة والآية تنفيها.

وهذه الصفات الثلاث المنفية وإن امكن تفريع نفيها على صفة احديته تعالى بوجه لكن الاسبق إلى الذهن تفرعها على صفة صمديته.

اما كونه لم يلد فإن الولادة التي هي نوع من التجزي والتبعض بأي معنى فسرت لا تخلو من تركيب فيمن يلد، وحاجة المركب إلى اجزائه ضرورية والله سبحانه صمد ينتهي إليه كل محتاج في حاجته ولا حاجة له، واما كونه لم يولد فان تولد شئ من شئ لا يتم إلا مع حاجة من المتولد إلى ما ولد منه في وجوده وهو سبحانه صمد لا حاجة له، واما انه لا كفؤ له فلان الكفؤ سواء فرض كفوا له في ذاته أو في فعله لا تتحقق كفاءته إلا مع استقلاله واستغنائه عنه تعالى فيما فيه الكفاءة والله سبحانه صمد على الاطلاق يحتاج إليه كل من سواه من كل جهة مفروضة.

فقد تبين ان ما في الآيتين من النفي متفرع على صمديته تعالى ومآل ما ذكر من صمديته تعالى وما يتفرع عليه إلى إثبات توحده تعالى في ذاته وصفاته وافعاله بمعنى انه واحد لا يناظره شئ ولا يشبهه فذاته تعالى بذاته ولذاته من غير استناد إلى غيره واحتياج إلى من سواه وكذا صفاته وافعاله، وذوات من سواه وصفاتهم وافعالهم بإفاضة منه على ما يليق بساحة كبريائه وعظمته فمحصل السورة وصفه تعالى بأنه احد واحد.

 

 

* (هامش) *

(1) لم تذكر الصفة لانها اما صفة الذات فهي عين الذات واما صفة الفعل منتزعة عن الفعل، منه.

 

/ صفحة 390 /

ومما قيل في الآية ان المراد بالكفؤ الزوجة فان زوجة الرجل كفؤه فيكون في معنى قوله تعالى: " جد ربنا ما اتخذ صاحبة " وهو كما ترى.

(بحث روائي) في الكافي باسناده عن محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: إن اليهود سألوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: انسب لنا ربك فلبث ثلاثا لا يجيبهم ثم نزلت " قل هو الله احد " إلى آخرها.

أقول: وفي الاحتجاج عن العسكري (عليه السلام) ان السائل عبد الله بن صوريا اليهودي، وفي بعض روايات اهل السنة ان السائل عبد الله بن سلام سأله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك بمكة ثم آمن وكتم إيمانه، وفي بعضها ان اناسا من اليهود سألوه ذلك، وفي غير واحد من رواياتهم ان مشركي مكة سألوه ذلك، وكيف كان فالمراد بالنسبة النعت والوصف.

وفي المعاني باسناده عن الاصبغ بن نباتة عن علي (عليه السلام) في حديث: نسبة الله عز وجل قل هو الله.

وفي العلل باسناده عن الصادق (عليه السلام) في حديث المعراج ان الله قال له اي للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): اقرء قل هو الله احد كما انزلت فانها نسبتي ونعتي.

أقول: وروى ايضا باسناده إلى موسى بن جعفر (عليه السلام) ما في معناه.

وفي الدر المنثور اخرج ابو عبيد في فضائله عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال قل هو الله احد ثلث القرآن.

اقول: وقد تكاثرت الروايات من طرقهم في هذا المعنى رووه عن عدة من الصحابة كابن عباس وقد مر وابي الدرداء وابن عمر وجابر وابن مسعود وابي سعيد الخدري ومعاذ ابن أنس وأبي أيوب وأبي أمامة وغيرهم عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وورد أيضا في عدة من الروايات عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وقد وجهوا كون السورة تعدل ثلث القرآن بوجوه مختلفة أعدلها أن ما في القرآن من المعارف تنحل إلى الاصول الثلاثة: التوحيد والنبوة والمعاد والسورة تتضمن واحدا من الثلاثة وهو التوحيد.

وفي التوحيد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) رأيت الخضر (عليه السلام) في المنام قبل بدر بليلة فقلت له: علمني شيئا أنصر به على الاعداء فقال: قل: ياهو يا من لا هو إلا هو فلما أصبحت قصصتها على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال لي: يا علي علمت الاسم الاعظم فكان على

 

/ صفحة 391 /

لساني يوم بدر.

وإن أمير المؤمنين (عليه السلام) قرء قل هو الله أحد فلما فرغ قال: يا هو يا من لا هو إلا هو اغفر لي وانصرني على القوم الكافرين.

وفي نهج البلاغة: الاحد لا بتأويل عدد.

اقول: ورواه في التوحيد عن الرضا (عليه السلام) ولفظه: أحد لا بتأويل عدد.

وفي اصول الكافي باسناده عن داود بن القاسم الجعفري قال: قلت لابي جعفر الثاني (عليه السلام): ما الصمد؟ قال (عليه السلام): السيد المصمود إليه في القليل والكثير.

اقول: وفي تفسير الصمد معان أخر مروية عنهم (عليه السلام) فعن الباقر (عليه السلام) الصمد السيد المطاع الذي ليس فوقه آمر وناه، وعن الحسين (عليه السلام): الصمد الذي لا جوف له والصمد الذي لا ينام، والصمد الذي لم يزل ولا يزال، وعن السجاد (عليه السلام): الصمد الذي إذا أراد شيئا قال له: كن فيكون، والصمد الذي أبدع الاشياء فخلقها أضدادا وأشكالا وأزواجا وتفرد بالوحدة بلا ضد ولا شكل ولا مثل ولا ند.

والاصل في معنى الصمد هو الذي رويناه عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) لما في مادته لغة في معنى القصد فالمعاني المختلفة المنقولة عنهم (عليهم السلام) من التفسير يلازم المعنى فإن المعاني المذكورة لوازم كونه تعالى مقصودا يرجع إليه كل شئ في كل حاجة فإليه ينتهي الكل من دون أن تتحقق فيه حاجة.

وفي التوحيد عن وهب بن وهب القرشي عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) أن أهل البصرة كتبوا إلى الحسين بن علي (عليه السلام) يسألونه عن الصمد فكتب إليهم: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فلا تخوضوا في القرآن ولا تجادلوا فيه ولا تتكلموا فيه بغير علم فقد سمعت جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: من قال في القرآن بغير علم فليتبوء مقعده من النار، وإن الله سبحانه فسر الصمد فقال: الله أحد الله الصمد ثم فسره فقال: لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.

وفيه باسناده إلى ابن أبي عمير عن موسى بن جعفر (عليه السلام) أنه قال: واعلم أن الله تعالى واحد أحد صمد لم يلد فيورث ولم يولد فيشارك.

وفيه في خطبة اخرى لعلي (عليه السلام) الذي لم يولد فيكون في العز مشاركا ولم يلد فيكون موروثا هالكا.

 

/ صفحة 392 /

وفيه في خطبة له (عليه السلام): تعالى أن يكون له كفؤ فيشبه به.

اقول: وفي المعاني المتقدمة روايات اخرى.

 

(سورة الفلق مكية وهي خمس آيات)

بسم الله الرحمن الرحيم قل أعوذ برب الفلق - 1.

من شر ما خلق - 2.

ومن شر غاسق إذا وقب - 3.

ومن شر النفاثات في العقد - 4.

ومن شر حاسد إذا حسد - 5.

(بيان) أمر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يعوذ بالله من كل شر ومن بعضه خاصة والسورة مدنية على ما يظهر مما ورد في سبب نزولها.

قوله تعالى: " قل أعوذ برب الفلق " العوذ هو الاعتصام والتحرز من الشر بالالتجاء إلى من يدفعه، والفلق بالفتح فالسكون الشق والفرق، والفلق بفتحتين صفة مشبهة بمعنى المفعول كالقصص بمعنى المقصوص، والغالب إطلاقه على الصبح لانه المشقوق من الظلام، وعليه فالمعنى أعوذ برب الصبح الذي يفلقه ويشقه ومناسبة هذا التعبير للعوذ من الشر الذي يستر الخير ويحجب دونه ظاهر.

وقيل: المراد بالفلق كل ما يفطر ويفلق عنه بالخلق والايجاد فإن في الخلق والايجاد شقا للعدم وإخراجا للموجود إلى الوجود فيكون مساويا للمخلوق، وقيل هوجب في جهنم ويؤيده بعض الروايات.

قوله تعالى: " من شر ما خلق " أي من شر من يحمل شرا من الانس والجن والحيوانات وسائر ماله شر من الخلق فان اشتمال مطلق ما خلق على الشر لا يستلزم الاستغراق.

قوله تعالى: " ومن شر غاسق إذا وقب " في الصحاح: الغسق أول ظلمة الليل وقد غسق الليل يغسق إذا أظلم والغاسق الليل إذا غاب الشفق.

انتهى، والوقوب الدخول فالمعنى ومن شر الليل إذا دخل بظلمته.

ونسبة الشر إلى الليل إنما هي لكونه بظلمته يعين

 

/ صفحة 393 /

الشرير في شره لستره عليه فيقع فيه الشر اكثر مما يقع منه بالنهار، والانسان فيه أضعف منه في النهار تجاه هاجم الشر، وقيل: المراد بالغاسق كل هاجم يهجم بشره كائنا ما كان.

وذكر شر الليل إذا دخل بعد ذكر شر ما خلق من ذكر الخاص بعد العام لزيادة الاهتمام وقد اهتم في السورة بثلاثة من أنواع الشر خاصة هي شر الليل إذا دخل وشر سحر السحرة وشر الحاسد إذا حسد لغلبة الغفلة فيهن.

قوله تعالى: " ومن شر النفاثات في العقد " أي النساء الساحرات اللاتي يسحرن بالعقد على المسحور وينفثن في العقد.

وخصت النساء بالذكر لان السحر كان فيهن ومنهم أكثر من الرجال، وفي الآية تصديق لتأثير السحر في الجملة، ونظيرها قوله تعالى: في قصة هارون وماروت " فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله " البقرة: 102 ونظيره ما في قصة سحرة فرعون.

وقيل: المراد بالنفاثات في العقد النساء اللاتي يملن آراء أزواجهن إلى ما يرينه ويردنه فالعقد هو الرأي والنفث في العقد كناية عن حله، وهو بعيد.

قوله تعالى: " ومن شر حاسد إذا حسد " أي إذا تلبس بالحسد وعمل بما في نفسه من الحسد بترتيب الاثر عليه.

وقيل: الآية تشمل العائن فعين العائن نوع حسد نفساني يتحقق منه إذا عاين ما يستكثره ويتعجب منه.

(بحث روائي) في الدر المنثور اخرج عبد بن حميد عن زيد بن اسلم قال: سحر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رجل من اليهود فاشتكى فأتاه جبريل فنزل عليه بالمعوذتين وقال: إن رجلا من اليهود سحرك والسحر في بئر فلان فأرسل عليا فجاء به فأمره ان يحل العقد ويقرء آية فجعل يقرء ويحل حتى قام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كأنما نشط من عقال.

اقول: وعن كتاب طب الائمة باسناده إلى محمد بن سنان عن المفضل عن الصادق (عليه السلام) مثله وفي هذا المعنى روايات كثيرة من طرق اهل السنة باختلافات يسيرة، وفي غير واحد منها انه ارسل مع علي (عليه السلام) زبيرا وعمارا وفيه روايات اخرى ايضا من طرق ائمة اهل البيت (عليهم السلام).

وما استشكل به بعضهم في مضمون الروايات ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان مصونا من تأثير السحر كيف؟ وقد قال الله تعالى: " وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا انظر

 

/ صفحة 394 /

كيف ضربوا لك الامثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا " الفرقان: 9.

يدفعه ان مرادهم بالمسحور والمجنون بفساد العقل بالسحر واما تأثره عن السحر بمرض يصيبه في بدنه ونحوه فلا دليل على مصونيته منه.

وفي المجمع وروي ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان كثيرا ما يعوذ الحسن والحسين (عليهما السلام) بهاتين السورتين.

وفيه عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): انزلت علي آيات لم ينزل مثلهن المعوذتان، اورده في الصحيح.

اقول: واسندها في الدر المنثور إلى الترمذي والنسائي وغيرهما ايضا، وروى ما في معناه ايضا عن الطبراني في الاوسط عن ابن مسعود، ولعل المراد من عدم نزول مثلهن انهما في العوذة فقط ولا يشاركهما في ذلك غيرهما من السور.

وفي الدر المنثور اخرج احمد والبزار والطبراني وابن مردويه من طرق صحيحة عن ابن عباس وابن مسعود انه كان يحك المعوذتين من المصحف ويقول: لا تخلطوا القرآن بما ليس منه إنهما ليستا من كتاب الله إنما أمر النبي ان يتعوذ بهما، وكان ابن مسعود لا يقرء بهما.

اقول: ثم قال السيوطي قال البزار: ولم يتابع ابن مسعود احد من الصحابة وقد صح عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انه قرء بهما في الصلاة وقد اثبتتا في المصحف انتهى.

وفي تفسير القمي باسناده عن ابي بكر الحضرمي قال: قلت لابي جعفر (عليه السلام) إن ابن مسعود كان يمحو المعوذتين من المصحف.

فقال: كان ابي يقول: انما فعل ذلك ابن مسعود برأيه وهو [ هماظ ] من القرآن.

أقول: وفي هذا المعنى روايات كثيرة من طرق الفريقين على ان هناك تواترا قطعيا من عامة المنتحلين بالاسلام على كونهما من القرآن، وقد استشكل بعض المنكرين لاعجاز القرآن أنه لو كان معجزا في بلاغته لم يختلف في كون السورتين من القرآن مثل ابن مسعود، واجيب بأن التواتر القطعي كاف في ذلك على أنه لم ينقل عنه احد انه قال بعدم نزولهما على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أوقال بعدم كونهما معجزتين في بلاغتهما بل قال بعدم كونهما جزء من اللقرآن وهو محجوج بالتواتر.

وفى الدر المنثور أخرج ابن جرير عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الفلق جب في جهنم مغطى.

أقول: وفي معناه غير واحد من الروايات في بعضها: قال (صلى الله عليه وآله وسلم): باب في النار إذ

 

/ صفحة 395 /

فتح سعرت جهنم رواه عقبة بن عامر، وفي بعضها: بئر في جهنم إذا سعرت جهنم فمنه تسعر، رواه عمرو بن عنبسة إلى غير ذلك.

وفي المجمع وقيل: الفلق جب في جهنم يتعوذ أهل جهنم من شدة حره عن السدي ورواه أبو حمزة الثمالي وعلي بن إبراهيم في تفسير يهما.

وفى تفسير القمي عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): كاد الفقر أن يكون كفرا وكاد الحسد أن يغلب القدر.

اقول: الرواية مروية بلفظها عن أنس عنه (صلى الله عليه وآله وسلم).

وفي العيون بإسناده عن السلطي عن الرضا عن أبيه عن آبائه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: كاد الحسد أن يسبق القدر.

وفي الدر المنثور أخرج ابن أبي شيبة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الحسد ليأكل الحسنات كما يأكل النار الحطب.

 

(سورة الناس مدنية وهي ست آيات)

بسم الله الرحمن الرحيم قل أعوذ برب الناس - 1.

ملك الناس - 2.

إله الناس - 3.

من شر الوسواس الخناس - 4.

الذي يوسوس في صدور الناس - 5.

من الجنة والناس - 6.

(بيان) أمر للنبي أن يعوذ من شر الوسواس الخناس والسورة مدنية كسابقتها على ما يستفاد مما ورد في سبب نزولها بل المستفاد من الروايات أن السورتين نزلتا معا.

قوله تعالى: " قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس " من طبع الانسان إذا أقبل عليه شر يحذره ويخافه على نفسه وأحسن من نفسه الضعف أن يلتجئ بمن يقوى على دفعه ويكفيه وقوعه والذي يراه صالحا للعوذ والاعتصام به أحد ثلاثة إما رب يلي أمره ويدبره ويربيه يرجع إليه في حوائجه عامة، ومما يحتاج إليه في بقائه دفع ما يهدده من

 

/ صفحة 396 /

الشر، هذا سبب تام في نفسه، وإما ذو قوة وسلطان بالغة قدرته نافذ حكمه يجيره إذا استجاره فيدفع عنه الشر بسلطته كملك من الملوك، وهذا أيضا سبب تام مستقل في نفسه.

وهناك سبب ثالث وهو الاله المعبود فإن لازم معبودية الاله وخاصة إذا كان واحدا لا شريك له إخلاص العبد نفسه له فلا يدعو إلا إياه ولا يرجع في شئ من حوائجه إلا إليه فلا يريد إلا ما أراده ولا يعمل إلا ما يشاؤه.

والله سبحانه رب الناس وملك الناس وإله الناس كما جمع الصفاة الثلاث لنفسه في قوله: " ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون " الزمر: 6 وأشار تعالى إلى سببية ربوبيته وألوهيته بقوله: " رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا " المزمل: 9، وإلى سببية ملكه بقوله: " له ملك السماوات والارض وإلى الله ترجع الامور " الحديد: 5 فإن عاذ الانسان من شر يهدده إلى رب فالله سبحانه هو الرب لا رب سواه وإن أراد بعوذه ملكا فالله سبحانه هو الملك الحق له الملك وله الحكم (1) وإن أراد لذلك إلها فهو الاله لا إله غيره.

فقوله تعالى: " قل أعوذ برب الناس " الخ أمر لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يعوذ به لانه من الناس وهو تعالى رب الناس ملك الناس إله الناس.

ومما تقدم ظهر أولا وجه تخصيص الصفات الثلاث: الرب والملك والاله من بين سائر صفاته الكريمة بالذكر وكذا وجه ما بينها من الترتيب فذكر الرب أولا لانه أقرب من الانسان وأخص ولاية ثم الملك لانه أبعد منالا وأعم ولاية يقصده من لا ولي له يخصه ويكفيه ثم الاله لانه ولي يقصده الانسان عن إخلاصه لا عن طبعه المادي.

وثانيا وجه عدم وصل قوله: " ملك الناس إله الناس " بالعطف وذلك للاشارة إلى كون كل من الصفات سببا مستقلا في دفع الشر فهو تعالى سبب مستقل لكونه ربا لكونه ملكا لكونه إلها فله السببية بأي معنى أريد السبب وقد مر نظير الوجه في قوله " الله أحد الله الصمد ".

وبذلك يظهر أيضا وجه تكرار لفظ الناس من غير أن يقال: ربهم وإلههم فقد أشير به إلى أن كلا من الصفات الثلاث يمكن أن يتعلق بها العوذ وحدها من غير ذكر الاخريين لاستقلالها ولله الاسماء الحسنى جميعا، وللقوم في توجيه اختصاص هذه الصفات

 

* (هامش) *

(1) التغابن: 1.

 

/ صفحة 397 /

وسائر ما مر من الخصوصيات وجوه لا تغني شيئا.

قوله تعالى: " من شر الوسواس الخناس " قال في المجمع: الوسواس حديث النفس بما هو كالصوت الخفي انتهى فهو مصدر كالوسوسة كما ذكره وذكروا أنه سماعي والقياس فيه كسر الواو كسائر المصادر من الرباعي المجرد وكيف كان فالظاهر كما استظهر أن المراد به المعنى الوصفي مبالغة، وعن بعضهم أنه صفة لا مصدر.

والخناس صيغة مبالغة من الخنوس بمعنى الاختفاء بعد الظهور قيل: سمي الشيطان خناسا لانه يوسوس للانسان فإذا ذكر الله تعالى رجع وتأخر ثم إذا غفل عاد إلى وسوسته.

قوله تعالى: " الذي يوسوس في صدور الناس " صفة للوسواس الخناس، والمراد بالصدور هي النفوس لان متعلق الوسوسة هو مبدء الادراك من الانسان وهو نفسه وإنما أخذت الصدور مكانا للوسواس لما أن الادراك ينسب بحسب شيوع الاستعمال إلى القلب والقلب في الصدر كما قال تعالى: " ولكن تعمى القلوب التي في الصدور " الحج: 46 قوله تعالى: " من الجنة والناس " بيان للوسواس الخناس وفيه اشارة إلى أن من الناس من هو ملحق بالشياطين وفي زمرتهم كما قال تعالى: " شياطين الانس والجن " الانعام: 112 (بحث روائي) في المجمع: أبو خديجة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: جاء جبرئيل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو شاك فرقاه بالمعوذتين وقل هو الله أحد وقال: بسم الله أرقيك والله يشفيك من كل داء يؤذيك خذها فلتهنيك فقال: بسم الله الرحمن الرحيم قل أعوذ برب الناس إلى آخر السورة.

أقول: وتقدم بعض الروايات الواردة في سبب نزول السورة.

وفيه روى عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم فإذا ذكر الله خنس وإذا نسى التقم فذلك الوسواس الخناس.

وفيه روى العياشي باسناده عن أبان بن تغلب عن جعفر بن محمد (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

ما من مؤمن إلا ولقلبه في صدره أذنان أذن ينفث فيها الملك وأذن ينفث فيها الوسواس الخناس فيؤيد الله المؤمن بالملك، وهو قوله سبحانه: " وأيدهم بروح منه ".

 

/ صفحة 398 /

وفي أمالي الصدوق باسناده إلى الصادق (عليه السلام) قال: لما نزلت هذه الآية " والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم " صعد إبليس جبلا بمكه يقال له ثوير فصرخ بأعلى صوته بعفاريته فاجتمعوا إليه فقالوا: يا سيدنا لم دعوتنا؟ قال: نزلت هذه الآية فمن لها؟ فقام عفريت من الشياطين فقال: أنا لها بكذا وكذا.

قال: لست لها فقام آخر فقال مثل ذلك فقال لست لها.

فقال الوسواس الخناس: أنا لها.

قال: بماذا؟ قال: أعدهم وأمنيهم حتى يواقعوا الخطيئة فإذا واقعوا الخطيئة أنسيتهم الاستغفار فقال: أنت لها فوكله بها إلى يوم القيامة.

اقول: تقدم بعض الكلام في الشيطان في أوائل الجزء الثامن من الكتاب.

 

تم الكتاب والحمد لله واتفق الفراغ من تأليفه في ليلة القدر المباركة الثالثه والعشرين من ليالى شهر رمضان من شهور سنه اثنتين وتسعين وثلاث مائة بعد الالف من الهجرة والحمد لله على الدوام، والصلاة على سيدنا محمد وآله والسلام.