/ صفحة 101 /

وقد اجتمع المعنيان في قوله تعالى: " وقالوا لو لا انزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضى الامر ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون " الانعام: 9 يقول تعالى لو أنزلنا عليه الملائكة آية خارقة للعادة مصدقة للنبوة كان لازمه القضاء عليهم وهلاكهم ولو قلدنا الملك النبوة والرسالة كان لازمه أن نصوره في صورة رجل من الانسان وأن نوقفه موقفا يحتمل اللبس فان الرسالة احدى وسائل الامتحان والابتلاء الالهى ولا امتحان الا بما يحتمل السعادة والشقاء والفوز والخيبة ويجوز معه النجاة والهلاك ولو توصل إلى الرسالة بما يضطر العقول إلى الايمان ويلجئ النفوس إلى القبول واليقين لبطل ذلك كله.

قوله تعالى: " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " صدر الاية مسوق سوق الحصر وظاهر السياق ان الحصر ناظر إلى ما ذكر من ردهم القرآن بأنه من اهذار الجنون وانه (صلى الله عليه وآله وسلم) مجنون لا عبرة بما صنع ولا حجر ومن اقتراحهم أن يأتيهم بالملائكة ليصدقوه في دعوته وإن القرآن كتاب سماوي حق.

والمعنى على هذا والله اعلم ان هذا الذكر لم تأت به انت من عندك حتى يعجزوك ويبطلوه بعنادهم وشدة بطشهم وتتكلف لحفظه ثم لا تقدر وليس نازلا من عند الملائكة حتى يفتقر إلى نزولهم وتصديقهم إياه بل نحن أنزلنا هذا الذكر انزالا تدريجيا وانا له لحافظون بما له من صفة الذكر بما لنا من العناية الكاملة به.

فهو ذكر حى خالد مصون من أن يموت وينسى من اصله مصون من الزيادة عليه بما يبطل به كونه ذكرا مصون من النقص كذلك مصون من التغيير في صورته وسياقه بحيث يتغير به صفة كونه ذكرا لله مبينا لحقائق معارفه.

فالاية تدل على كون كتاب الله محفوظا من التحريف بجميع اقسامه من جهة كونه ذكرا لله سبحانه فهو ذكر حى خالد.

ونظير الاية في الدلالة على كون الكتاب العزيز محفوظا بحفظ الله مصونا من التحريف والتصرف بأى وجه كان من جهة كونه ذكرا له سبحانه قوله تعالى: " إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وانه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من

 

/ صفحة 102 /

خلفه تنزيل من حكيم حميد " حم السجدة 42.

وقد ظهر بما تقدم ان اللام في الذكر للعهد الذكرى وان المراد بالوصف لحافظون هو الاستقبال كما هو الظاهر من اسم الفاعل فيندفع به ما ربما يورد على الاية انها لو دلت على نفى التحريف من القرآن لانه ذكر لدلت على نفيه من التوراة والانجيل ايضا لان كلا منهما ذكر مع ان كلامه تعالى صريح في وقوع التحريف فيهما.

وذلك ان الاية بقرينة السياق انما تدل على حفظ الذكر الذى هو القرآن بعد انزاله إلى الابد ولا دلالة فيها على علية الذكر للحفظ الالهى ودوران الحكم مداره.

وسنستوفي البحث عما يرجع إلى هذا الشأن ان شاء الله تعالى.

(بحث روائي) في تفسير القمى باسناده عن ابيه عن ابن ابى عمير عن عمر بن اذينة عن رفاعة عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد من عند الله لا يدخل الجنة الا مسلم فيومئذ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ثم قال ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الامل أي شغلهم فسوف يعلمون اقول وروى العياشي عن عبد الله بن عطاء المكى عن ابى جعفر وابى عبد الله (عليهما السلام) في تفسير الاية مثله وفي الدر المنثور اخرج الطبراني في الاوسط وابن مردويه بسند صحيح عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ان ناسا من امتى يعذبون بذنوبهم فيكونون في النار ما شاء الله أن يكونوا ثم يعيرهم اهل الشرك فيقولون ما نرى ما كنتم فيه من تصديقكم نفعكم فلا يبقى موحد الا اخرجه الله تعالى من النار ثم قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ربما يود الذين كفرا لو كانوا مسلمين.

اقول وهذا المعنى مروى بطرق اخرى عن ابى موسى الاشعري وابى سعيد الخدرى وانس بن مالك عنه (صلى الله عليه وآله وسلم).

وفيه اخرج ابن ابى حاتم وابن شاهين في السنة عن على بن ابى طالب قال

 

/ صفحة 103 /

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن اصحاب الكبائر من موحدى الامم كلها الذين ماتوا على كبائرهم غير نادمين ولا تائبين من دخل منهم جهنم لا تزرق اعينهم ولا تسود وجوههم ولا يقرنون بالشياطين ولا يغلون بالسلاسل ولا يجرعون الحميم ولا يلبسون القطران حرم الله اجسادهم على الخلود من اجل التوحيد وصورهم على النار من اجل السجود.

فمنهم من تأخذه النار إلى قدميه ومنهم من تأخذه النار إلى عقبيه ومنهم من تأخذه النار إلى فخذيه ومنهم من تأخذه النار إلى حجزته ومنهم من تأخذه النار إلى عنقه على قدر ذنوبهم واعمالهم ومنهم من يمكث فيها شهرا ثم يخرج منها ومنهم من يمكث فيها سنة ثم يخرج منها واطولهم فيها مكثا بقدر الدنيا منذ يوم خلقت إلى ان تفنى فإذا اراد الله ان يخرجهم منها قالت اليهود والنصارى ومن في النار من اهل الاديان والاوثان لمن في النار من اهل التوحيد آمنتم بالله وكتبه ورسله فنحن وانتم اليوم في النار سواء فيغضب الله لهم غضبا لم يغضبه لشئ فيما مضى فيخرجهم إلى عين بين الجنة والصراط فينبتون فيها نبات الطراثيث في حميل السيل ثم يدخلون الجنة مكتوب في جباههم هؤلاء الجهنميون عتقاء الرحمان فيمكثون في الجنة ما شاء الله ان يمكثوا.

ثم يسألون الله تعالى ان يمحو ذلك الاسم عنهم فيبعث الله ملكا فيمحوه ثم يبعث الله ملائكة معهم مسامير من نار فيطبقونها على من بقى فيها يسمرونها بتلك المسامير فينساهم الله على عرشه ويشتغل عنهم اهل الجنة بنعيمهم ولذاتهم وذلك قوله ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين.

اقول الطرثوث نبت وحميل السيل غثاؤه وقد روى من طرق الشيعة ما يقرب من الحديث مضمونا.

وفيه اخرج احمد وابن مردويه عن ابى سعيد: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) غرس عودا بين يديه وآخر إلى جنبه وآخر بعده قال أتدرون ما هذا؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال فان هذا الانسان وهذا اجله وهذا امله فيتعاطى الامل فيختلجه الاجل دون ذلك

 

/ صفحة 104 /

اقول وروى ما يقرب من معناه بطرق عن انس عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي المجمع عن امير المؤمنين (عليه السلام) إنه قال: ان اخوف ما اخاف عليكم اثنان اتباع الهوى وطول الامل فان اتباع الهوى يصد عن الحق وطول الامل ينسى الاخرة وفي تفسير القمى: في قوله تعالى: " ما ننزل الملائكة الا بالحق وما كانوا إذا منظرين قال قال (عليه السلام) لو انزلنا بالملائكة لم ينظروا وهلكوا كلام في ان القرآن مصون عن التحريف في فصول: الفصل - 1 من ضروريات التاريخ إن النبي العربي محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) جاء قبل اربعة عشر قرنا تقريبا وادعى النبوة وانتهض للدعوة وآمن به امة من العرب وغيرهم وانه جاء بكتاب يسميه القرآن وينسبه إلى ربه متضمن لجمل المعارف وكليات الشريعة التى كان يدعو إليها وكان يتحدى به ويعده آية لنبوته وان القرآن الموجود اليوم بأيدينا هو القرآن الذى جاء به وقرأه على الناس المعاصرين له في الجملة بمعنى إنه لم يضع من اصله بأن يفقد كله ثم يوضع كتاب آخر يشابهه في نظمه أو لا يشابهه وينسب إليه ويشتهر بين الناس بأنه القرآن النازل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

فهذه امور لا يرتاب في شئ منها الا مصاب في فهمه ولا احتمل بعض ذلك احد من الباحثين في مسألة التحريف من المخالفين والمؤالفين.

وانما احتمل بعض من قال به من المخالف أو المؤالف زيادة شئ يسير كالجملة أو الاية (1) أو النقص أو التغيير في جملة أو آية في كلماتها أو اعرابها واما جل الكتاب الالهى فهو على ما هو في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يضع ولم يفقد.

 

 

* (هامش) *

(1) كقول بعض من غير المنتحلين بالاسلام إن قوله تعالى: " إنك ميت وإنهم ميتون " من وضع ابى بكر وضعه حين سمع عمر وهو شاهر سيفه يهدد بالقتل من قال: إن النبي مات فقرأها على عمر فصرفه.

(*)

 

/ صفحة 105 /

ثم إنا نجد القرآن يتحدى باوصاف ترجع إلى عامة آياته ونجد ما بأيدينا من القرآن اعني ما بين الدفتين واجدا لما وصف به من اوصاف تحدى بها من غير أن يتغير في شئ منها أو يفوته ويفقد.

فنجده يتحدى بالبلاغة والفصاحة ونجد ما بأيدينا مشتملا على ذلك النظم العجيب البديع لا يعدله ولا يشابهه شئ من كلام البلغاء والفصحاء المحفوظ منهم والمروى عنهم من شعر أو نثر أو خطبة أو رسالة أو محاورة أو غير ذلك وهذا النظم موجود في جميع الايات سواء كتابا متشابها مثانى تقشعر منه الجلود والقلوب.

ونجده يتحدى بقوله: " أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا " النساء: 82 بعدم وجود اختلاف فيه ونجد ما بايدينا من القرآن يفى بذلك احسن الوفاء وأوفاه فما من ابهام أو خلل يتراءى في آية الا ويرفعه آية اخرى وما من خلاف أو مناقضة يتوهم بادئ الرأى من شطر الا وهناك ما يدفعه ويفسره.

ونجده يتحدى بغير ذلك مما لا يختص فهمه بأهل اللغة العربية كما في قوله: " قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا " اسرى: 88 وقوله: " إنه لقول فصل وما هو بالهزل " الطارق: 14 ثم نجد ما بأيدينا من القرآن يستوفى البيان في صريح الحق الذى لا مرية فيه ويهدى إلى آخر ما يهتدى إليه العقل من اصول المعارف الحقيقية وكليات الشرائع الفطرية وتفاصيل الفضائل الخلقية من غير أن نعثر فيها على شئ من النقيصة والخلل أو نحصل على شئ من التناقض والزلل بل نجد جميع المعارف على سعتها وكثرتها حية بحياة واحدة مدبرة بروح واحد هو مبدء جميع المعارف القرآنية والاصل الذى إليه ينتهى الجميع ويرجع وهو التوحيد فإليه ينتهى الجميع بالتحليل وهو يعود إلى كل منها بالتركيب.

ونجده يغوص في اخبار الماضين من الانبياء واممهم ونجد ما عندنا من كلام الله يورد قصصهم ويفصل القول فيها على ما يليق بطهارة الدين ويناسب نزاهة ساحة النبوة وخلوصها للعبودية والطاعة وكلما طبقنا قصة من القصص القرآنية على ما يماثلها مما ورد في العهدين انجلى ذلك احسن الانجلاء.

ونجده يورد آيات في الملاحم ويخبر عن الحوادث الاتية في آيات كثيرة بالتصريح

 

/ صفحة 106 /

أو بالتلويح ثم نجدها فيما هو بايدينا من القرآن على تلك الشريطة صادقة مصدقة.

 

ونجده يصف نفسه باوصاف زاكية جميلة كما يصف نفسه بأنه نور وانه هاد يهدى إلى صراط مستقيم وإلى الملة التى هي اقوم ونجد ما بأيدينا من القرآن لا يفقد شيئا من ذلك ولا يهمل من امر الهداية والدلالة ولا دقيقة.

ومن اجمع الاوصاف التى يذكرها القرآن لنفسه انه ذكر لله فانه يذكر به تعالى بما انه آية دالة عليه حية خالدة وبما انه يصفه باسمائه الحسنى وصفاته العليا ويصف سنته في الصنع والايجاد ويصف ملائكته وكتبه ورسله ويصف شرائعه واحكامه ويصف ما ينتهى إليه امر الخلقة وهو المعاد ورجوع الكل إليه سبحانه وتفاصيل ما يؤل إليه امر الناس من السعادة والشقاء والجنة والنار.

ففى جميع ذلك ذكر الله وهو الذى يرومه القرآن باطلاق القول بانه ذكر ونجد ما بايدينا من القرآن لا يفقد شيئا من معنى الذكر.

ولكون الذكر من اجمع الصفات في الدلالة على شؤون القرآن عبر عنه بالذكر في الايات التى اخبر فيها عن حفظه القرآن عن البطلان والتغيير والتحريف كقوله تعالى: " إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير ام من يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم انه بما تعملون بصير ان الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وانه لكتاب عزيز لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد " حم السجدة: 42 فذكر تعالى ان القرآن من حيث هو ذكر لا يغلبه باطل ولا يدخل فيه حالا ولا في مستقبل الزمان لا بابطال ولا بنسخ ولا بتغيير أو تحريف يوجب زوال ذكريته عنه.

وكقوله تعالى: " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " الحجر: 9 فقد اطلق الذكر واطلق الحفظ فالقرآن محفوظ بحفظ الله عن كل زيادة ونقيصة وتغيير في اللفظ أو في الترتيب يزيله عن الذكرية ويبطل كونه ذكرا لله سبحانه بوجه.

ومن سخيف القول ارجاع ضمير له إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فانه مدفوع بالسياق وانما كان المشركون يستهزؤن بالنبي لاجل القرآن الذى كان يدعى نزوله عليه كما يشير إليه بقوله سابقا وقالوا: " يا ايهاالذى نزل عليه الذكر انك لمجنون وقد

 

/ صفحة 107 /

مر تفسير الاية.

فقد تبين مما فصلناه ان القرآن الذى انزله الله على نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ووصفه بانه ذكر محفوظ على ما انزل مصون بصيانة الهية عن الزيادة والنقيصة والتغيير كما وعد الله نبيه فيه.

وخلاصة الحجة ان القرآن انزله الله على نبيه ووصفه في آيات كثيرة باوصاف خاصة لو كان تغير في شئ من هذه الاوصاف بزيادة أو نقيصة أو تغيير في لفظ أو ترتيب مؤثر فقد آثار تلك الصفة قطعا لكنا نجد القرآن الذى بايدينا واجدا لاثار تلك الصفات المعدودة على أتم ما يمكن واحسن ما يكون فلم يقع فيه تحريف يسلبه شيئا من صفاته فالذي بايدينا منه هو القرآن المنزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعينه فلو فرض سقوط شئ منه أو تغير في اعراب أو حرف أو ترتيب وجب ان يكون في امر لا يؤثر في شئ من اوصافه كالاعجاز وارتفاع الاختلاف والهداية والنورية والذكرية والهيمنة على سائر الكتب السماوية إلى غير ذلك وذلك كآية مكررة ساقطة أو اختلاف في نقطة أو اعراب ونحوها.

الفصل - 2 ويدل على عدم وقوع التحريف الاخبار الكثيرة المروية عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من طرق الفريقين الآمرة بالرجوع إلى القرآن عند الفتن وفي حل عقد المشكلات.

وكذا حديث الثقلين المتواتر من طرق الفريقين: انى تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي اهل بيتى ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدى ابدا الحديث فلا معنى للامر بالتمسك بكتاب محرف ونفى الضلال ابدا ممن تمسك به.

وكذا الاخبار الكثيرة الواردة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وائمه اهل البيت (عليهم السلام) الآمرة بعرض الاخبار على الكتاب وما ذكره بعضهم ان ذلك في الاخبار الفقهية ومن الجائز أن نلتزم بعدم وقوع التحريف في خصوص آيات الاحكام ولا ينفع ذلك سائر الايات مدفوع بان اخبار العرض مطلقة فتخصيصها بذلك تخصيص من غير مخصص.

على إن لسان اخبار العرض كالصريح أو هو صريح في ان الامر بالعرض انما هو

 

/ صفحة 108 /

لتمييز الصدق من الكذب والحق من الباطل ومن المعلوم ان الدس والوضع غير مقصورين في اخبار الفقه بل الدواعى إلى الدس والوضع في المعارف الاعتقادية وقصص الانبياء والامم الماضين واوصاف المبدء والمعاد اكثر واوفر ويؤيد ذلك ما بايدينا من الاسرائيليات وما يحذو حذوها مما امر الجعل فيها اوضح وابين.

وكذا الاخبار التى تتضمن تمسك ائمة اهل البيت (عليهم السلام) بمختلف الايات القرآنية في كل باب على ما يوافق القرآن الموجود عندنا حتى في الموارد التى فيها آحاد من الروايات بالتحريف وهذا احسن شاهد على ان المراد في كثير من روايات التحريف من قولهم (عليهم السلام) كذا نزل هو التفسير بحسب التنزيل في مقابل البطن والتأويل.

وكذا الروايات الواردة عن امير المؤمنين وسائر الائمة من ذريته (عليهم السلام) في إن ما بايدى الناس قرآن نازل من عند الله سبحانه وان كان غير ما الفه على (عليه السلام) من المصحف ولم يشركوه (عليه السلام) في التاليف في زمن ابى بكر ولا في زمن عثمان ومن هذا الباب قولهم (عليهم السلام) لشيعتهم: اقرؤوا كما قرء الناس ومقتضى هذه الروايات ان لو كان القرآن الدائر بين الناس مخالفا لما الفه على (عليه السلام) في شئ فانما يخالفه في ترتيب السور أو في ترتيب بعض الايات التى لا يؤثر اختلال ترتيبها في مدلولها شيئا ولا في الاوصاف التى وصف الله سبحانه بها القرآن النازل من عنده ما يختل به آثارها.

فمجموع هذه الروايات على اختلاف اصنافها يدل دلالة قاطعة على ان الذى بايدينا من القرآن هو القرآن النازل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من غير أن يفقد شيئا من اوصافه الكريمة وآثارها وبركاتها.

الفصل - 3 ذهب جماعة من محدثي الشيعة والحشوية وجماعة من محدثي اهل السنة إلى وقوع التحريف بمعنى النقص والتغيير في اللفظ أو الترتيب دون الزيادة فلم يذهب إليها احد من المسلمين كما قيل.

واحتجوا على نفى الزيادة بالاجماع وعلى وقوع النقص والتغيير بوجوه كثيرة.

 

/ صفحة 109 /

احدها الاخبار الكثيرة المروية من طرق الشيعة واهل السنة الدالة على سقوط بعض السور والايات وكذا الجمل واجزاء الجمل والكلمات والحروف في الجمع الاول الذى الف فيه القرآن في زمن ابى بكر وكذا في الجمع الثاني الذى كان في زمن عثمان وكذا التغيير وهذه روايات كثيرة روتها الشيعة في جوامعها المعتبرة وغيرها وقد ادعى بعضهم انها تبلغ الفى حديث وروتها اهل السنة في صحاحهم كصحيحي البخاري ومسلم وسنن ابى داود والسنائى واحمد وسائر الجوامع وكتب التفاسير وغيرها وقد ذكر الآلوسي في تفسيره انها فوق حد الاحصاء.

وهذا غير ما يخالف فيه مصحف عبد الله بن مسعود المصحف المعروف مما ينيف على ستين موضعا وما يخالف فيه مصحف ابى بن كعب المصحف العثماني وهو في بضع وثلاثين موضعا وما يختلف فيه المصاحف العثمانية التى اكتتبها وارسلها إلى الافاق وهى خمسة أو سبعة ارسلها إلى مكة وإلى الشام وإلى البصرة وإلى الكوفة وإلى اليمن وإلى البحرين وحبس واحدا بالمدينة والاختلاف الذى فيما بينها يبلغ خمسة واربعين حرفا وقيل بضع وخمسين حرفا (1).

وغير الاختلاف في الترتيب بين المصاحف العثمانية والجمع الاول في زمن ابى بكر فقد كانت سورة الانفال في التاليف الاول في المثانى وسورة براءة في المئين وهما في الجمع الثاني موضوعتان في الطوال على ما ستجئ روايته.

وغير الاختلاف في ترتيب السور الموجود بين مصحفي عبد الله بن مسعود وابى ابن كعب على ما وردت به الرواية وبين المصاحف العثمانية وغير الاختلافات القرائية الشاذة التى رويت عن الصحابة والتابعين فربما بلغ عدد المجموع الالف أو زاد عليه.

الوجه الثاني إن العقل يحكم بأنه إذا كان القرآن متفرقا متشتتا منتشرا عند الناس وتصدى لجمعه غير المعصوم يمتنع عادة ان يكون جمعه كاملا موافقا للواقع.

الوجه الثالث ماروته العامة والخاصة: إن عليا (عليه السلام) اعتزل الناس بعد رحلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يرتد الا للصلاة حتى جمع القرآن ثم حمله إلى الناس واعلمهم انه القرآن

 

/ صفحة 110 /

الذى انزله الله على نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد جمعه فردوه واستغنوا عنه بما جمعه لهم زيد بن ثابت ولو لم يكن بعض ما فيه مخالفا لبعض ما في مصحف زيد لم يكن لحمله إليهم واعلامهم ودعوتهم إليه وجه وقد كان (عليه السلام) اعلم الناس بكتاب الله بعد نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد ارجع الناس إليه في حديث الثقلين المتواتر وقال في الحديث المتفق عليه: على مع الحق والحق مع على.

الوجه الرابع ما ورد من الروايات انه يقع في هذه الامة ما وقع في بنى اسرائيل حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة وقد حرفت بنو اسرائيل كتاب نبيهم على ما يصرح به القرآن الكريم والروايات المأثورة فلا بد ان يقع نظيره في هذه الامة فيحرفوا كتاب ربهم وهو القرآن الكريم.

ففى صحيح البخاري عن ابى سعيد الخدرى إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموه قلنا يا رسول الله بآبائنا وامهاتنا اليهود والنصارى؟ قال فمن؟ والرواية مستفيضة مروية في جوامع الحديث عن عدة من الصحابة كأبى سعيد الخدرى كما مر وابى هريرة وعبد الله بن عمر وابن عباس وحذيفة وعبد الله بن مسعود وسهل بن سعد وعمر بن عوف وعمرو بن العاص وشداد بن اوس والمستورد بن شداد في الفاظ متقاربة.

وهى مروية مستفيضة من طرق الشيعة عن عدة من ائمة اهل البيت (عليهم السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما في تفسير القمى عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): لتركبن سبيل من كان قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة لا تخطؤون طريقهم ولا تخطئ شبر بشبر وذراع بذراع وباع بباع حتى ان لو كان من قبلكم دخل جحر ضب لدخلتموه قالوا اليهود والنصارى تعنى يا رسول الله؟ قال فمن اعني؟ لتنقضن عرى الاسلام عروة عروة فيكون اول ما تنقضون من دينكم الامانة وآخره الصلاة.

والجواب عن استدلالهم باجماع الامة على نفى تحريف القرآن بالزيادة بأنها حجة مدخولة لكونها دورية.

بيان ذلك ان الاجماع ليس في نفسه حجة عقلية يقينية بل هو عند القائلين

 

/ صفحة 111 /

باعتباره حجة شرعية لو افاد شيئا من الاعتقاد فانما يفيد الظن سواء في ذلك محصله ومنقوله على خلاف ما يزعمه كثير منهم ان الاجماع المحصل مفيد للقطع وذلك ان الذى يفيده الاجماع من الاعتقاد لا يزيد على مجموع الاعتقادات التى تفيدها آحاد الاقوال والواحد من الاقوال المتوافقة لا يفيد الا الظن باصابة الواقع وانضمام القول الثاني الذى يوافقه إليه انما يفيد قوة الظن دون القطع لان القطع اعتقاد خاص بسيط مغاير للظن وليس بالمركب من عدة ظنون.

وهكذا كلما انضم قول إلى قول وتراكمت الاقوال المتوافقة زاد الظن قوة وتراكمت الظنون واقتربت من القطع من غير ان تنقلب إليه كما تقدم هذا في المحصل من الاجماع وهو الذى نحصله بتتبع جميع الاقوال والحصول على كل قول قول واما المنقول منه الذى ينقله الواحد والاثنان من اهل العلم والبحث فالامر فيه اوضح فهو كآحاد الروايات لا يفيد الا الظن ان افاد شيئا من الاعتقاد.

فالاجماع حجة ظنية شرعية دليل اعتبارها عند اهل السنة مثلا قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا تجتمع امتى على خطاء أو ضلال وعند الشيعة دخول قول المعصوم في اقوال المجمعين أو كشف اقوالهم عن قوله بوجه.

فحجية الاجماع بالجملة متوقفة على صحة النبوة وذلك ظاهر وصحة النبوة اليوم متوقفة على سلامة القرآن من التحريف المستوجب لزوال صفات القرآن الكريمة عنه كالهداية وفصل القول وخاصة الاعجاز فانه لا دليل حيا خالدا على خصوص نبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) غير القرآن الكريم بكونه آية معجزة ومع احتمال التحريف بزيادة أو نقيصة أو أي تغيير آخر لا وثوق بشئ من آياته ومحتوياته انه كلام الله محضا وبذلك تسقط الحجة وتفسد الاية ومع سقوط كتاب الله عن الحجية يسقط الاجماع عن الحجية.

ولا ينفع في المقام ما قدمناه في اول الكلام ان وجود القرآن المنزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما بايدينا من القرآن في الجملة من ضروريات التاريخ.

وذلك لان مجرد اشتمال ما بأيدينا منه على القرآن الواقعي يدفع احتمال زيادة أو نقيصة أو أي تغيير آخر في كل آية أو جملة اريد التمسك بها لاثبات مطلوب.

 

/ صفحة 112 /

والجواب عن الوجه الاول الذى اقيم لوقوع التحريف بالنقص والتغيير وهو الذى تمسك فيه بالاخبار اما اولا فبأن التمسك بالاخبار بما انها حجة شرعية يشتمل من الدور على ما يشتمل عليه التمسك بالاجماع بنظير البيان الذى تقدم آنفا.

فلا يبقى للمستدل بها إلا أن يتمسك بها بما انها اسناد ومصادر تاريخية وليس فيها حديث متواتر ولا محفوف بقرائن قطعية تضطر العقل إلى قبوله بل هي آحاد متفرقة متشتتة مختلفة منها صحاح ومنها ضعاف في اسنادها ومنها قاصرة في دلالتها فما اشذ منها ما هو صحيح في سنده تام في دلالته.

وهذا النوع على شذوذه وندرته غير مأمون فيه الوضع والدس فان انسراب الاسرائيليات وما يحلق بها من الموضوعات والمدسوسات بين رواياتنا لا سبيل إلى انكاره ولا حجية في خبر لا يؤمن فيه الدس والوضع.

ومع الغض عن ذلك فهى تذكر من الايات والسور ما لا يشبه النظم القرآني بوجه ومع الغض عن جميع ذلك فانها مخالفة للكتاب مردودة اما ما ذكرنا ان اكثرها ضعيفة الاسناد فيعلم ذلك بالرجوع إلى اسانيدها فهى مراسيل أو مقطوعة الاسناد أو ضعيفتها والسالم منها من هذه العلل اقل قليل.

واما ما ذكرنا ان منها ما هو قاصر في دلالتها فان كثيرا مما وقع فيها من الايات المحكية من قبيل التفسير وذكر معنى الايات لا من حكاية متن الاية المحرفة وذلك كما في روضة الكافي عن ابى الحسن الاول: في قول الله: " اولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم فقد سبقت عليهم كلمة الشقاء وسبق لهم العذاب وقل لهم في انفسهم قولا بليغا وما في الكافي عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: " وان تلووا أو تعرضوا قال ان تلووا الامر وتعرضوا عما امرتم به فان الله كان بما تعملون خبيرا إلى غير ذلك من رويات التفسير المعدودة من اخبار التحريف.

ويلحق بهذا الباب ما لا يحصى من الروايات المشيرة إلى سبب النزول المعدودة من اخبار التحريف كالروايات التى تذكر هذه الاية هكذا يا ايها الرسول بلغ ما

 

/ صفحة 113 /

انزل اليك في على والاية نازلة في حقه (عليه السلام) وما روى ": ان وفد بنى تميم كانوا إذا قدموا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقفوا على باب الحجرة ونادوه أن اخرج الينا فذكرت الاية فيها هكذا إن الذين ينادونك من وراء الحجرات بنو تميم اكثرهم لا يعقلون فظن إن في الاية سقطا ويلحق بهذا الباب ايضا ما لا يحصى من الاخبار الواردة في جرى القرآن وانطباقه كما ورد في قوله: " وسيعلم الذين ظلموا آل محمد حقهم وما ورد من قوله ومن يطع الله ورسوله " في ولاية على والائمة من بعده فقد فاز فوزا عظيما وهى كثيرة جدا.

ويلحق بها ايضا ما اتبع فيه القراءة بشئ من الذكر والدعاء فتوهم انه من سقط القرآن كما في الكافي عن عبد العزيز بن المهتدى قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن التوحيد فقال كل من قرء قل هو الله احد وآمن بها فقد عرف التوحيد قال (قلت ظ) كيف نقرؤها؟ قال كما يقرؤها الناس وزاد فيه كذلك الله ربى كذلك الله ربى ومن قبيل قصور الدلالة ما نجد في كثير من الايات المعدودة من المحرفة اختلاف الروايات في لفظ الاية كالتى وردت في قوله تعالى: " ولقد نصركم الله ببدر وانتم اذلة " ففى بعضها ان الاية هكذا ولقد نصركم الله ببدر وانتم ضعفاء وفي بعضها ولقد نصركم الله ببدر وانتم قليل.

وهذا الاختلاف ربما كان قرينة على ان المراد هو التفسير بالمعنى كما في الاية المذكورة ويؤيده ما ورد في بعضها من قوله (عليه السلام): لا يجوز وصفهم بأنهم اذلة وفيهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

وربما لم يكن الا من التعارض والتنافى بين الروايات القاضى بسقوطها كآية الرجم على ما ورد في روايات الخاصة والعامة وهى في بعضها إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة فانهما قضيا الشهوة وفي بعضها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة فانهما قضيا الشهوة وفي بعضها بما قضيا من اللذة وفي بعضها آخرها نكالا من الله والله عليم حكيم وفي بعضها نكالا من الله والله عزيز حكيم.

وكآية الكرسي على التنزيل التى وردت فيها روايات فهى في بعضها هكذا

 

/ صفحة 114 /

الله لا اله الا هو الحى القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الارض وما بينهما وما تحت الثرى عالم الغيب والشهادة فلا يظهر على غيبه احدا من ذا الذى يشفع عنده إلى قوله وهو العلى العظيم والحمد لله رب العالمين.

وفي بعضها إلى قوله هم فيها خالدون والحمد لله رب العالمين وفي بعضها هكذا له ما في السماوات وما في الارض وما بينهما وما تحت الثرى عالم الغيب والشهادة الرحمان الرحيم الخ وفي بعضها عالم الغيب والشهادة الرحمان الرحيم بديع السماوات والارض ذو الجلال والاكرام رب العرش العظيم وفي بعضها عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم.

وما ذكره بعض المحدثين ان اختلاف هذه الروايات في الايات المنقولة غير ضائر لاتفاقها في اصل التحريف مردود بان ذلك لا يصلح ضعف الدلالة ودفع بعضها لبعض.

واما ما ذكرنا من شيوع الدس والوضع في الروايات فلا يرتاب فيه من راجع الروايات المنقولة في الصنع والايجاد وقصص الانبياء والامم والاخبار الواردة في تفاسير الايات والحوادث الواقعة في صدر الاسلام واعظم ما يهم امره لاعداء الدين ولا يألون جهدا في اطفاء نوره واخماد ناره واعفاء اثره هو القرآن الكريم الذى هو الكهف المنيع والركن الشديد الذى يأوى إليه ويتحصن به المعارف الدينية والسند الحى الخالد لمنشور النبوة ومواد الدعوة لعلمهم بأنه لو بطلت حجة القرآن لفسد بذلك امر النبوة واختل نظام الدين ولم يستقر من بنيته حجر على حجر.

والعجب من هؤلاء المحتجين بروايات منسوبة إلى الصحابة أو إلى ائمة اهل البيت (عليهم السلام) على تحريف كتاب الله سبحانه وابطال حجيته وببطلان حجة القرآن تذهب النبوة سدى والمعارف الدينية لغى لا اثر لها وما ذا يغنى قولنا ان رجلا في تاريخ كذا ادعى النبوة وأتى بالقرآن معجزة اما هو فقد مات واما قرآنه فقد حرف ولم يبق بايدينا مما يؤيد امره إلا ان المؤمنين به اجمعوا على صدقه في دعواه وان القرآن الذى جاء به كان معجزا دالا على نبوته والاجماع حجة لان النبي المذكور اعتبر حجيته أو لانه يكشف مثلا عن قول ائمة اهل بيته؟ وبالجملة احتمال الدس وهو قريب جدا مؤيد بالشواهد والقرائن يدفع

 

/ صفحة 115 /

حجية هذه الروايات ويفسد اعتبارها فلا يبقى معه لها لا حجية شرعية ولا حجية عقلائية حتى ما كان منها صحيح الاسناد فان صحة السند وعدالة رجال الطريق انما يدفع تعمدهم الكذب دون دس غيرهم في اصولهم وجوامعهم ما لم يرووه.

واما ما ذكرناه ان روايات التحريف تذكر آيات وسورا لا يشبها نظمها النظم القرآني بوجه فهو ظاهر لمن راجعها فانه يعثر فيها بشئ كثير من ذلك كسورتي الخلع والحفد اللتين رويتا بعدة من طرق اهل السنة فسورة الخلع هي بسم الله الرحمن الرحيم اللهم انا نستعينك ونستغفرك ونثنى عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك وسورة الحفد هي بسم الله الرحمن الرحيم اللهم اياك نعبد ولك نصلى ونسجد واليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى نقمتك إن عذابك بالكافرين ملحق.

وكذا ما اورده بعض الروايات من سورة الولاية وغيرها اقاويل مختلقة رام واضعها ان يقلد النظم القرآني فخرج الكلام عن الاسلوب العربي المألوف ولم يبلغ النظم الالهى المعجز فعاد يستبشعه الطبع وينكره الذوق ولك ان تراجعها حتى تشاهد صدق ما ادعيناه وتقضى ان اكثر المعتنين بهذه السور والايات المختلقة المجعولة انما دعاهم إلى ذلك التعبد الشديد بالروايات والاهمال في عرضها على الكتاب ولو لا ذلك لكفتهم للحكم بانها ليست بكلام الهى نظرة.

واما ما ذكرنا ان روايات التحريف على تقدير صحة اسنادها مخالفة للكتاب فليس المراد به مجرد مخالفتها لظاهر قوله تعالى: " انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون " وقوله: " وانه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه " الايتان حتى تكون مخالفة ظنية لكون ظهور الالفاظ من الادلة الظنية بل المراد مخالفتها للدلالة القطعية من مجموع القرآن الذى بايدينا حسب ما قررناه في الحجة الاولى التى اقمناها لنفى التحريف.

كيف لا؟ والقرآن الذى بايدينا متشابه الاجزاء في نظمه البديع المعجز كاف في رفع الاختلافات المتراءاة بين آياته وابعاضه غير ناقص ولا قاصر في اعطاء معارفه الحقيقية وعلومه الالهية الكلية والجزئية المرتبطة بعضها ببعض المترتبة فروعها على اصولها المنعطفة اطرافها على اوساطها إلى غير ذلك من خواص النظم القرآني الذى

 

/ صفحة 116 /

وصفه الله بها.

والجواب عن الوجه الثاني ان دعوى الامتناع العادى مجازفة بينة نعم يجوز العقل عدم موافقة التأليف في نفسه للواقع الا ان تقوم قرائن تدل على ذلك وهى قائمة كما قدمنا واما ان يحكم العقل بوجوب مخالفتها للواقع كما هو مقتضى الامتناع العادى فلا.

والجواب عن الوجه الثالث ان جمعه (عليه السلام) القرآن وحمله إليهم وعرضه عليهم لا يدل على مخالفة ما جمعه لما جمعوه في شئ من الحقائق الدينية الاصلية أو الفرعية إلا أن يكون في شئ من ترتيب السور أو الايات من السور التى نزلت نجوما بحيث لا يرجع إلى مخالفة في بعض الحقائق الدينية.

ولو كان كذلك لعارضهم بالاحتجاج ودافع فيه ولم يقنع بمجرد اعراضهم عما جمعه واستغنائهم عنه كما روى عنه (عليه السلام) في موارد شتى ولم ينقل عنه (عليه السلام) فيما روى من احتجاجاته انه قرأ في امر ولايته ولا غيرها آية أو سورة تدل على ذلك وجبههم على اسقاطها أو تحريفها.

وهل كان ذلك حفظا لوحدة المسلمين وتحرزا عن شق العصا فانما كان يتصور ذلك بعد استقرار الامر واجتماع الناس على ما جمع لهم لا حين الجمع وقبل ان يقع في الايدى ويسير في البلاد.

وليت شعرى هل يسعنا ان ندعى ان ذاك الجم الغفير من الايات التى يرون سقوطها وربما ادعوا انها تبلغ الالوف كانت جميعا في الولاية أو كانت خفية مستورة عن عامة المسلمين لا يعرفها الا النزر القليل منهم مع توفر دواعيهم وكثرة رغباتهم على اخذ القرآن كلما نزل وتعلمه وبلوغ اجتهاد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في تبليغه وارساله إلى الافاق وتعليمه وبيانه وقد نص على ذلك القرآن قال تعالى: " ويعلمهم الكتاب والحكمة " الجمعة: 2 وقال: " لتبين للناس ما نزل إليهم " النحل: 44 فكيف ضاع؟ واين ذهب؟ ما يشير إليه بعض المراسيل انه سقط في آية من اول سورة النساء بين قوله: " وان خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى وقوله فانكحوا ما طاب لكم من النساء " اكثر من ثلث القرآن أي اكثر من الفى آية وما ورد من طرق اهل السنة ان سورة

 

/ صفحة 117 /

براءة كانت مبسملة تعدل سورة البقرة وان الاحزاب كانت اعظم من البقرة وقد سقطت منه مائتا آية إلى غير ذلك.

أو إن هذه الايات وقد دلت هذه الروايات على بلوغها في الكثره كانت منسوخة التلاوة كما ذكره جمع من المفسرين من اهل السنة حفظا لما ورد في بعض رواياتهم إن من القرآن ما أنساه الله ونسخ تلاوته.

فما معنى انساء الاية ونسخ تلاوتها؟ أكان ذلك لنسخ العمل بها فما هي هذه الايات المنسوخة الواقعة في القرآن كآية الصدقة وآية نكاح الزانية والزانى وآية العدة وغيرها؟ وهم مع ذلك يقسمون منسوخ التلاوة إلى منسوخ التلاوة والعمل معا ومنسوخ التلاوة دون العمل كآية الرجم.

أم كان ذلك لكونها غير واجدة لبعض صفات كلام الله حتى ابطلها الله بامحاء ذكرها وإذهاب اثرها فلم يكن من الكتاب العزيز الذى لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ولا منزها من الاختلاف ولا قولا فصلا ولا هاديا إلى الحق وإلى طريق مستقيم ولا معجزا يتحدى به ولا ولا فما معنى الايات الكثيرة التى تصف القرآن بانه في لوح محفوظ وانه كتاب عزيز لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وانه قول فصل وانه هدى وانه نور وانه فرقان بين الحق والباطل وانه آية معجزة وانه وانه؟ فهل يسعنا ان نقول ان هذه الايات على كثرتها واباء سياقها عن التقييد مقيدة بالبعض فبعض الكتاب فقط وهو غير المنسى ومنسوخ التلاوة لا ياتيه الباطل وقول فصل وهدى ونور وفرقان ومعجزة خالدة؟ وهل جعل الكلام منسوخ التلاوة ونسيا منسيا غير ابطاله واماتته؟ وهل صيرورة القول النافع بحيث لا ينفع للابد ولا يصلح شأنا مما فسد غير الغائه وطرحه واهماله؟ وكيف يجامع ذلك كون القرآن ذكرا؟ فالحق ان روايات التحريف المروية من طرق الفريقين وكذا الروايات المروية في نسخ تلاوة بعض الايات القرآنية مخالفة للكتاب مخالفة قطعية.

والجواب عن الوجه الرابع ان اصل الاخبار القاضية بمماثلة الحوادث الواقعة في

 

/ صفحة 118 /

هذه الامة لما وقع في بنى اسرائيل مما لا ريب فيه وهى متظافرة أو متواترة لكن هذه الروايات لا تدل على المماثلة من جميع الجهات وهو ظاهر بل الضرورة تدفعه.

فالمراد بالمماثلة هي المماثلة في الجملة من حيث النتائج والاثار وحينئذ فمن الجائز أن تكون مماثلة هذه الامة لبنى اسرائيل في مسألة تحريف الكتاب انما هي في حدوث الاختلاف والتفرق بين الامة بانشعابها إلى مذاهب شتى يكفر بعضهم بعضا وافتراقها إلى ثلاث وسبعين فرقة كما افترقت النصارى إلى اثنتين وسبعين واليهود إلى واحدة وسبعين وقد ورد هذا المعنى في كثير من هذه الروايات حتى ادعى بعضهم كونها متواترة.

ومن المعلوم ان الجميع مستندون فيما اختاروه إلى كتاب الله وليس ذلك الا من جهة تحريف الكلم عن مواضعه وتفسير القرآن الكريم بالرأى والاعتماد على الاخبار الواردة في تفسير الايات من غير العرض على الكتاب وتمييز الصحيح منها من السقيم وبالجملة اصل الروايات الدالة على المماثلة بين الامتين لا يدل على شئ من التحريف الذى يدعونه نعم وقع في بعضها ذكر التحريف بالتغيير والاسقاط وهذه الطائفة على ما بها من السقم مخالفة للكتاب كما تقدم الفصل - 4 في تاريخ اليعقوبي قال عمر بن الخطاب لابي بكر يا خليفة رسول الله إن حملة القرآن قد قتل اكثرهم يوم اليمامة فلو جمعت القرآن فانى اخاف عليه ان يذهب حملته فقال له أبو بكر افعل ما لم يفعله رسول الله؟ فلم يزل به عمر حتى جمعه وكتبه في صحف وكان مفرقا في الجريد وغيرها.

واجلس خمسة وعشرين رجلا من قريش وخمسين رجلا من الانصار فقال اكتبوا القرآن واعرضوا على سعيد بن العاص فانه رجل فصيح.

وروى بعضهم ان على بن ابى طالب (عليه السلام) كان جمعه لما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأتى به يحمله على جمل فقال هذا القرآن قد جمعته قال وكان قد جزأه سبعة اجزاء ثم ذكر الاجزاء.

وفي تاريخ ابى الفداء وقتل في قتال مسيلمة جماعة من القراء من المهاجرين

 

/ صفحة 119 /

والانصار ولما رأى أبو بكر كثرة من قتل امربجمع القرآن من افواه الرجال وجريد النخل والجلود وترك ذلك المكتوب عند حفصة بنت عمر زوج النبي صلى الله عليه وسلم انتهى.

والاصل فيما ذكراه الروايات فقد اخرج البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت قال ارسل إلى ابى بكر مقتل اهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده فقال أبو بكر إن عمر اتانى فقال ان القتل قد استحر بقراء القرآن وانى اخشى ان يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن وانى ارى ان تامر بجمع القرآن فقلت لعمر كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال عمر هذا والله خير فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت الذى رأى عمر.

قال زيد قال أبو بكر انك شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحى لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فأجمعه فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان اثقل على مما امرني به من جمع القرآن قلت كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال هو والله خير.

فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذى شرح له صدر ابى بكر وعمر فتتبعت القرآن اجمعه من العسف واللخاف وصدور الرجال ووجدت آخر سورة التوبة مع خزيمة الانصاري لم اجدها مع غيره لقد جاءكم رسول حتى خاتمة براءة فكانت الصحف عند ابى بكر حتى توفاه الله تعالى ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر.

وعن ابن ابى داود من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال ": قدم عمر فقال من كان تلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من القرآن - فليأت به وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والالواح والعسب وكان لا يقبل من احد شيئا حتى يشهد شهيدا وعنه ايضا من طريق هشام بن عروة عن ابيه وفي الطريق انقطاع ": ان ابا بكر قال لعمر ولزيد - اقعدوا على باب المسجد - فمن جاءكما بشاهدين على شئ من كتاب الله فاكتباه وفي الاتقان عن ابن اشتة في المصاحف عن الليث بن سعد قال ": اول من جمع القرآن أبو بكر وكتبه زيد - وكان الناس يأتون زيد بن ثابت - فكان لا يكتب آية الا

 

/ صفحة 120 /

بشاهدي عدل وان آخر سورة براءة لم يوجد الا مع ابى خزيمة بن ثابت فقال اكتبوها فان رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل شهادته بشهادة رجلين فكتب وان عمر اتى بآية الرجم فلم يكتبها لانه كان وحده وعن ابن ابى داود في المصاحف من طريق محمد بن اسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن ابيه قال ": اتانى الحارث بن خزيمة بهاتين الايتين من آخر سورة براءة فقال - اشهد انى سمعتهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعيتهما فقال عمر وانا اشهد لقد سمعتهما ثم قال لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة فانظروا آخر سورة من القرآن فالحقوها في آخرها وعنه ايضا من طريق ابى العالية عن ابى بن كعب ": انهم جمعوا القرآن فلما انتهوا إلى الاية التى في سورة براءة ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون ظنوا ان هذا آخر ما انزل فقال ابى - ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اقرأني بعد هذا آيتين " لقد جاءكم رسول " إلى آخر السورة وفي الاتقان عن الدير عاقولي في فوائده حدثنا ابراهيم بن يسار حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عبيد عن زيد بن ثابت قال قال ": قبض النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن القرآن جمع في شئ وفي مستدرك الحاكم باسناده عن زيد بن ثابت قال ": كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع الحديث.

اقول ولعل المراد ضم بعض الايات النازلة نجوما إلى بعض السور أو الحاق بعض السور إلى بعضها مما يتماثل صنفا كالطوال والمئين والمفصلات فقد ورد لها ذكر في الاحاديث النبوية والا فتأليف القرآن وجمعه مصحفا واحدا انما كان بعد ما قبض النبي صلى الله عليه وسلم بلا اشكال وعلى مثل هذا ينبغى ان يحمل ما ياتي.

في صحيح النسائي عن ابن عمر قال: جمعت القرآن فقرأت به كل ليلة فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال اقرأه في شهر وفي الاتقان عن ابن ابى داود بسند حسن عن محمد بن كعب القرظى قال ": جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة من الانصار معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت

 

/ صفحة 121 /

وابى بن كعب وابو الدرداء وابو ايوب الانصاري وفيه عن البيهقى في المدخل عن ابن سيرين قال ": جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم اربعة لا يختلف فيهم معاذ بن جبل وابى بن كعب وابو زيد واختلفوا في رجلين من ثلاثة ابى الدرداء وعثمان وقيل عثمان وتميم الدارى وفيه عنه وعن ابن ابى داود عن الشعبى قال ": جمع القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ستة ابى وزيد ومعاذ وابو الدرداء وسعيد بن عبيد وابو زيد ومجمع بن حارثة وقد اخذه الا سورتين أو ثلاث وفيه ايضا عن ابن اشتة في كتاب المصاحف من طريق كهمس عن ابن بريدة قال ": اول من جمع القرآن في مصحف سالم مولى ابى حذيفة اقسم لا يرتدى برداء حتى يجمعه فجمعه الحديث.

اقول اقصى ما تدل عليه هذه الروايات مجرد جمعهم ما نزلت من السور والايات واما العناية بترتيب السور والايات كما هو اليوم أو بترتيب آخر فلا هذا هو الجمع الاول في عهد ابى بكر.

الفصل - 5 وقد جمع القرآن ثانيا في عهد عثمان لما اختلفت المصاحف وكثرت القراءات.

قال اليعقوبي في تاريخه وجمع عثمان القرآن وألفه وصير الطوال مع الطوال والقصار مع القصار من السور وكتب في جمع المصاحف من الافاق حتى جمعت ثم سلقها بالماء الحار والخل وقيل احرقها فلم يبق مصحف حتى فعل به ذلك خلا مصحف ابن مسعود.

وكان ابن مسعود بالكوفة فامتنع ان يدفع مصحفه إلى عبد الله بن عامر وكتب (إليه ظ) عثمان ان اشخصه ان لم يكن هذا الدين خبالا وهذه الامة فسادا فدخل المسجد وعثمان يخطب فقال عثمان انه قد قدمت عليكم دابة سوء فكلم ابن مسعود بكلام غليظ فامر به عثمان فجر برجله حتى كسر له ضلعان فتكلمت عائشة وقالت قولا كثيرا.

 

/ صفحة 122 /

وبعث بها إلى الامصار وبعث بمصحف إلى الكوفة ومصحف إلى البصرة ومصحف إلى المدينة ومصحف إلى مكة ومصحف إلى مصر ومصحف إلى الشام ومصحف إلى البحرين ومصحف إلى اليمن ومصحف إلى الجزيرة.

وامر الناس ان يقرؤا على نسخة واحدة وكان سبب ذلك انه بلغه ان الناس يقولون قرآن آل فلان فاراد ان يكون نسخته واحدة وقيل ان ابن مسعود كان كتب بذلك إليه فلما بلغه انه كان يحرق المصاحف قال لم ارد هذا وقيل كتب إليه بذلك حذيفة بن اليمان انتهى موضع الحاجة وفي الاتقان روى البخاري عن انس ": ان حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازى اهل الشام في فتح ارمينية وآذربيجان مع اهل العراق فافزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال لعثمان ادرك الامة قبل ان يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى فارسل إلى حفصة ان ارسلي الينا الصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها اليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فامر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمان ابن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف.

وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فانه انما نزل بلسانهم ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وارسل إلى كل افق بمصحف مما نسخوا وامر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف ان يحرق.

 

قال زيد آية من الاحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت اسمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقرأ بها فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الانصاري: " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه " فالحقناها في سورتها في المصحف وفيه اخرج ابن اشتة من طريق ايوب عن ابى قلابة قال حدثنى رجل من بنى عامر يقال له انس بن مالك قال ": اختلفوا في القرآن على عهد عثمان حتى اقتتل الغلمان والمعلمون فبلغ ذلك عثمان بن عفان فقال عندي تكذبون به وتلحنون فيه فمن نأى عنى كان اشد تكذيبا واكثر لحنا يا اصحاب محمد اجتمعوا واكتبوا للناس اماما.

فاجتمعوا فكانوا إذا اختلفوا وتدارؤا في آية قالوا هذه اقرأها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)

 

/ صفحة 123 /

فلانا فيرسل إليه وهو على رأس ثلاث من المدينة فيقال له كيف اقراك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) آية كذا وكذا؟ فيقول كذا وكذا فيكتبونها وقد تركوا لذلك مكانا وفيه عن ابن ابى داود من طريق ابن سيرين عن كثير بن افلح قال ": لما اراد عثمان ان يكتب المصاحف جمع له اثنى عشر رجلا من قريش والانصار فبعثوا إلى الربعة التى في بيت عمر فجئ بها وكان عثمان يتعاهدهم فكانوا إذا تدارؤا في شئ اخروه.

قال محمد فظننت انما كانوا يؤخرونه لينظروا احدثهم عهدا بالعرضة الاخيرة فيكتبونه على قوله وفيه اخرج ابن ابى داود بسند صحيح عن سويد بن غفلة قال قال على: لا تقولوا في عثمان الا خيرا - فو الله ما فعل الذى فعل في المصاحف الا عن ملاء منا قال ما تقولون في هذه القراء؟ فقد بلغني ان بعضهم يقول إن قراءتى خير من قراءتك وهذا يكاد يكون كفرا قلنا - فما ترى؟ (قال ارى ظ) ان يجمع الناس على مصحف واحد فلا يكون فرقة ولا اختلاف قلنا فنعم ما رأيت وفي الدر المنثور اخرج ابن الضريس عن علباء بن احمر إن عثمان بن عفان ": لما اراد ان يكتب المصاحب ارادوا ان يلقوا الواو التى في براءة والذين يكنزون الذهب والفضة قال ابى لتلحقنها أو لاضعن سيفى على عاتقي فألحقوها وفي الاتقان عن احمد وابى داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم عن ابن عباس قال ": قلت لعثمان ما حملكم على ان عمدتم إلى الانفال وهى من المثانى وإلى براءة وهى من المئين فقربتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموهما في السبع الطوال فقال عثمان كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تنزل عليه السورة ذات العدد فكان إذا انزل عليه الشئ دعا بعض من كان يكتب فيقول ضعوا هؤلاء الايات في السورة التى يذكر فيها كذا وكذا وكانت الانفال من اوائل ما نزل بالمدينة وكانت براءة من آخر القرآن نزولا وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت انها منها فقبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يبين لنا انها منها.

فمن اجل ذلك قرنت بينهما ولم اكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم

 

/ صفحة 124 /

ووضعتها في السبع الطوال.

اقول السبع الطوال على ما يظهر من هذه الرواية وروى ايضا عن ابن جبير هي البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والانعام والاعراف ويونس وقد كانت موضوعة في الجمع الاول على هذا الترتيب ثم غير عثمان هذا الترتيب فأخذ الانفال وهى من المثانى وبراءة وهى من المئين قبل المثانى فوضعهما بين الاعراف ويونس مقدما الانفال على براءة.

الفصل - 6 الروايات الموضوعة في الفصلين السابقين هي اشهر الروايات الواردة في باب جمع القرآن وتاليفه بين صحيحة وسقيمة وهى تدل على ان الجمع الاول كان جمعا لشتات السور المكتوبة في العسب واللخاف والاكتاف والجلود والرقاع والحاق الايات النازلة متفرقة إلى سور تناسبها.

وان الجمع الثاني وهو الجمع العثماني كان رد المصاحف المنتشرة عن الجمع الاول بعد عروض تعارض النسخ واختلاف القراءات عليها إلى مصحف واحد مجمع عليه عدا ما كان من قول زيد انه الحق قوله من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه الاية في سورة الاحزاب في المصحف فقد كانت المصاحف تتلى خمس عشرة سنة وليست فيها الاية.

وقد روى البخاري عن ابن الزبير قال ": قلت لعثمان والذين يتوفون منكم ويذرون ازواجا قد نسختها الاية الاخرى فلم تكتبها أو تدعها؟ قال يا بن اخى لا اغير شيئا منه من مكانه.

والذى يعطيه النظر الحر في امر هذه الروايات ودلالتها وهى عمدة ما في هذا الباب انها آحاد غير متواترة لكنها محفوفة بقرائن قطعية فقد كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يبلغ الناس ما نزل إليه من ربه من غير أن يكتم منه شيئا وكان يعلمهم ويبين لهم ما نزل إليهم من ربهم على ما نص عليه القرآن ولم يزل جماعة منهم يعلمون ويتعلمون القرآن تعلم تلاوة وبيان وهم القراء الذين قتل جم غفير منهم في غزوة اليمامة.

 

/ صفحة 125 /

وكان الناس على رغبة شديدة في اخذ القرآن وتعاطيه ولم يترك هذا الشان ولا ارتفع القرآن من بينهم ولا يوما أو بعض يوم حتى جمع القرآن في مصحف واحد ثم اجمع عليه فلم يبتل القرآن بما ابتليت به التوراة والانجيل وكتب سائر الانبياء.

اضف إلى ذلك روايات لا تحصى كثرة وردت من طرق الشيعة واهل السنة في قراءاته (صلى الله عليه وآله وسلم) كثيرا من السور القرآنية في الفرائض اليومية وغيرها بمسمع من ملا الناس وقد سمى في هذه الروايات جم غفير من السور القرآنية مكيتها ومدنيتها.

اضف إلى ذلك ما تقدم في رواية عثمان بن ابى العاص: في تفسير قوله تعالى: " ان الله يامر بالعدل والاحسان " الاية النحل: 90 من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) إن جبريل اتانى بهذه الاية وامرني أن اضعها في موضعها من السورة ونظير الرواية في الدلالة ما دل على قراءته (صلى الله عليه وآله وسلم) لبعض السور النازلة نجوما كآل عمران والنساء وغيرها فيدل على انه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يأمر كتاب الوحى بالحاق بعض الايات في موضعها واعظم الشواهد القاطعة ما تقدم في اول هذه الابحاث ان القرآن الموجود بايدينا واجد لما وصفه الله تعالى من الاوصاف الكريمة.

وبالجملة الذى تدل عليه هذه الروايات هي اولا ان الموجود فيما بين الدفتين من القرآن هو كلام الله تعالى فلم يزد فيه شئ ولم يتغير منه شئ واما النقص فانها لا تفى بنفيه نفيا قطعيا كما روى بعدة طرق ان عمر كان يذكر كثيرا آية الرجم ولم تكتب عنه واما حملهم الرواية وسائر ما ورد في التحريف وقد ذكر الآلوسي في تفسيره انها فوق حد الاحصاء على منسوخ التلاوة فقد عرفت فساده وتحققت ان اثبات منسوخ التلاوة اشنع من اثبات اصل التحريف.

على إن من كان له مصحف غير ما جمعه زيد اولا بامر من ابى بكر وثانيا بأمر من عثمان كعلى (عليه السلام) وابى بن كعب وعبد الله بن مسعود لم ينكر شيئا مما حواه المصحف الدائر غير ما نقل عن ابن مسعود انه لم يكتب في مصحفه المعوذتين وكان يقول انهما عوذتان نزل بهما جبريل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليعوذ بهما الحسنين (عليهما السلام) وقد رده سائر الصحابة وتواترت النصوص من ائمة اهل البيت (عليهم السلام) على انهما سورتان من القرآن.

 

/ صفحة 126 /

وبالجملة الروايات السابقة كما ترى آحاد محفوفة بالقرائن القطعية نافية للتحريف بالزيادة والتغيير قطعا دون النقص الا ظنا ودعوى بعضهم التواتر من حيث الجهات الثلاث لا مستند لها.

والتعويل في ذلك على ما قدمناه من الحجة في اول هذه الابحاث ان القرآن الذى بايدينا واجد للصفات الكريمة التى وصف الله سبحانه بها القرآن الواقعي الذى انزله على رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ككونه قولا فصلا ورافعا للاختلاف وذكرا وهاديا ونورا ومبينا للمعارف الحقيقية والشرائع الفطرية وآية معجزة إلى غير ذلك من صفاته الكريمة.

ومن الحرى أن نعول على هذا الوجه فان حجة القرآن على كونه كلام الله المنزل على رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) هي نفسه المتصفة بهاتيك الصفات الكريمة من غير ان يتوقف في ذلك على امر آخر وراء نفسه كائنا ما كان فحجته معه اينما تحقق وبيد من كان ومن أي طريق وصل.

وبعبارة اخرى لا يتوقف القرآن النازل من عند الله إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في كونه متصفا بصفاته الكريمة على ثبوت استناده إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) بنقل متواتر أو متظافر وان كان واجدا لذلك بل الامر بالعكس فاتصافه بصفاته الكريمة هو الحجة على الاستناد فليس كالكتب والرسائل المنسوبة إلى المصنفين والكتاب والاقاويل المأثورة عن العلماء واصحاب الانظار المتوقفة صحة استنادها إلى نقل قطعي وبلوغ متواتر أو مستفيض مثلا بل نفس ذاته هي الحجة على ثبوته.

وثانيا إن ترتيب السور انما هو من الصحابة في الجمع الاول والثانى ومن الدليل عليه ما تقدم في الروايات من وضع عثمان الانفال وبراءة بين الاعراف ويونس وقد كانتا في الجمع الاول متاخرتين.

ومن الدليل عليه ما ورد من مغايرة ترتيب مصاحف سائر الصحابة للجمع الاول والثانى كليهما كما روى ان مصحف على (عليه السلام) كان مرتبا على ترتيب النزول فكان اوله اقرء ثم المدثر ثم نون ثم المزمل ثم تبت ثم التكوير وهكذا إلى آخر المكى والمدنى نقله في الاتقان عن ابن فارس وفي تاريخ اليعقوبي ترتيب آخر لمصحفه (عليه السلام).

 

/ صفحة 127 /

ونقل عن ابن اشتة في المصاحف باسناده عن ابى جعفر الكوفى ترتيب مصحف ابى وهو يغاير المصحف الدائر مغايرة شديدة وكذا عنه فيه باسناده عن جرير بن عبد الحميد ترتيب مصحف عبد الله بن مسعود آخذا من الطوال ثم المئين ثم المثانى ثم المفصل وهو ايضا مغاير للمصحف الدائر.

وقد ذهب كثير منهم إلى إن ترتيب السور توقيفي وان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذى امر بهذا الترتيب باشارة من جبريل بامر من الله سبحانه حتى افرط بعضهم فادعى ثبوت ذلك بالتواتر وليت شعرى اين هذا التواتر وقد تقدمت عمدة روايات الباب ولا اثر فيها من هذا المعنى وسياتى استدلال بعضهم على ذلك بما ورد من نزول القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا جملة ثم منها على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تدريجا.

وثالثا إن وقوع بعض الايات القرآنية التى نزلت متفرقة موقعها الذى هي فيه الان لم يخل عن مداخلة من الصحابة بالاجتهاد كما هو ظاهر روايات الجمع الاول وقد تقدمت.

واما رواية عثمان بن ابى العاص عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اتانى جبريل فأمرني أن اضع هذه الاية بهذا الموضع من السورة: " إن الله يأمر بالعدل والاحسان " الاية فلا تدل على ازيد من فعله (صلى الله عليه وآله وسلم) في بعض الايات في الجملة لا بالجملة وعلى تقدير التسليم لا دلالة لما بأيدينا من الروايات المتقدمة على مطابقة ترتيب الصحابة ترتيبه (صلى الله عليه وآله وسلم) ومجرد حسن الظن بهم لا يسمح للروايات بدلالة تدل بها على ذلك وانما يفيد انهم ما كانوا ليعمدوا إلى مخالفة ترتيبه (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما علموه لا فيما جهلوه وفي روايات الجمع الاول المتقدمة اوضح الشواهد على إنهم ما كانوا على علم بمواضع جميع الايات ولا بنفسها.

ويدل على ذلك الروايات المستفيضة التى وردت من طرق الشيعة واهل السنة ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين إنما كانوا يعلمون تمام السورة بنزول البسملة كما رواه أبو داود والحاكم والبيهقي والبزار من طريق سعيد بن جبير على ما في الاتقان عن ابن عباس قال ": كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم زاد البزار فإذا نزلت عرف إن السورة قد ختمت واستقبلت أو ابتدأت سورة اخرى وايضا عن الحاكم من وجه آخر عن سعيد عن ابن عباس قال ": كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم فإذا نزلت علموا إن السورة

 

/ صفحة 128 /

قد انقضت اسناده على شرط الشيخين.

وايضا عنه من وجه آخر عن سعيد عن ابن عباس ": ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا جاءه جبريل فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم علم انها سورة اسناده صحيح.

اقول وروى ما يقرب من ذلك في عدة روايات اخر وروى ذلك من طرق الشيعة عن الباقر (عليه السلام).

والروايات كما ترى صريحة في دلالتها على ان الايات كانت مرتبة عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بحسب ترتيب النزول فكانت المكيات في السورة المكية والمدنيات في سورة مدنية اللهم إلا أن يفرض سورة نزل بعضها بمكة وبعضها بالمدينة ولا يتحقق هذا الفرض الا في سورة واحدة.

ولازم ذلك ان يكون ما نشاهده من اختلاف مواضع الايات مستندا إلى اجتهاد من الصحابة.

توضيح ذلك ان هناك ما لا يحصى من روايات اسباب النزول يدل على كون آيات كثيرة في السور المدنية نازلة بمكة وبالعكس وعلى كون آيات من القرآن نازلة مثلا في اواخر عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهى واقعة في سور نازلة في اوائل الهجرة وقد نزلت بين الوقتين سور اخرى كثيرة وذلك كسورة البقرة التى نزلت في السنة الاولى من الهجرة وفيها آيات الربا وقد وردت الروايات على انها من آخر ما نزلت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى ورد عن عمر انه قال مات رسول الله ولم يبين لنا آيات الربا وفيها قوله تعالى: " واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله " الاية البقرة: 281 وقد ورد انها آخر ما نزل من القرآن على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

فهذه الايات النازلة مفرقة الموضوعة في سور لا تجانسها في المكية والمدنية موضوعة في غير موضعها بحسب ترتيب النزول وليس الا عن اجتهاد من الصحابة.

ويؤيد ذلك ما في الاتقان عن ابن حجر ": وقد ورد عن علي انه جمع القرآن على ترتيب النزول عقب موت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اخرجه ابن ابى داود وهو من مسلمات مداليل روايات الشيعة.

هذا ما يدل عليه ظاهر روايات الباب المتقدمة لكن الجمهور اصروا على أن

 

/ صفحة 129 /

ترتيب الايات توقيفي فآيات المصحف الدائر اليوم وهو المصحف العثماني مرتبة على ما رتبها عليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) باشارة من جبريل وأولوا ظاهر الروايات بأن جمع الصحابة لم يكن جمع ترتيب وانما كان جمعا لما كانوا يعلمونه ويحفظونه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من السور وآياتها المرتبة بين دفتين وفي مكان واحد.

وأنت خبير بأن كيفية الجمع الاول الذى تدل عليها الروايات تدفع هذه الدعوى دفعا صريحا.

وربما استدل عليه بما ادعاه بعضهم من الاجماع على ذلك فقد نقل السيوطي في الاتقان عن الزركشي دعوى الاجماع عليه وعن ابى جعفر بن الزبير نفى الخلاف فيه بين المسلمين وهو اجماع منقول لا يعتمد عليه بعد وجود الخلاف في اصل التحريف ودلالة ما تقدم من الروايات على خلافه.

وربما استدل عليه بالتواتر ويوجد ذلك في كلام كثير منهم ادعوا تواتر الترتيب الموجود عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو عجيب وقد نقل في الاتقان بعد نقله ما رواه البخاري وغيره بعدة طرق عن انس انه قال ": مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجمع القرآن غير اربعة أبو الدرداء ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وابو زيد وفي رواية ": ابى بن كعب بدل ابى الدرداء عن المازرى انه قال ": وقد تمسك بقول انس هذا جماعة من الملاحدة ولا متمسك لهم فيه فأنا لا نسلم حمله على ظاهره سلمناولكن من اين لهم ان الواقع في نفس الامر كذلك؟ سلمناه لكن لا يلزم من كون كل من الجم الغفير لم يحفظه كله أن لا يكون حفظ مجموعة الجم الغفير وليس من شرط التواتر ان يحفظ كل فرد جميعه بل إذا حفظ الكل الكل ولو على التوزيع كفى انتهى.

اما دعواه ان ظاهر كلام انس غير مراد فهو مما لا يصغى إليه في الابحاث اللفظية المبنية على ظاهر اللفظ الا بقرينة من نفس كلام المتكلم أو ما ينوب منابه اما مجرد الدعوى والاستناد إلى قول آخرين فلا.

على انه لو حمل كلام انس على خلاف ظاهره كان من الواجب ان يحمل على ان هؤلاء الاربعة انما جمعوا في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) معظم القرآن واكثر سوره وآياته لا على

 

/ صفحة 130 /

انهم وغيرهم من الصحابة جمعوا جميع القرآن على ما في المصحف العثماني وحفظوا ترتيب سوره وآياته وضبطوا موضع كل واحدة واحدة منها عن آخرها فهذا زيد بن ثابت نفسه وهو احد الاربعة المذكورين في حديث انس والمتصدي للجمع الاول والثانى كليهما يصرح في رواياته انه لم يحفظ جميع الايات.

ونظيره ما في الاتقان عن ابن اشتة في المصاحف بسند صحيح عن محمد بن سيرين قال ": مات أبو بكر ولم يجمع القرآن وقتل عمر ولم يجمع القرآن.

واما قوله سلمناه ولكن من اين لهم ان الواقع في نفس الامر كذلك؟ فمقلوب على نفسه فمن اين لهذا القائل ان الواقع في نفس الامر كما يدعيه وقد عرفت الشواهد على خلاف ما يدعيه؟ واما قوله انه يكفى في تحقق التواتر ان يحفظ الكل كل القرآن على سبيل التوزيع فمغالطة واضحة لانه انما يفيد كون مجموع القرآن من حيث المجموع منقولا بالتواتر واما كون كل واحدة واحدة من الايات القرآنية محفوظة من حيث محلها وموضعها بالتواتر فلا وهو ظاهر ونقل في الاتقان عن البغوي انه قال في شرح السنة الصحابة جمعوا بين الدفتين القرآن الذى انزله الله على رسوله من غير ان زادوا أو نقصوا منه شيئا خوف ذهاب بعضه بذهاب حفظته فكتبوه كما سمعوا من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من غير أن قدموا شيئا أو أخروه أو وضعوا له ترتيبا لم يأخذوه من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يلقن اصحابه ويعلمهم ما نزل عليه من القرآن على الترتيب الذى هو الان في مصاحفنا بتوقيف جبريل اياه على ذلك واعلامه عند نزول كل آية ان هذه الاية تكتب عقب آية كذا في سورة كذا.

فثبت إن سعى الصحابة كان في جمعه في موضع واحد لا في ترتيبه فان القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب انزله الله جملة إلى السماء الدنيا ثم كان ينزله مفرقا عند الحاجة وترتيب النزول غير ترتيب التلاوة انتهى ونقل عن ابن الحصار انه قال ترتيب السور ووضع الايات مواضعها انما كان بالوحى كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول ضعوا آية كذا في موضع كذا وقد حصل اليقين

 

/ صفحة 131 /

من النقل المتواتر بهذا الترتيب من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وانما اجمع الصحابة على وضعه هكذا في المصحف انتهى: ونقل ايضا ما يقرب من ذلك عن جماعة غيرهم كالبيهقي والطيبى وابن حجر.

اما قولهم إن الصحابة انما كتبوا المصحف على الترتيب الذى اخذوه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من غير ان يخالفوه في شئ فمما لا يدل عليه شئ من الروايات المتقدمة وانما المسلم من دلالتها انهم انما اثبتوا ما قامت عليه البينة من متن الايات ولا اشارة في ذلك إلى كيفية ترتيب الايات النازلة مفرقة وهو ظاهر نعم في رواية ابن عباس المتقدمة عن عثمان ما يشير إلى ذلك غير ان الذى فيه انه كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يأمر بعض كتاب الوحى بذلك وهو غير اعلامه جميع الصحابة ذلك على إن الرواية معارضة بروايات الجمع الاول واخبار نزول بسم الله وغيرها.

واما قولهم ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لقن الصحابة هذا الترتيب الموجود في مصاحفنا بتوقيف من جبريل ووحى سماوي فكأنه اشارة إلى حديث عثمان بن ابى العاص المتقدم في آية ان الله يأمر بالعدل والاحسان وقد عرفت مما تقدم انه حديث واحد في خصوص موضع آية واحدة واين ذلك من مواضع جميع الايات المفرقة.

واما قولهم ان القرآن مكتوب على هذا الترتيب في اللوح المحفوظ انزله الله إلى السماء الدنيا ثم انزله الله مفرقا عند الحاجة الخ فاشارة إلى ما روى مستفيضا من طرق الشيعة واهل السنة من نزول القرآن جملة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ثم نزوله منها نجوما إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لكن الروايات ليس فيها ادنى دلالة على كون القرآن مكتوبا في اللوح المحفوظ منظما في السماء الدنيا على الترتيب الموجود في المصحف الذى عندنا وهو ظاهر.

على انه سيأتي ان شاء الله الكلام في معنى كتابة القرآن في اللوح المحفوظ ونزوله إلى السماء الدنيا في ذيل ما يناسب ذلك من الايات كأول سورتي الزخرف والدخان وسورة القدر.

واما قولهم انه قد حصل اليقين بالنقل المتواتر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا الترتيب الموجود في المصاحف فقد عرفت انه دعوى خالية عن الدليل وان هذا التواتر

 

/ صفحة 132 /

لا خبر عنه بالنسبة إلى كل آية آية كيف وقد تكاثرت الروايات ان ابن مسعود لم يكتب في مصحفه المعوذتين وكان يقول انهما ليستا من القرآن وإنما نزل بهما جبريل تعويذا للحسنين وكان يحكهما عن المصاحف ولم ينقل عنه انه رجع عن قوله فكيف خفى عليه هذا التواتر طول حياته بعد الجمع الاول.

الفصل - 7 يتعلق بالبحث السابق البحث في روايات الانساء وقد مرت اشارة اجمالية إليها وهى عدة روايات وردت من طرق اهل السنة في نسخ القرآن وانسائه حملوا عليها ما ورد من روايات التحريف سقوطا وتغييرا.

فمنها ما في الدر المنثورعن ابن ابى حاتم والحاكم في الكنى وابن عدى وابن عساكر عن ابن عباس قال ": كان مما ينزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الوحى بالليل وينسأه بالنهار فانزل الله: " ما ننسخ من آية أو ننسأها نأت بخير منها أو مثلها " وفيه عن ابى داود في ناسخه والبيهقي في الدلائل عن ابى امامة ": ان رهطا من الانصار من اصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اخبروه إن رجلا قام من جوف الليل يريد أن يفتتح سورة كان قد وعاها فلم يقدر منها على شئ الا بسم الله الرحمن الرحيم ووقع ذلك لناس من اصحابه فاصبحوا فسألوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن السورة فسكت ساعة لم يرجع إليهم شيئا ثم قال نسخت البارحة فنسخت من صدورهم ومن كل شئ كانت فيه.

اقول والقصة مروية بعدة طرق في الفاظ متقاربة مضمونا.

وفيه عن عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابى داود في ناسخه وابنه في المصاحف والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم والحاكم وصححه عن سعد بن ابى وقاص ": انه قرأ ما ننسخ من آية أو ننسأها " فقيل له إن سعيد بن المسيب يقرأ ننسها فقال سعد ان القرآن لم ينزل على المسيب ولا آل المسيب قال الله: " سنقرئك فلا تنسى " واذكر ربك إذا نسيت ".

اقول يريد بالتمسك بالايتين ان الله رفع النسيان عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيتعين ان يقرأ ننسأها من النسئ بمعنى الترك والتاخير فيكون المراد بقوله ما ننسخ من

 

/ صفحة 133 /

آية ازالة الاية عن العمل دون التلاوة كآية صدقة النجوى وبقوله أو ننسأها ترك الاية ورفعها من عندهم بالمرة وازالتها عن العمل والتلاوة كما روى تفسيرها بذلك عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم.

وفيه اخرج ابن الانباري عن ابى ظبيان قال ": قال لنا ابن عباس أي القراءتين تعدون اول؟ قلنا قراءة عبد الله وقراءتنا هي الاخيرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعرض عليه جبريل القرآن كل سنة مرة في شهر رمضان وانه عرضه عليه في آخر سنة مرتين فشهد منه عبد الله ما نسخ ما بدل.

اقول وهذا المعنى مروى بطرق اخرى عن ابن عباس وعبد الله بن مسعود نفسه وغيرهما من الصحابة والتابعين وهناك روايات أخر في الانساء.

ومحصل ما استفيد منها إن النسخ قد يكون في الحكم كالايات المنسوخة المثبتة في المصحف وقد يكون في التلاوة مع نسخ حكمها أو من غير نسخ حكمها وقد تقدم في تفسير قوله: " ما ننسخ من آية " البقرة: 106 وسيأتى في قوله: " وإذا بدلنا آية مكان آية " النحل: 101 ان الايتين اجنبيتان عن الانساء بمعنى نسخ التلاوة وتقدم ايضا في الفصول السابقة ان هذه الروايات مخالفة لصريح الكتاب فالوجه عطفها على روايات التحريف وطرح القبيلين جميعا

* * *

 ولقد ارسلنا من قبلك في شيع الاولين - 10 وما يأتيهم من رسول الا كانوا به يستهزؤن - 11 كذلك نسلكه في قلوب المجرمين - 12 لا يؤمنون به وقد خلت سنة الاولين - 13 ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون - 14 لقالوا إنما سكرت ابصارنا بل نحن قوم مسحورون - 15

 

/ صفحة 134 /

(بيان) لما ذكر استهزاءهم بكتابه ونبيه وما اقترحوا عليه من الاتيان بالملائكة آية للرسالة عقبه بثلاث طوائف من الايات وهى المصدرة بقوله: " ولقد ارسلنا من قبلك " الخ وقوله ولقد جعلنا في السماء بروجا الخ وقوله ولقد خلقنا الانسان من صلصال الخ.

فبين في اوليها ان هذا الاستهزاء دأب وسنة جارية للمجرمين وليسوا بمؤمنين ولو جاءتهم آية آية وفي الثانية أن هناك آيات سماوية وأرضية كافية لمن وفق للايمان وفي الثالثة أن الاختلاف بالايمان والكفر في نوع الانسان وضلال أهل الضلال مما تعين لهم يوم أبدع الله خلق الانسان فخلق آدم وجرى هنالك ما جرى من أمر الملائكة بالسجود وإباء ابليس عن ذلك.

 

قوله تعالى: " ولقد ارسلنا من قبلك في شيع الاولين " إلى آخر الايتين الشيع جمع شيعة وهى الفرقة المتفقة على سنة أو مذهب يتبعونه قال تعالى: " من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون " لروم: 32 وقوله ولقد ارسلنا أي رسلا وقد حذف للاستغناء عنه فان العناية بأصل تحقق الارسال من قبل من غير نظر إلى من ارسل بل بيان ان البشر الاولين كالاخرين جرت عادتهم على ان لا يحترموا الرسالة الالهية ويستهزؤا بمن أتى بها ويمضوا على إجرامهم لتكون في ذلك تعزية للنبى (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا يضيق صدره بما قابلوه به من الانكار والاستهزاء كما سيعود إليه في آخر السورة بقوله: " ولقد نعلم انك يضيق صدرك بما يقولون " الخ الاية: 97 من السورة.

والمعنى طب نفسا فنحن نزلنا الذكر عليك ونحن نحفظه ولا يضيقن صدرك بما يقولون فهو دأب المجرمين من الامم الانسانية أقسم لقد ارسلنا من قبلك في فرق الاولين وشيعهم وحالهم هذه الحال ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن قوله تعالى: " كذلك نسلكه في قلوب المجرمين " إلى آخر الايتين السلوك النفاذ والانفاذ يقال سلك الطريق أي نفذ فيه وسلك الخيط في الابرة أي أنفذه فيها

 

/ صفحة 135 /

وادخله وذكروا ان سلك واسلك بمعنى.

والضميران في نسلكه وبه للذكر المتقدم ذكره وهو القرآن الكريم والمعنى ان حال رسالتك ودعوتك بالذكر المنزل اليك تشبه حال الرسالة من قبلك فكما ارسلنا من قبلك فقابلوها بالرد والاستهزاء كذلك ندخل هذا الذكر وننفذه في قلوب هؤلاء المجرمين ونبأ به انهم لا يؤمنون بالذكر وقد مضت طريقة الاولين وسنتهم في انهم يستهزؤن بالحق ولا يتبعونه فالايتان قريبتا المعنى من قوله فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل.

وربما قيل ان الضميرين للشرك أو الاستهزاء المفهوم من الايات السابقة والباء في به للسببية والمعنى كذلك ننفذ الشرك أو الاستهزاء في قلوب المجرمين لا يؤمنون بسبب الشرك أو الاستهزاء وهو معنى بعيد والمتبادر إلى الذهن من لفظة لا يؤمنون به إن الباء للتعدية دون السببية.

وربما قيل ان الضمير الاول للاستهزاء المفهوم من سابق الكلام والثانى للذكر المذكور سابقا والمعنى مثل ما سلكنا الاستهزاء في قلوب شيع الاولين نسلك الاستهزاء وننفذه في قلوب هؤلاء المجرمين لا يؤمنون بالذكر الخ.

ولا بأس به وان كان يستلزم التفرقة بين الضميرين المتواليين لكن اباء قوله لا يؤمنون به أن يرجع ضميره إلى الاستهزاء يكفى قرينة لذلك.

وكذا لا يرد على الوجهين ما اورد ان رجوع ضمير نسلكه إلى الاستهزاء يوجب كون المشركين ملجئين إلى الشرك مجبرين عليه.

وجه عدم الورود انه تعالى علق السلوك على المجرمين فيكون مفاده انهم كانوا متلبسين بالاجرام قبل فعل السلوك بهم ثم فعل بهم ذلك فينطبق على الاضلال الالهى مجازاة ولا مانع منه وانما الممنوع هو الاضلال الابتدائي ولا دليل عليه في الاية بل الدليل على خلافه والاية من قبيل قوله تعالى: " يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا وما يضل به الا الفاسقين " البقرة: 26 وقد تقدم تفصيل القول فيه.

وقد ظهر مما تقدم ان المراد بسنة الاولين السنة التى سنها الاولون لا السنة التى

 

/ صفحة 136 /

سنها الله في الاولين فالسنة سنتهم دون سنة الله فيهم كما ذكره بعض المفسرين فهو الانسب لمقام ذمهم وتعزيته (صلى الله عليه وآله وسلم) بذكر ردهم واستهزائهم لرسلهم.

قوله تعالى ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا انما سكرت ابصارنا الخ العروج في السماء الصعود إليها والتسكير الغشاوة.

والمراد بفتح باب من السماء عليهم ايجاد طريق يتيسر لهم به الدخول في العالم العلوى الذى هو مأوى الملائكة وليس كما يظن سقفا جرمانيا له باب ذو مصراعين يفتح ويغلق وقد قال تعالى: " ففتحنا ابواب السماء بماء منهمر " القمر: 11.

وقد اختار سبحانه من بين الخوارق التى يظن انها ترفع عنهم الشبهة وتزيل عن نفوسهم الريب فتح باب من السماء وعروجهم فيه لانه كان يعظم في اعينهم اكثر من غيره ولذلك لما اقترحوا عليه امورا من الخوارق العظيمة ذكروا الرقى في السماء في آخر تلك الخوارق المذكورة على سبيل الترقي كما حكاه الله عنهم بقوله: " وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا " إلى ان قال " أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه " اسرى: 93 فالرقي في السماء والتصرف في امورها كتنزيل كتاب مقرو منها أي نفوذ البشر في العالم العلوى وتمكنه فيه ومنه اعجب الخوارق عندهم.

على ان السماء مأوى الملائكة الكرام ومحل صدور الاحكام والاوامر الالهية وفيها الواح التقادير ومنها مجارى الامور ومنبع الوحى واليها صعود كتب الاعمال فعروج الانسان فيها يوجب اطلاعه على مجارى الامور واسباب الخوارق وحقائق الوحى والنبوة والدعوة والسعادة والشقاوة وبالجملة يوجب اشرافه على كل حقيقة وخاصة إذا كان عروجا مستمرا لا مرة ودفعة كما يشير إليه قوله تعالى فظلوا فيه يعرجون حيث عبر بقوله ظلوا ولم يقل فعرجوا فيه.

فالفتح والعروج بهذا النعت يطلعهم على اصول هذه الدعوة الحقة واعراقها لكنهم لما في قلوبهم من الفساد وفي نفوسهم من قذارة الريبة والشبهة المستحكمة يخطؤن ابصارهم فيما يشاهدون بل يتهمون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انه سحرهم فهم مسحورون من قبله.

فالمعنى ولو فتحنا عليهم بابا من السماء ويسرنا لهم الدخول في عالمها فداموا

 

/ صفحة 137 /

يعرجون فيه عروجا بعد عروج حتى يتكرر لهم مشاهدة ما فيه من اسرار الغيب وملكوت الاشياء لقالوا انما غشيت ابصارنا فشاهدت امورا لا حقيقة لها بل نحن قوم مسحورون

* * *

 ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين - 16 وحفظناها من كل شيطان رجيم - 17 إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين - 18 والارض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شئ موزون - 19 وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين - 20 وان من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم - 21 وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما انتم له بخازنين - 22 وإنا لنحن نحيى ونميت ونحن الوارثون - 23 ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين - 24 وان ربك هو يحشرهم انه حكيم عليم - 25.

(بيان) لما ذكر سبحانه اعراضهم عن آية القرآن المعجزة واقتراحهم آية اخرى وهى الاتيان بالملائكة وأجاب عنه إنه ممتنع وملازم لفنائهم عدل إلى عد عدة من آيات السماء والارض الدالة على التوحيد ليعتبروا بها إن كانوا يعقلون وتتم الحجة بها على المجرمين وقد ضمن سبحانه فيها طرفا عاليا من المعارف الحقيقية والاسرار الالهية.

قوله تعالى: " ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين " إلى آخر الايات

 

/ صفحة 138 /

الثلاث البروج جمع برج وهو القصر سميت بها منازل الشمس والقمر من السماء بحسب الحس تشبيها لها بالقصور التى ينزلها الملوك.

والضمير في قوله وزيناها للسماء كما في قوله وحفظناها وتزيينها للناظرين هو ما نشاهده في جوها من البهجة والجمال الذى يوله الالباب بنجومها الزاهرة وكواكبها اللامعة على اختلاف اقدارها وتنوع لمعاتها وقد كرر سبحانه ذكر هذا التزيين الكاشف عن مزيد عنايته به كقوله: " وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا " حم السجدة: 12 وقوله: " إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد لا يسمعون إلى الملا الاعلى ويقذفون من كل جانب دحورا ولهم عذاب واصب إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب " الصافات: 10.

واستراق السمع اخذ الخبر المسموع في خفية كمن يصغى خفية إلى حديث قوم يسرونه فيما بينهم واستراق السمع من الشياطين هو محاولتهم ان يطلعوا على بعض ما يحدث به الملائكة فيما بينهم كما يدل عليه ما تقدم آنفا من آيات سورة الصافات.

والشهاب هو الشعلة الخارجة من النار ويطلق على ما يشاهد في الجو من اجرام مضيئة كأن الواحد منها كوكب ينقض دفعة من جانب إلى آخر فيسير سيرا سريعا ثم لا يلبث دون ان ينطفئ.

فظاهر معنى الايات ولقد جعلنا في السماء وهى جهة العلو بروجا وقصورا هي منازل الشمس والقمر وزيناها أي السماء للناظرين بزينة النجوم والكواكب وحفظناها أي السماء من كل شيطان رجيم أن ينفذ فيها فيطلع على ما تحتويه من الملكوت الا من استرق السمع من الشياطين بالاقتراب منه ليسمع ما يحدث به الملائكة من احاديث الغيب المتعلقة بمستقبل الحوادث وغيرها فانه يتبعه شهاب مبين.

وسنتكلم ان شاء الله في الشهب ومعنى رمى الشياطين فيما سيأتي من تفسير سورة الصافات.

قوله تعالى: " والارض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شئ موزون " مد الارض بسطها طولا وعرضا وبذلك صلحت للزرع والسكنى ولو اغشيت جبالا شاهقة مضرسة لفقدت كمال حياة الحيوان عليها.

 

/ صفحة 139 /

والرواسي صفة محذوفة الموصوف والتقدير والقينا فيها جبالا رواسي وهو جمع راسية بمعنى الثابتة اشارة إلى ما وقع في غير هذا الموضع انها تمنع الارض من الميدان كما قال: " وألقى في الارض رواسي أن تميد بكم " النحل: 15.

والموزون من الوزن وهو تقدير الاجسام من جهة ثقلها ثم عمم لكل تقدير لكل ما يمكن ان يتقدر بوجه كتقدير الطول بالشبر والذراع ونحو ذلك وتقدير الحجم وتقدير الحرارة والنور والقدرة وغيرها وفي كلامه تعالى: " ونضع الموازين القسط ليوم القيامة " الانبياء: 47 وهو توزين الاعمال ولا يتصف بثقل وخفة من نوع ما للاجسام الارضية منهما.

وربما يكنى به عن كون الشئ بحيث لا يزيد ولا ينقص عما يقتضيه الطبع أو الحكمة كما يقال كلامه موزون وقامته موزونه وافعاله موزونة أي مستحسنة متناسبة الاجزاء لا تزيد ولا تنقص مما يقتضيه الطبع أو الحكمة.

وبالنظر إلى اختلاف اعتباراته المذكورة ذكر بعضهم ان المراد به اخراج كل ما يوزن من المعدنيات كالذهب والفضة وسائر الفلزات وقال بعضهم انه انبات النباتات على ما لكل نوع منها من النظام البديع الموزون وقيل انه خلق كل امر مقدر معلوم.

والذى يجب التنبه له التعبير بقوله من كل شئ موزون دون أن يقال من كل نبات موزون فهو يشمل غير النبات مما يظهر وينمو في الارض كما انه يشمل النبات لمكان قوله وانبتنا دون أن يقال اخرجنا أو خلقنا وقد جئ بمن وظاهرها التبعيض فالمراد والله اعلم انبات كل امر موزون ذى ثقل مادى يمكن أن يزيد وينقص من الاجسام النباتية والارضية ولا مانع على هذا من اخذ الموزون بكل من معنييه الحقيقي والكنائي.

والمعنى والارض بسطناها وطرحنا فيها جبالا ثابتة لتسكنها من الميد وانبتنا فيها من كل شئ موزون ثقيل واقع تحت الجاذبة أو متناسب مقدارا تقتضيه الحكمة.

قوله تعالى: " وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين المعايش جمع

 

/ صفحة 140 /

معيشة وهى ما به يعيش الحيوان ويديم حياته من المأكول والمشروب وغيرهما وياتى مصدرا كالعيش والمعاش.

وقوله ومن لستم له برازقين معطوف على الضمير المجرور في لكم على ما ذهب إليه من النحاة الكوفيون ويونس والاخفش من جواز العطف على الضمير المجرور من غير اعادة الجار واما على قول غيرهم فربما يعطف على معايش والتقدير وجعلنا لكم من لستم له برازقين كالعبيد والحيوان الاهلى وربما جعل من مبتدأ محذوف الخبر والتقدير ومن لستم له برازقين جعلنا له فيها معايش وهذا كله تكلف ظاهر.

وكيف كان المراد بمن العبيد والدواب على ما قيل اتى بلفظة من وهى لاولى العقل تغليبا هذا وليس من البعيد ان يكون المراد به كل ما عدا الانسان من الحيوان والنبات وغيرهما فانها تسأل الرزق كما يسأله العقلاء ومن دأبة سبحانه في كلامه ان يطلق الالفاظ المختصة بالعقلاء على غيرهم إذا اضيف إليها شئ من الاثار المختصة بهم كقوله تعالى في الاصنام: " فاسألوهم إن كانوا ينطقون " الانبياء: 63 وقوله: " فانهم عدو لى " الشعراء: 77 إلى غير ذلك من الايات المتعرضة لحال الاصنام التى كانوا يعبدونها ولا يستقيم للمعبود الا أن يكون عاقلا وكذا قوله: " فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين " حم السجدة: 11 وغير ذلك.

والمعنى وجعلنا لكم معشر البشر في الارض اشياء تعيشون بها مما تدام به الحياة ولغيركم من ارباب الحياة مثل ذلك قوله تعالى: " وإن من شئ الا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم " الخزائن جمع خزانة وهى مكان خزن المال وحفظه وادخاره والقدر بفتحتين أو فتح فسكون مبلغ الشئ وكميته المتعينة.

ولما كانت الاية واقعة في سياق الكلام في الرزق الذى يعيش به الانسان والحيوان كان المراد بالشئ الموصوف في الاية النبات وما يتبعه من الحبوب والثمرات فالمراد بخزانته التى عند الله وهو ينزل بقدر معلوم المطر النازل من السماء الذى ينبت به النبات فيأتى بالحبوب والاثمار ويعيش بذلك الانسان والحيوان هذا ملخص ما ذكره جمع

 

/ صفحة 141 /

من المفسرين.

ولا يخفى عليك ما فيه من التكلف فتخصيص ما في قوله وان من شئ من العموم وحصره في النبات من تخصيص الاكثر من غير شك والمورد لا يخصص وأردى منه تسمية المطر خزائن النبات وليس الا سببا من اسبابه وجزء من اجزاء كثيرة يتكون النبات بتركبها الخاص على ان المطر انما تتكون حينما ينزل فكيف يسمى خزانة وليس بموجود ولا ان الذى هو خزانته موجود فيه.

وذكر بعض المفسرين ان المراد بكون خزائن كل شئ عند الله سبحانه شمول قدرته المطلقة له.

فله تعالى من كل نوع من انواع الاشياء كالانسان والفرس والنخلة وغير ذلك من الاعيان وصفاتها وآثارها وافعالها مقدورات في التقدير غير متناهية عددا لا يخرج منها دائما من التقدير والفرض إلى التحقق والفعلية إلا قدر معلوم وعدد معين محدود.

وعلى هذا فالمراد من كل شئ نوعه لا شخصه كالانسان مثلا لا كزيد وعمرو والمراد من القدر المعلوم الكمية المعينة من الافراد والمراد من وجود خزائنه ووجوده في خزائنه وجوده بحسب التقدير لا بحسب التحقق فيرجع إلى نوع من التشبيه والمجاز.

وانت خبير بأن فيه تخصيصا للشئ من غير مخصص وفيه قصر للقدر في العدد من غير دليل والقدر في اللغة قريب المعنى من الحد وهو المفهوم من سياق قوله تعالى: " قد جعل الله لكل شئ قدرا " الطلاق: 3 وقوله: " وكل شئ عنده بمقدار " الرعد 8 وقوله: " إنا كل شئ خلقناه بقدر " القمر: 49 وقوله: " وخلق كل شئ فقدره تقديرا " الفرقان: 2 إلى غير ذلك.

وفيه ارجاع الكلام إلى معنى مجازى استعارى من غير موجب مع ما فيه من ورود الخزائن بصيغة الجمع من غير نكتة ظاهرة.

وذكر بعض معاصري المفسرين وجها آخر وهو ان المراد بالخزائن العناصر المختلفة التى تتألف منها الارزاق وغيرها وقد اعد الله منها في عالمنا المشهود كمية عظيمة لا تنفد بعروض التركيب والاسباب الكلية التى تعمل في تركب المركبات كالضوء والحرارة والرياح الدائمة المنظمة وغيرها التى تتكون منها الاشياء مما يحتاج إليه الانسان

 

/ صفحة 142 /

في ادامة حياته وغيره.

فكل من هذه الاشياء مدخرة باجزائها والقوى الفعالة فيها في تلك الخزائن غير القابلة للنفاد من جهة عظمة مقداره ومن جهة ما يعود إليه من الاجزاء الجديدة بانحلال تركيب المركبات بموت أو فساد ورجوعها إلى عناصرها الاولية كالنبات يفسد والحيوان يموت فيعود عناصرها بانحلال التركيب إلى مقارها ويتسع بذلك المكان لكينونة نبات وحيوان آخر يخلفان سلفهما.

فالضوء وخاصة ضوء الشمس الذى يعمل الليل والنهار والفصول الاربعة ويربى النبات والحيوان وسائر المركبات ويسوقها إلى غاياتها ومقاصدها من خزائن الله تعالى والرياح التى تلقح النبات وتسوق السحب وتنقل الاهوية من مكان إلى مكان وتدفع فاسد الهواء وتجرى السفن خزانة اخرى والماء النازل من السماء الذى تحتاج إليه المركبات ذوات الحياة في كينونتها وبقائها خزانة اخرى وكذلك العناصر البسيطة التى تتركب منها المركبات كل منها خزانة تنزل من مجموعها أو من عدة منها الاشياء المركبة ولا ينزل قط الا عدد معلوم من كل نوع من غير ان تنفد به الخزائن.

وعلى هذا فمراد الاية بالشئ هو نوعه لا شخصه كما تقدم في الوجه الاول والمراد بخزائنه مجموع ما في الكون من اصوله وعناصره واسبابه العامة المادية ومجموع الشئ موجود في مجموع خزائنه لا في كل واحد منها والمراد بنزوله بقدر معلوم كينونة عدد محدود منه في كل حين من غير ان يستوفى عدد جميع ما في خزائنه.

وهذا وجه حسن في نفسه تؤيده الابحاث العلمية عن كينونة هذه الحوادث وتصدقه آيات كثيرة متفرقة في الكتاب العزيز كقوله في الاية التالية: " وأرسلنا الرياح لواقح وانزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه " وقوله: " وجعلنا من الماء كل شئ حى " الانبياء: 30 وقوله: " وسخر لكم الشمس والقمر دائبين " ابراهيم: 33 وقوله: " والسحاب المسخر بين السماء والارض " البقرة: 164 إلى غير ذلك من الايات.

لكن الاية وهى من آيات القدر كما يعطيه سياقها تأبى الحمل عليه كما تأبى عنه اخواتها وكيف يحمل عليه قوله: " وخلق كل شئ‌فقدره تقديرا "؟ الفرقان: 2 وقوله: " الذى خلق فسوى والذى قدر فهدى " الاعلى: 3 وقوله: " وكل شئ

 

/ صفحة 143 /

عنده بمقدار " الرعد: 8 وقوله: " الا امرأته قدرناها من الغابرين " النمل: 57 وقوله: " من أي شئ خلقه من نطفة خلقه فقدره " عبس: 19 وقوله: " إنا انزلناه في ليلة القدر " إلى آخر السورة إلى غير ذلك من الايات.

على انه يرد عليه بعض ما اورد على الوجهين السابقين كتخصيص عموم شئ من غير مخصص وغير ذلك.

والذى يعطيه التدبر في الاية وما يناظرها من الايات الكريمة إنها من غرر كلامه تعالى تبين ما هو ادق مسلكا وابعد غورا مما فسروها به وهو ظهور الاشياء بالقدر والاصل الذى لها قبل احاطته بها واشتماله عليها.

وذلك إن ظاهر قوله وان من شئ على ما به من العموم بسبب وقوعه في سياق النفى مع تأكيده بمن كل ما يصدق عليه انه شئ من دون ان يخرج منه الا ما يخرجه نفس السياق وهو ما تدل عليه لفظة نا وعند وخزائن وما عدا ذلك مما يرى ولا يرى مشمول للعام.

فشخص زيد مثلا وهو فرد انسانى من الشئ ونوع من الانسان ايضا الموجود في الخارج بأفراده من الشئ والاية تثبت لذلك خزائن عند الله سبحانه فلننظر ما معنى كون زيد مثلا له خزائن عند الله؟ والذى يسهل الامر فيه انه تعالى يعد هذا الشئ المذكور نازلا من عنده والنزول يستدعى علوا وسفلا ورفعة وخفضة وسماء وارضا مثلا ولم ينزل زيد المخلوق مثلا من مكان عال إلى آخر سافل بشهادة العيان فليس المراد بانزاله إلا خلقه لكنه ذو صفة يصدق عليه النزول بسببها ونظير الاية قوله تعالى: " وأنزل لكم من الانعام ثمانية ازواج " الزمر: 6 وقوله: " وانزلنا الحديد " الحديد: 25.

ثم قوله: " وما ننزله إلا بقدر معلوم " يقرن النزول وهو الخلقة بالقدر قرنا لازما غير جائز الانفكاك لمكان الحصر والباء اما للسببية أو الآلة أو المصاحبة والمال واحد فكينونة زيد وظهوره بالوجود انما هو بماله من القدر المعلوم فوجوده محدود لا محالة كيف؟ وهو تعالى يقول: " انه بكل شئ محيط " حم السجدة: 54 ولو لم يكن محدودا لم يكن محاطا له تعالى فمن المحال ان يحاط بما لا حد له ولا نهاية

 

/ صفحة 144 /

وهذا القدر هو الذى بسببه يتعين الشئ ويتميز من غيره ففى زيد مثلا شئ به يتميز من عمرو وغيره من افراد الانسان ويتميز من الفرس والبقر والارض والسماء ويجوز لنا به ان نقول ليس هو بعمرو ولا بالفرس والبقر والارض والسماء ولو لا هذا الحد لكان هو هي وارتفع التميز.

وكذلك ما عنده من القوى والاثار والاعمال محدودة مقدرة فليس ابصاره مثلا ابصارا مطلقا في كل حال وفي كل زمان وفي كل مكان ولكل شئ وبكل عضو مثلا بل ابصار في حال وزمان ومكان خاص ولشئ خاص وبعضو خاص وعلى شرائط خاصة ولو كان ابصارا مطلقا لاحاط بكل ابصار خاص وكان الجميع له ونظيره الكلام في سائر ما يعود إليه من خصائص وجوده وتوابعه فافهم ذلك.

ومن هنا يظهر إن القدر خصوصية وجود الشئ وكيفية خلقته كما يستفاد ايضا من قوله تعالى: " الذى خلق فسوى والذى قدر فهدى " الاعلى: 3 وقوله: " الذى اعطى كل شئ خلقه ثم هدى " طه: 50 فان الاية الاولى رتبت الهداية وهى الدلالة على مقاصد الوجود على خلق الشئ وتسويته وتقديره والاية الثانية رتبتها على اعطائه ما يختص به من الخلق ولازم ذلك على ما يعطيه سياق الايتين كون قدر الشئ خصوصية خلقه غير الخارجة عنه.

ثم انه تعالى وصف قدر كل شئ بأنه معلوم إذ قال: " وما ننزله الا بقدر معلوم " ويفيد بحسب سياق الكلام ان هذا القدر معلوم له حينما يتنزل الشئ ولما يتم نزوله ويظهر وجوده فهو معلوم القدر معينه قبل ايجاده واليه يؤل معنى قوله: " وكل شئ عنده بمقدار " الرعد: 8 فان ظاهر الاية إن كل شئ بما له من المقدار حاضر عنده معلوم له فقوله هناك عنده بمقدار في معنى قوله هاهنا بقدر معلوم ونظير ذلك قوله في موضع آخر: " قد جعل الله لكل شئ قدرا " الطلاق: 3 أي قدرا لا يتجاوزه معينا غير مبهم معلوما غير مجهول وبالجملة للقدر تقدم على الشئ بحسب العلم والمشية وان كان مقارنا له غير منفك عنه في وجوده.

ثم انه تعالى اثبت بقوله عندنا خزائنه وما ننزله الخ للشئ عنده قبل نزوله إلى هذه النشأة واستقراره فيها خزائن وجعل القدر متأخرا عنها ملازما

 

/ صفحة 145 /

لنزوله فالشئ وهو في هذه الخزائن غير مقدر بقدر ولا محدود بحد وهو مع ذلك هو وقد جمع في تعريف هذه الخزائن بين كونها فوق القدر الذى يلحق الشئ وبين كونها خزائن فوق الواحدة والاثنتين ومن المعلوم ان العدد لا يلحق الا الشئ المحدود وإن هذه الخزائن لو لم تكن محدودة متميزة بعضها من بعض كانت واحدة البتة.

ومن هنا يتبين ان هذه الخزائن بعضها فوق بعض وكل ما هو عال منها غير محدود بحد ما هو دان غير مقدر بقدره ومجموعها غير محدود بالحد الذى يلحق الشئ وهو في هذه النشأة ولا يبعد ان يكون التعبير بالتنزيل الدال على نوع من التدريج في قوله وما ننزله اشارة إلى كونه يطوى في نزوله مرحلة بعد مرحلة وكلما ورد مرحلة طرأه من القدر امر جديد لم يكن قبل حتى إذا وقع في الاخيرة احاط به القدر من كل جانب قال تعالى: " هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا " الدهر: 1 فقد كان الانسان ولكنه لم يكن شيئا مذكورا.

وهذه الخزائن جميعا فوق عالمنا المشهود لانه تعالى وصفها بأنها عنده وقد اخبرنا بقوله ما عندكم ينفد وما عند الله باق إن ما عنده ثابت لا يزول ولا يتغير عما هو عليه فهذه الخزائن كائنة ما كانت امور ثابتة غير زائلة ولا متغيرة والاشياء في هذه النشأة المادية المحسوسة متغيرة فانية لا ثابتة ولا باقية فهذه الخزائن الالهية فوق عالمنا المشهود.

هذا ما يعطيه التدبر في الاية الكريمة وهو وان كان لا يخلو من دقة وغموض يعضل على بادئ الفهم لكنك لو امعنت في التدبر وبذلت في ذلك بعض جهدك استنار لك ووجدته من واضحات كلامه ان شاء الله تعالى وعلى من لم يتيسر له قبوله ان يعتمد الوجه الثالث المتقدم فهو احسن الوجوه الثلاثة المتقدمة والله ولى الهداية وسنرجع إلى بحث القدر في كلام مستقل يختص به ان شاء الله في موضع يناسبه.

قوله تعالى: " وأرسلنا الرياح لواقح فانزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما انتم له بخازنين " اللواقح جمع لاقحة من اللقح بالفتح فالسكون يقال لقح النخل لقحا أي وضع اللقاح بفتح اللام وهو طلع الذكور من النخل على الاناث لتحمل بالتمر

 

/ صفحة 146 /

وقد ثبت بالابحاث الحديثة في علم النبات ان حكم الزوجية جار في عامة النبات وان فيه ذكورية وانوثية وان الرياح في مهبها تحمل الذرات من نطفة الذكور فتلقح بها الاناث وهو قوله تعالى وارسلنا الرياح لواقح.

وقوله: " وأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه " اشارة إلى المطر النازل من السحاب وقد تسلم الابحاث العلمية الحديثة ان الماء الموجود في الكرة الارضية من الامطار النازلة عليها من السماء على خلاف ما كانت تعتقده القدماء انه كرة ناقصة محيطة بكرة الارض احاطة ناقصة وهو عنصر من العناصر الاربعة.

وهذه الاية التى تثبت بشطرها الاول وارسلنا الرياح لواقح مسألة الزوجية واللقاح في النبات وبشطرها الثاني وأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه إن المياه الموجودة المدخرة في الارض تنتهى إلى الامطار وقوله تعالى السابق وانبتنا فيها من كل شئ موزون الظاهر في ان للوزن دخلا خاصا في الانبات والانماء من نقود العلم التى سبق إليها القرآن الكريم الابحاث العلمية وهى تتلو المعجزة أو هي هي.

 

قوله تعالى: " وانا لنحن نحيى ونميت ونحن الوارثون " الكلام مسوق للحصر يريد بيان رجوع كل التدبير إليه وقد كان ما عده من النعم كالسماء ببروجها والارض برواسيها وانبات كل شئ موزون وجعل المعايش وارسال اللواقح وانزال الماء من السماء انما يتم نظاما مبنيا على الحكمة والعلم إذا انضم إليه الحياة والموت والحشر وكان مما ربما يظن ان بعض الحياة والموت ليس إليه تعالى ولذا اكد الكلام وأتى بالحصر دفعا لذلك.

ثم جاء بقوله ونحن الوارثون أي الباقون بعد إماتتكم المتصرفون فيما خولناكموه من امتعة الحياة كأنه تعالى يقول الينا تدبير امركم ونحن محيطون بكم نحييكم بعد ما لم تكونوا فنحن قبلكم ونميتكم ونرثكم فنحن بعدكم.

قوله تعالى: " ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستاخرين " لما كانت الايات السابقة التى تعد النعم الالهية وتصف التدبير مسوقة لبيان وحدانيته تعالى في ربوبيته وكان لا ينفع الخلق والنظم من غير انضمام علمه تعالى وخاصة بمن يحييه ويميته

 

/ صفحة 147 /

عقبها بهذه الاية الدالة على علمه بمن استقدم منهم بالوجود ومن استأخر أي المتقدمين من الناس والمتاخرين على ما يفيده السياق.

وقيل المراد بالمستقدمين المستقدمون في الخير وقيل المستقدمون في صفوف الحرب وقيل المستقدمون إلى الصف الاول في صلاة الجماعة والمستأخرون خلافهم وهى اقوال ردية.

قوله تعالى: " وان ربك هو يحشرهم انه حكيم عليم " الكلام مسوق للحصر أي هو يحشرهم لا غير فهو الرب.

واورد عليه انه في مثل ذلك من الحصر يكون الفعل مسلم الثبوت والنزاع انما هو في الفاعل وههنا ليس كذلك فان الخصم لا يسلم الحشر من اصله هذا وقد ذهب على هذا المعترض ان الاية حولت الخطاب السابق للناس عنهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) التفاتا فقيل وان ربك هو يحشرهم ولم يقل ان ربكم هو يحشركم والنبى (صلى الله عليه وآله وسلم) مسلم للحشر.

وبذلك يظهر نكتة الالتفات في الاية في مورده تعالى من التكلم مع الغير إلى الغيبة وفي مورد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الغيبة إلى الخطاب وفي مورد الناس بالعكس.

وقد ختمت الاية بقوله انه حكيم عليم لان الحشر يتوقف على الحكمة المقتضية لحساب الاعمال ومجازاة المحسن باحسانه والمسئ باساءته وعلى العلم حتى لا يغادر منهم احد.

(بحث روائي) في تفسير القمى في قوله تعالى: " ولقد جعلنا في السماء بروجا " قال قال منازل الشمس والقمر وفيه في قوله تعالى: " إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين " قال قال لم يزل الشياطين تصعد إلى السماء - وتجس حتى ولد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي المعاني عن البرقى عن ابيه عن جده عن البزنطى عن ابان عن ابى عبد الله

 

/ صفحة 148 /

(عليه السلام) قال: كان ابليس يخترق السماوات السبع فلما ولد عيسى (عليه السلام) حجب عن ثلاث سماوات وكان يخترق اربع سماوات فلما ولد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حجب عن السبع كلها ورميت الشياطين بالنجوم الحديث.

وفي الدر المنثور اخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال قال جرير بن عبد الله: حدثنى يا رسول الله عن السماء الدنيا والارض السفلى قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) اما السماء الدنيا فان الله خلقها من دخان ثم رفعها وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا وزينها بمصابيح النجوم وجعلها رجوما للشياطين وحفظها من كل شيطان رجيم.

اقول وسياتى ان شاء الله ما يتبين به معنى هذه الاحاديث.

وفي تفسير القمى في قوله وجعلنا لكم فيها معايش قال لكل ضرب من الحيوان قدرنا شيئا مقدرا وفيه في رواية ابى الجارود عن ابى جعفر (عليه السلام) في قوله وانبتنا فيها من كل شئ موزون فان الله انبت في الجبال الذهب والفضة والجوهر والصفر والنحاس والحديد والرصاص والكحل والزرنيخ واشباه ذلك لا تباع الا وزنا.

اقول ينبغى ان يحمل على بيان بعض المصاديق على ما في متنه وسنده من الوهن.

وفي روضة الواعظين لابن الفارسى روى عن جعفر بن محمد عن ابيه عن جده (عليهم السلام) انه قال: في العرش تمثال جميع ما خلق الله في البر والبحر قال وهذا تأويل قوله وان من شئ الا عندنا خزائنه الحديث.

وفي المعاني باسناده عن مقاتل بن سليمان قال قال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام) لما صعد موسى (عليه السلام) الطور فنادى ربه عز وجل قال رب ارنى خزائنك قال يا موسى انما خزائني إذا اردت شيئا ان اقول له كن فيكون وفي الدر المنثور اخرج البزار وابن مردويه في العظمة عن ابى هريرة قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خزائن الله الكلام فإذا اراد شيئا قال له كن فكان.

اقول والروايات الثلاث الاخيرة تؤيد ما قدمناه في تقرير معنى الاية والمراد بقول كن كلمة الايجاد الذى هو وجود الاشياء وهو مما يؤيد عموم الشئ في الاية وكذا كان يفهمه الصحابة واهل عصر النزول كما يؤيده ما رواه في الدر المنثورعن ابن ابى

 

/ صفحة 149 /

 

حاتم عن معاوية انه قال ": ألستم تعلمون ان كتاب الله حق؟ قالوا بلى قال فاقرؤا هذه الاية: " وان من شئ الا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم " ألستم تؤمنون بهذا وتعلمون انه حق؟ قالوا بلى قال فكيف تلومونني بعد هذا؟ فقام الاحنف وقال يا معاوية والله ما نلومك على ما في خزائن الله ولكن انما نلومك على ما انزله الله من خزائنه - فجعلته انت في خزائنك واغلقت عليه بابك فسكت معاوية وفيه اخرج ابن مردويه والحاكم عن مروان بن الحكم قال ": كان اناس يستأخرون في الصفوف من اجل النساء فأنزل الله: " ولقد علمنا المستقدمين منكم " الاية اقول وروى فيه ايضا عن عدة عن ابى الجوزاء عن ابن عباس قال ": كانت امرأة تصلى خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حسناء من احسن الناس فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الاول لئلا يراها ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر فإذا ركع نظر من تحت ابطيه فانزل الله ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين.

والاية لا تنطبق على ما في هاتين الروايتين لا من جهة اللفظ ولا من جهة السياق الذى وقعت هي فيه وهو ظاهر.

وفيه اخرج ابن ابى حاتم من طريق معتمر بن سليمان عن شعيب بن عبد الملك عن مقاتل بن سليمان ": في قوله ولقد علمنا المستقدمين منكم الاية قال بلغنا انه في القتال قال معتمر فحدثت ابى فقال لقد نزلت هذه الاية قبل ان يفرض القتال.

اقول يعنى انها مكية.

وفي تفسير العياشي عن جابر عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين قال هم المؤمنون من هذه الامة وفي تفسير البرهان عن الشيباني في نهج البيان عن الصادق جعفر بن محمد: أن المستقدمين اصحاب الحسنات والمستأخرين اصحاب السيئات

* * *

 ولقد خلقنا الانسان من صلصال من حمأ مسنون - 26

 

/ صفحة 150 /

والجان خلقناه من قبل من نار السموم - 27 واذ قال ربك للملائكة انى خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون - 28 فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين - 29 فسجد الملائكة كلهم اجمعون - 30 إلا ابليس أبى أن يكون مع الساجدين - 31 قال يا ابليس ما لك أن لا تكون مع الساجدين - 32 قال لم أكن لاسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون - 33 قال فاخرج منها فانك رجيم - 34 وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين - 35 قال رب فانظرني إلى يوم يبعثون - 36 قال فانك من المنظرين - 37 إلى يوم الوقت المعلوم - 38 قال رب بما أغويتني لازينن لهم في الارض ولاغوينهم اجمعين - 39 إلا عبادك منهم المخلصين - 40 قال هذا صراط علي مستقيم - 41 إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين - 42 وإن جهنم لموعدهم اجمعين - 43 لها سبعة ابواب لكل باب منهم جزء مقسوم - 44 إن المتقين في جنات وعيون - 45 ادخلوها بسلام آمنين - 46 ونزعنا ما في صدورهم من غل اخوانا على سرر متقابلين - 47 لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين - 48