(195)

 

صيانة القرآن من التحريف

  

===============

(196)

وقوع التحريف المعنوي في القرآن باتفاق المسلمين.
التحريف الذي لم يقع في القرآن بلا خلاف.
 التحريف الذي وقع فيه الخلاف.
تصريحات أعلام الامامية بعدم التحريف كجزء من معتقداتهم.
 نسخ التلاوة مذهب مشهور بين علماء أهل السنة.
 كلمات مشاهير الصحابة في وقوع التحريف.
 القول بنسخ التلاوة هو نفس القول بالتحريف.
 الادلة الخمسة على نفي التحريف. شبهات القائلين بالتحريف.

 

===============

(197)

يحسن بنا ـ قبل الخوض في صميم الموضوع ـ أن نقدم أمام البحث امورا، لها صلة بالمقصود، لا يستغنى عنها في تحقيق الحال وتوضيحها.

1 ـ معنى التحريف: يطلق لفظ التحريف ويراد منه عدة معان على سبيل الاشتراك، فبعض منها واقع في القرآن باتفاق من المسلمين، وبعض منها لم يقع فيه باتفاق منهم أيضا، وبعض منها وقع الخلاف بينهم. واليك تفصيل ذلك (1):

الاول: " نقل الشئ عن موضعه وتحويله إلى غيره " ومنه قوله تعالى: " من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه 4: 46 ". ولا خلاف بين المسلمين في وقوع مثل هذا التحريف في كتاب الله فإن كل من فسر القرآن بغير حقيقته، وحمله على غير معناه فقد حرفه. وترى كثيرا من أهل البدع، والمذاهب الفاسدة قد حرفوا القرآن بأويلهم آياته على آرائهم وأهوائهم. وقد ورد المنع عن التحريف بهذا المعنى، وذم فاعله في عدة من الروايات.

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر التعليقة رقم (6) تقديم دار التقريب لهذا البحث في قسم التعليقات. (*)

 

===============

(198)

منها: رواية الكافي بإسناده عن الباقر (عليه السلام) أنه كتب في رسالته إلى سعد الخير: " وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرفوا حدوده، فهم يروونه ولا يرعونه، والجهال يعجبهم حفظهم للرواية، والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية... " (1).

الثاني " النقص أو الزيادة في الحروف أو في الحركات، مع حفظ القرآن وعدم ضياعه، وإن لم يكن متميزا في الخارج عن غيره ". والتحريف بهذا المعنى واقع في القرآن قطعا، فقد أثبتنا لك فيما تقدم عدم تواتر القراءات، ومعنى هذا أن القرآن المنزل إنما هو مطابق لاحدى القراءات، وأما غيرها فهو إما زيادة في القرآن وإما نقيصة فيه.

 الثالث: " النقص أو الزيادة بكلمة أو كلمتين، مع التحفظ على نفس القرآن المنزل ". والتحريك بهذا المعنى قد وقع في صدر الاسلام، وفي زمان الصحابة قطعا، ويدلنا على ذلك إجماع المسلمين على أن عثمان أحرق جملة من المصاحف وأمر ولاته بحرق كل مصحف غير ما جمعه، وهذا يدل على أن هذه المصاحف كانت مخالفة لما جمعه، وإلا لم يكن هناك سبب موجب لاحراقها، وقد ضبط جماعة من العلماء موارد الاختلاف بين المصاحف، منهم عبد الله ابن أبي دود السجستاني، وقد سمى كتابه هذا بكتاب المصاحف. وعلى ذلك فالتحريف واقع لا محالة إما من عثمان أو من كتاب تلك المصاحف، ولكنا سنبين بعد هذا إن شاء الله تعالى أن ما جمعه عثمان كان هو القرآن المعروف بين المسلمين، الذى تداولوه على النبي

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) الوافي آخر كتاب الصلاة ص 274.

 

===============

(199)

(صلى الله عليه وآله)  يدا بيد. فالتحريك بالزيادة والنقيصة إنما وقع في تلك المصاحف التي انقطعت بعد عهد عثمان، وأما القرآن الموجود فليس فيه زيادة ولا نقيصة.

 وجملة القول: إن من يقول بعدم تواتر تلك المصاحف ـ كما هو الصحيح ـ فالتحريف بهذا المعنى وإن كان قد وقع عنده في الصدر الاول إلا أنه قد انقطع في زمان عثمان، وانحصر المصحف بما ثبت تواتره عن النبي (صلى الله عليه وآله)  وأما القائل بتواتر المصاحف بأجمعها، فلا بد له من الالترام بوقوع التحريف بالمعنى المتنازع فيه في القرآن المنزل، وبضياع شئ منه. وقد مر عليك تصريح الطبري، وجماعة آخرين بإلغاء عثمان للحروف الستة التي نزل بها القرآن، واقتصاره على حرف واحد (1).

الرابع: " التحريف بالزيادة والنقيصة في الاية والسورة مع التحفظ على القرآن المنزل، والتسالم على قراءة النبي (صلى الله عليه وآله)  إياها ". والتحريف بهذا المعنى أيضا واقع في القرآن قطعا. فالبسملة ـ مثلا ـ مما تسالم المسلمون على أن النبي (صلى الله عليه وآله)  قرأها قبل كل سورة غير سورة التوبة وقد وقع الخلاف في كونها من القرآن بين علماء السنة، فاختار جمع منهم أنها ليست من القرآن، بل ذهبت المالكية إلى كراهة الاتيان بها قبل قراءة الفاتحة في الصلاة المفروضة، إلا إذا نوى به المصلي الخروج من الخلاف، وذهب جماعة اخرى إلى أن البسملة من القرآن. وأما الشيعة فهم متسالمون على جزئية البسملة من كل سورة غير سورة التوبة، واختار هذا القول جماعة من علماء السنة أيضا ـ وستعرف تفصيل ذلك عند تفسيرنا سورة الفاتحة ـ وإذن فالقرآن المنزل من السماء قد وقع فيه التحريف يقينا، بالزيادة أو بالنقيصة.

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) في موضع نزول القرآن على سبعة أحرف ص 196 من هذا الكتاب. (*)

 

===============

(200)

الخامس: " التحريف بالزيادة بمعنى أن بعض المصحف الذي بأيدينا ليس من الكلام المنزل ". والتحريف بهذا المعنى باطل بإجماع المسلمين، بل هو مما علم بطلانه بالضرورة. السادس: " التحريف بالنقيصة، بمعنى أن المصحف الذي بأيدينا لا يشتمل على جميع القرآن الذي نزل من السماء، فقد ضاع بعضه على الناس ". والتحريف بهذا المعنى هو الذي وقع فيه الخلاف فأثبته قوم ونفاه آخرون.

2 ـ رأي المسلمين في التحريف: المعروف بين المسلمين عدم وقوع التحريف في القرآن، وأن الموجود بأيدينا هو جميع القرآن المنزل على النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله) ، وقد صرح بذكل كثير من الاعلام. منهم رئيس المحدثين الصدوق محمد بن بابويه، وقد عد القول بعدم التحريف من معتقدات الامامية. ومنه شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، وصرح بذلك في أول تفسيره " التبيان " ونقل القول بذلك أيضا عن شيخه علم الهدى السيد المرتضى، واستدلاله على ذلك بأتم دليل. ومنهم المفسر الشهير الطبرسي في مقدمة تفسيره " مجمع البيان "، ومنهم شيخ الفقهاء الشيخ جعفر في بحث القرآن من كتابه " كشف الغطاء " وادعى الاجماع على ذلك ومنهم العلامة الجليل الشهشهاني في بحث القرآن من كتابه " العروة الوثقى " ونسب القول بعدم التحريف إلى جمهور المجتهدين. ومنه المحدث الشهير المولى محسن القاساني في كتابيه (1). ومنهم بطل العلم المجاهد الشيخ محمد جواد البلاغي في مقدمة تفسيره " آلاء الرحمن ".

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) الوافي ج 5 ص 274، وعلم اليقين ص 130. (*)

 

===============

(201)

وقد نسب جماعة القول بعدم التحريف إلى كثير من الاعاظم. منهم شيخ المشايخ المفيد، والمتبحر الجامع الشيخ البهائي، والمحقق القاضي نور الله، وأضرابهم. وممن يظهر منه القول بعدم التحريف: كل من كتب في الامامة من علماء الشيعة وذكر فيه المثالب، ولم يتعرض للتحريف، فلو كان هؤلاء قائلين بالتحريف لكان ذلك أولى بالذكر من إحراق المصحف وغيره. وجملة القول: أن المشهور بين علماء الشيعة ومحققيهم، بل المتسالم عليه بينهم هو القول بعدم التحريف. نعم ذهب جماعة من المحدثين من الشيعة، وجمع من علماء أهل السنة إلى وقوع التحريف. قال الرافعي: فذهب جماعة من أهل الكلام ممن لا صناعة لهم إلا الظن والتأويل، واستخراج الاساليب الجدلية من كل حكم وكل قول إلى جواز أن يكون قد سقط عنهم من القرآن شئ، حملا على ما وصفوا من كيفية جمعه (1) وقد نسب الطبرسي في " مجمع البيان " هذا القول إلى الحشوية من العامة. أقول: سيظهر لك ـ بعيد هذا ـ أن القول بنسخ التلاوة هو بعينه القول بالتحريف، وعليه فاشتهار القول بوقوع النسخ في التلاوة ـ عند علماء أهل السنة ـ يستلزم اشتهار القول بالتحريف.

3 ـ نسخ التلاوة: ذكر أكثر علماء أهل السنة: أن بعض القرآن قد نسخت تلاوته، وحملوا على ذلك ما ورد في الروايات أنه كان قرآنا على عهد رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) فيحسن بنا أن نذكر جملة من هذه الروايات، ليتبين أن الالتزام بصحة هذه الروايات التزام بوقوع التحريف في القرآن:

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) إعجاز القرآن ص 41. (*)

 

===============

(202)

1 ـ روى ابن عباس أن عمر قال فيما قال، وهو على المنبر: " إن الله بعث محمدا (صلى الله عليه وآله)  بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها، وعقلناها، ووعيناها. فلذا رجم رسول الله (صلى الله عليه وآله)  ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال... ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ، من كتاب الله: أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، أو: إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم... " (1).

وذكر السيوطي: أخرج ابن اشته في المصاحف عن الليث بن سعد. قال: " أول من جمع القرآن أبو بكر، وكتبه زيد... وإن عمر أتى بآية الرجم فلم يكتبها، لانه كان وحده " (2).

أقول: وآية الرجم التي ادعى عمر أنها من القرآن، ولم تقبل منه رويت بوجوه: منها: " إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة، نكالا من الله، والله عزيز حكيم " ومنها: " الشيخ والشيخة فارجموهما البتة، بما قضيا من اللذة " ومنها، " إن الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة " وكيف كان فليس في القرآن الموجود ما يستفاد منه حكم الرجم. فلو صحت الرواية فقد سقطت آية من القرآن لا محالة.

2 ـ وأخرج الطبراني بسند موثق عن عمر بن الخطاب مرفوعا: " القرآن ألف ألف وسبعة وعشرون ألف حرف " (3) بينما القرآن الذي

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري ج 8 ص 26 وصحيح مسلم ج 5 ص 116 بلا زيادة ثم إنا.

(2) الاتقان ج 1 ص 101 (3) الاتقان ج 1 ص 121. (*)

 

===============

(203)

بين أيدينا لا يبلغ ثلث هذا المقدار، وعليه فقد سقط من القرآن أكثر من ثلثيه.

3 ـ وروى ابن عباس عن عمر أنه قال: " إن الله عز وجل بعث محمدا بالحق، وأنزل معه الكتاب، فكان مما أنزل اليه آية الرجم، فرجم رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) ورجمنا بعده، ثم قال: كنا نقرأ: " ولا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم "، أو: " إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم " (1).

4 ـ وروى نافع أن ابن عمر قال: " ليقولن أحدكم قد أخذت القرآن كله وما يدريه ما كله؟ قد ذهب منه قرآن كثير، ولكن ليقل قد أخذت منه ما ظهر " (2).

5 ـ وروى عروة بن الزبير عن عائشة قالت: " كانت سورة الاحزاب تقرأ في زمن النبي (صلى الله عليه واله وسلم) مئتي آية، فلما كتب عثمان المصاحف لم نقدر منها إلا ما هو الان " (3).

6 ـ وروت حميدة بنت أبي يونس. قالت: " قرأ علي أبي ـ وهو ابن ثمانين سنة ـ في مصحف عائشة: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما، وعلى الذين يصلون الصفوف الاول. قالت: قبل أن يغير عثمان المصاحف " (4).

7 ـ وروى أو حرب ابن أبي الاسود عن أبيه. قال:

 

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) مسند أحمد ج 1 ص 47.

(2) الاتقان ج 2 ص 40 ـ 41 (3) نفس المصدر ج 2 ص 40 ـ 41 (4) الاتقان ج 2 ص 40 ـ 41.

 

===============

(204)

" بعث أبو موسى الاشعري إلا قراء أهل البصرة، فدخل عليه ثلاثمائة رجل. قد قرأوا القرآن. فقال: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم، فاتلوه ولا يطولن عليكم الامد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب العرب من كان قبلكم، وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فانسيتها، غير أني قد حفظت منها: لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا ولا يملا جوف ابن آدم إلا التراب. وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات فانسيتها، غير أني حفظت منها: يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، فتكتب شهادة في أعناقكم، فتسألون عنها يوم القيامة " (1).

8 ـ وروى زر. قال: قال أبي بن كعب يا زر: " كأين تقرأ سورة الاحزاب قلت: ثلاث وسبعين آية. قال: إن كانت لتضاهي سورة البقرة، أو هي أطول من سورة البقرة... " (2).

9 ـ وروى ابن أبي داود وابن الانباري عن ابن شهاب. قال: " بلغنا أنه كان أنزل قرآن كثير، فقتل علماؤه يوم اليمامة، الذين كانوا قد وعوه، ولم يعلم بعدهم ولم يكتب... " (3)

10 ـ وروى عمرة عن عائشة أنها قالت: " كان فيما انزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحر من ثم نسخن ب: خمس معلومات، فتوفي رسول الله (صلى الله عليه وآله)  وهو فيما يقرأ من القرآن " (4).

11 ـ وروى المسور بن مخرمة. قال:

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح مسلم ج 3 ص 100.

(2) منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 2 ص 43.

(3) منتخب كنزالعمال بهامش مسند أحمد ج 2 ص 50.

(4) صحيح مسلم ج 4 ص 167. (*)

 

===============

(205)

" قال عمر لعبد الرحمن بن عوف: ألم تجد فيما انزل علينا. أن جاهدوا كما جاهدتم أول مرة. فإنا لا تجدها. قال: اسقطت فيما اسقط من القرآن " (1).

12 ـ وروى أبو سفيان الكلاعي: أن مسلمة بن مخلد الانصاري قال لهم ذات يوم: " أخبروني بآيتين في القرآن لم يكتبا في المصحف، فلم يخبروه، وعندهم أبو الكنود سعد بن مالك، فقال ابن مسلمة، إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ألا أبشروا أنتم المفلحون. والذين آووهم ونصروهم وجادلوا عنهم القوم الذين غضب الله عليهم أولئك لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون " (2).

وقد نقل بطرق عديدة عن ثبوت سورتي الخقع والحفد في مصحف ابن عباس وأبي بن كعب " اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك بالكافرين ملحق ". وغير ذلك مما لا يهمنا استقصاؤه (3).

وغير خفي أن القول بنسخ التلاوة بعينه القول بالتحريف والاسقاط. وبيان ذلك: أن نسخ التلاوة هذا إما أن يكون قد وقع من رسول الله (صلى الله عليه وآله)  وإما أن يكون ممن تصدى للزعامة من بعده، فإن أراد القائلون

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) الاتقان ج ص 42.

(2) نفس المصدر السابق.

(3) الاتقان ج 1 ص 122 ـ 213. (*)

 

===============

(206)

بالنسخ وقوعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله)  فهو أمر يحتاج إلى الاثبات. وقد اتفق العلماء أجمع على عدم جواز نسخ الكتاب بخبر الواحد، وقد صرح بذلك جماعة في كتب الاصول وغيرها (1) بل قطع الشافعي وأكثر أصحباه، وأكثر أهل الظاهر بامتناع نسخ الكتاب بالسنة المتواترة، وإليه ذهب أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، بل إن جماعة ممن قال بإمكان نسخ الكتاب بالسنة المتواترة منع وقوعه (2) وعلى ذلك فكيف تصح نسبة النسخ إلى النبي (صلى الله عليه وآله)  بأخبار هؤلاء الرواة؟ مع أن نسبة النسخ إلى النبي (صلى الله عليه وآله)  تنافي جملة من الروايات التي تضمنت أن الاسقاط قد وقع بعده. وإن أرادوا أن النسخ قد وقع من الذين تصدوا للزعامة بعد النبي (صلى الله عليه وآله)  فهو عين القول بالتحريف. وعلى ذلك فيمكن أن يدعى أن القول بالتحريف هو مذهب أكثر علماء أهل السنة، لانهم يقولون بجواز نسخ التلاوة. سواء أنسخ الحكم أم لم ينسخ، بل تردد الاصوليون منهم في جواز تلاوة الجنب ما نسخت تلاوته، وفي جواز أن يمسه المحدث. واختار بعضهم عدم الجواز. نعم ذهبت طائفة من المعتزلة إلى عدم جواز نسخ التلاوة (3).

ومن العجيب أن جماعة من علماء أهل السنة أنكروا نسبة القول بالتحريف إلى أحد من علمائهم حتى أن الالوسي كذب الطبرسي في نسبة القول بالتحريف إلى الحشوية، وقال: " إن أحدا من علماء أهل السنة لم يذهب إلى ذلك "، واعجب من ذلك أنه ذكر أن قول البرسي بعدم التحريك نشأ من ظهور فساد قول أصحابه بالتحريف، فالتجأ هو إلى إنكاره (4) مع انك ققد عرفت أن القول بعدم التحريك هو المشهور. بل المتسالم عليه بين علماء الشيعة ومحققيهم، حتى

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) الموافقات لابي اسحاق الشاطبي ج 3 ص 106 طبعة المطبعة الرحمانية بمصر.

(2) الاحكام في اصول الاحكام للامدي ج 3 ص 217.

(3) نفس المصدر ج 3 ص 201 ـ 203.

(4) روح المعاني ج 1 ص 24.

 

===============

(207)

أن الطبرسي قد نقل كلام المرتضى بطوله، واستدلاله على بطلان القول بالتحريف بأتم بيان وأقوى حجة (1).

التحريف والكتاب: والحق. بعد هذا كله ان التحريف " بالمعنى الذي وقع النزاع فيه " غير واقع في القرآن أضلا بالادلة التالية: الدليل الاول ـ قوله تعالى: " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون 15: 9 ". فإن في هذه الاية دلالة على حفظ القرآن من التحريف، وأن الايدي الجائرة لن تتمكن من التلاعب فيه. والقائلون بالتحريف قد أولوا هذه الاية الشريفة، وذكروا في تأويلها وجوها: الاول: " أن الذكر هو الرسول " فقد ورد استعمال الذكر فيه في قوله تعالى: " قد أنزل الله إليكم ذكرا 65: 10. رسولا يتلوا عليكم آيات الله: 11 ". وهذا الوجه بين الفساد: لان المراد بالذكر هو القرآن في كلتا الايتين بقرينة التعبير " بالتنزيل والانزال " ولو كان المراد هو الرسول لكان المناسب أن يأتي

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) مجمع البيان ج 1 مقدمة الكتاب ص 15. (*)

 

===============

(208)

بلفظ " الارسال " أو بما يقاربه في المعنى، على ان هذا الاحتمال إذ تم في الاية التانية فلا يتم في آية الحفظ، فإنها مسبوقة بقوله تعالى: " وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون 15: 6 ". ولا شبهة في أن المراد بالذكر في هذه الاية هو القرآن، فتكون قرينة على أن المراد من الذكر في آية الحفظ هو القرآن أيضا. الثاني: " أن يراد من حفظ القرآن صيانته عن القدح فيه، وعن إبطال ما يتضمنه من المعاني العالية، والتعاليم الجليلة ". وهذا الاحتمال أبين فساد من الاول: لان صيانته عن القدح إن أريد بها حفظه من قدح الكفار والمعاندين فلا ريب في بطلان ذلك، لان قدح هؤلاء في القرآن فوق حد الاحصاء. وان أريد أن القرآن رصين المعاني، قوي الاستدلال مستقيم الطريقة، وأنه لهذه الجهات ونحوها أرفع مقاما من أن يصل اليه قدح القادحين، وريب المرتابين فهو صحيح ولكن هذه ليس من الحفظ بعد التنزيل كما تقوله الاية، لان القرآن بما له من الميزات حافظ لنفسه، وليس محتاجا إلى حافظ آخر، وهو غير مفاد الاية الكريمة، لانها تضمنت حفظه بعد التنزيل. الثالث: " أن الاية دلت على حفظ القرآن في الجملة، ولم تدل على حفظ كل فرد من أفراد القرآن، فإن هذا غير مراد من الاية بالضرورة وإذا كان المراد حفظه في الجملة، كفى في ذلك حفظه عند الامام الغائب (عليه السلام) ". وهذا الاحتمال أوهن الاحتمالات: لان حفظ القرآن يجب أن يكون عند من انزل اليهم وهم عامة البشر، أما حفظه عند الامام (عليه السلام) فهو نظير حفظه في

 

===============

(209)

اللوح المحفوظ، أو عند ملك من الملائكة، وهو معنى تافه يشبه قول القائل: إني أرسلت اليك بهدية وأنا حافظ لها عندي، أو عند بعض خاصتي. ومن الغريب قول هذا القائل إن المراد في الاية حفظ القرآن في الجملة، لا حفظ كل فرد من أفراده، فكأنه توهم أن المراد بالذكر هو القران المكتوب، أو الملفوظ لتكون له أفراد كثيرة، ومن الواضح أن المراد ليس ذلك، لان القرآن المكتوب أو الملفوظ لا دوام له خارجا، فلا يمكن أن يراد من آية الحفظ وإنما المراد بالذكر هو المحكي بهذا القرآن الملفوظ أو المكتوب، وهو المنزل على رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) والمراد بحفظه صيانته عن التلاعب، وعن الضياع، فيمكن للبشر عامة أن يصلوا اليه، وهو نظير قولنا القصيدة الفلانية محفوظة، فإنا نريد من حفظها صيانتها، وعدم ضياعها بحيث يمكن الحصول عليها. نعم هنا شبهة اخرى ترد على الاستدلال بالاية الكريمة على عدم التحريف. وحاصل هذه الشبهة أن مدعي التحريف في القرآن يحتمل وجود التحريف في هذه الاية نفسها، لانها بعض آيات القرآن، فلا يكون الاستدلال بها صحيحا حتى يثبت عدم التحريف، فلو أردنا أن نثبت عدم التحريف بها كان ذلك من الدور الباطل. وهذه شبهة تدل على عزل العترة الطاهرة عن الخلافة الالهية، ولم يعتمد على أقوالهم وأفعالهم، فإنه لا يسعه دفع هذه الشبهة، وأما من يرى أنهم حجج الله على خلقه، وأنهم قرناء الكتاب في وجوب التمسك فلا ترد عليه هذه الشبهة، لان استدلال العترة بالكتاب، وتقرير أصحابهم عليه يكشف عن حجية الكتاب الموجود، وإن قيل بتحريفه، غاية الامر أن حجية الكتاب على القول بالتحريف تكون متوقفة على إمضائهم.

(البيان ـ 14)

 

===============

(210)

الدليل الثاني قوله تعالى: " وإنه لكتاب عزيز 41: 41. لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد: 42 ". فقد دلت هذه الاية الكريمة على نفي الباطل بجميع أقسامه عن الكتاب فإن النفي إذا ورد على الطبيعة أفاد العموم، ولا شبهة في أن التحريف من أفراد الباطل، فيجب أن لا يتطرق إلى الكتاب العزيز. وقد أجيب عن هذا الدليل: بأن المراد من الاية صيانة الكتاب من التناقض في أحكامه، ونفي الكذب عن أخباره، واستشهد لذلك برواية علي بن إبراهيم القمي، في تفسيره عن الامام الباقر (عليه السلام) قال: " لا يأتيه الباطل من قبل التوراة، ولا من قبل الانجيل، والزبور، ولا من خلفه أي لا يأتيه من بعده كتاب يبطله " ورواية مجمع البيان عن الصادقين (عليهم السلام) أنه: " ليس في اخباره عما مضى باطل، ولا في اخباره عما يكون في المستقبل باطل ". ويرد هذا

 الجواب: أن الرواية لا تدل على حصر الباطل في ذلك، لتكون منافية لدلالة الاية على العموم، وخصوصا إذا لا حظنا الروايات التي دلت على أن معاني القرآن لا تختص بموارد خاصة، وقد تقدم بعض هذه الروايات في مبحث " فضل القرآن " فالاية دالة على تنزيه القرآن في جميع الاعصار عن الباطل بجميع أقسامه، والتحريف من أظهر أفراد الباطل فيجب أن يكون مصونا عنه، ويشهد لدخول التحريف في الباطل، الذي نفته الاية عن الكتاب أن الاية وصفت الكتاب

 

===============

(211)

بالعزة وعزة الشئ تقتضي المحافظة عليه من التغيير والضياع، أما إرادة خصوص التناقض والكذب من لفظ الباطل في الاية الكريمة، فلا يناسبها توصيف الكتاب بالعزة. التحريف والسنة: الدليل الثالث: أخبار الثقلين اللذين خلفهما النبي (صلى الله عليه واله وسلم) في أمته وأخبر أنهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض، وأمر الامة بالتمسك بهما، وهما الكتاب والعترة. وهذه الاخبار متظافرة من طرق الفريقين (1) والاستدال بها على عدم التحريف في الكتاب يكون من ناحيتين: الناحية الاولى: أن القول بالتحريف يستلزم عدم وجوب التمسك بالكتاب المنزل لضياعه على الامة بسبب وقوع التحريف، ولكن وجوب التمسك بالكتاب باق إلى يوم القيام: لصريح أخبار الثقلين، فيكون القول بالتحريف باطلا جزما. وتوضيح ذلك: أن هذه الروايات دلت على اقتران العترة بالكتاب، وعلى أنهما باقيان في الناس إلى يوم القيامة، فلا بد من وجود شخص يكون قرينا الكتاب ولا بد من وجود الكتاب ليكون قرينا للعترة، حتى يردا على النبي الحوض، وليكون التمسك بهما حفظا للامة عن الضلال، كما يقول النبي (صلى الله عليه واله وسلم) في هذه الحديث. ومن الضروري أن التمسك بالعترة إنما يكون بموالاتهم، واتباع أوامرهم ونواهيهم والسير على هداهم، وهذا شئ لا يتوقف على الاتصال بالامام، والمخاطبة معه شفها، فإن الوصول إلى الامام والمخاطبة معه لا يتيسر لجميع المكلفين في زمان

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) تقدمت الاشارة إلى مصادر هذه الاخبار في ص 26 من هذا الكتاب. (*)

 

===============

(212)

الحضور، فضلا عن أزمنة الغيبة، واشتراط إمكان الوصول إلى الامام (عليه السلام) لبعض الناس دعوى بلا برهان ولا سبب يوجب ذلك، فالشيعة في أيام الغيبة متمسكون بإمامهم يوالونه ويتبعون أوامره، ومن هذه الاوامر الرجوع إلى رواة أحاديثهم في الحوادث الواقعة، أما التمسك بالقرآن فهو أمر لا يمكن إلا بالوصول اليه، فلا بد من كونه موجودا بين الامة، ليمكنها أن تتمسك به، لئلا تقع في الضلال، وهذا البيان يرشدنا إلى فساد المناقشة بأن القرآن محفوظ وموجود عند الامام الغائب، فإن وجوده الواقعي لا يكفى لتمسك الامة به. وقد أشكل على هذا الدليل: بأن أخبار الثقلين إنما تدل على نفي التحريف في آيات الاحكام من القرآن، لانها هي التي أمر الناس بالتمسك بها، فلا تنفي وقوع التحريف في الايات الاخرى منه. وجوابه: أن القرآن بجميع آياته مما أنزله الله لهداية البشر، وإرشادهم إلى كمالهم الممكن من جميع الجهات، ولا فرق في ذلك بين آيات الاحكام وغيرها، وقد قدمنا في بيان فضل القرآن أن ظاهر القرآن قصة وباطنه عظة، على أن عمدة القائلين بالتحريف يدعون وقوع التحريف في الايات التي ترجع إلى الولاية وما يشبهها ومن البين أنها لو ثبت كونها من القرآن، لوجب التمسك بها على الامة. الناحية الثانية: أن القول بالتحريف يقتضي سقوط الكتاب عن الحجية، فلا يتمسك بظواهره، فلا بد للقائلين بالتحريف من الرجوع إلى إمضاء الائمة الطاهرين لهذا الكتاب الموجود بأيدينا، وإقرار الناس على الرجوع اليه بعد ثبوت تحريفه، ومعنى هذا: أن حجية الكتاب الموجود متوقفة على إمضاء الائمة للاستدلال به، وأولى الحجتين المستقلتين اللتين يجب التمسك بهما، بل هو الثقل

 

===============

(213)

الاكبر، فلا تكون حجيته فرعا على حجية الثقل الاصغر، والوجه في سقوط الكتاب عن الحجية ـ على القول بالتحريف ـ هو احتمال اقتران ظواهره بما يكون قرينة على خلافها، أما الاعتماد في ذلك على أصالة عدم القرينة فهو ساقط، فإن الدليل على هذا الاصل هو بناء العقلاء على اتباع الظهور، وعدم اعتنائهم باحتمال القرينة على خلافه، وقد أوضحنا في مباحث الاصول أن القدر الثابت من البناء العقلائي، هو عدم اعتناء العقلاء باحتمال وجود القرينة المنفصلة، ولا باحتمال القرية المتصلة إذا كان سببه احتمال غفلة المتكلم عن البيان، أو غفلة السامع عن الاستفادة، أما احتمال وجود القرينة المتصلة من غير هذين السببين، فإن العقلاء يتوقفون عن اتباع الظهور معه، ومثال ذلك: ما إذا ورد على إنسان كتاب ممن يجب عليه طاعته يأمره فيه بشراء دار، ووجد بعض الكتاب تالفا، واحتمل أن يكون في هذا البعض التالف بيان لحصوصيات في الدار التي أمر بشرائها من حيث السعة والضيق، أو من حيث القيمة أو المحل، فإن العقلاء لا يتمسكون بإطلاق الكلام الموجود، اعتمادا على أصالة عدم القرينة المتصلة ولا يشترون أية دار امتثالا لامر هذا الامر، ولا يعدون من يعمل مثل ذلك ممتثلا لامر سيده. ولعل القارئ يذهب به وهمه بعيدا، فيقول: إن هذا التقريب يهدم أساس الفقه، واستنباط الاحكام الشرعية، لان العمدة فإن أدلتها هي الاخبار المروية عن المعصومين (عليهم السلام) ومن المحتمل أن تكون كلماتهم مقرونة بقرائن متصلة، ولم تنقل الينا. ولو تأمل قليلا لم يستقر في ذهنه هذا التوهم، فإن المتبع في مقام الاخبار، هو ظهور كلام الراوي في عدم وجود القرينة المتصلة، فإن اللازم عليه البيان لو كان كلام المعصوم متصلا بقرينة، واحتمال غفلته عنها مدفوع بالاصل. نعم إن القول بالتحريف يلزمه عدم جواز التمسك بظواهر القرآن، ولا

 

===============

(214)

يحتاج في إثبات هذه النتيجة إلى دعوى العلم الاجمالي باختال الظواهر في بعض الايات، حتى يجاب عنه بأن وقوع التحريف في القرآن لا يلزمه العلم الاجمالي المذكور، وبأن هذا العلم الاجمالي لا ينجز، لان بعض أطرافه ليس من آيات الاحكام، فلا يكون له أثر في العمل، والعلم الاجمالي إنما ينجز إذا كان له أثر عملي في كل طرف من أطرافه. وقد يدعي القائل بالتحريف: أن إرشاد الائمة المعصومين (عليهم السلام) إلى الاستدلال بظواهر الكتاب، وتقرير أصحابهم عليه قد أثبت الحجية للظواهر، وإن سقطت قبل ذلك بسبب التحريف. ولكن هذه الدعوى فاسدة، فإن هذا الارشاد من الائمة المعصومين (عليهم السلام)، وهذا التقرير منهم لاصحابهم على التمسك بظواهر القرآن، إنما هو من جهة كون القرآن في نفسه حجة مستقلة، لا أنهم يريدون إثبات الحجية له بذلك ابتداء. ترخيص قراءة السور في الصلاة: الدليل الرابع: انه قد أمر الائمة من أهل البيت (عليهم السلام) بقراءة سورة تامة بعد الفاتحة في الركعتين الاوليين من الفريضة، وحكموا بجواز تقسيم سورة تامة أو أكثر في صلاة الايات، على تفصيل مذكور في موضعه. ومن البين أن هذه الاحكام إنما ثبتت في أصل الشريعة بتشريع الصلاة وليس للتقية فيها أثر، وعلى ذلك فاللازم على القائلين بالتحريف أن لا يأتوا بما يحتمل فيه التحريف من السور، لان الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية. وقد يدعي القائل بالتحريف أنه غير متمكن من إحراز السورة التامة، فلا تجب عليه، لا الاحكام إنما تتوجه إلى المتمكنين، وهذه الدعوى إنما تكون مسلمة إذا احتمل وقوع التحريف في جميع السور.

 

===============

(215)

أما إذا كان هناك سورة لا يحتمل فيها ذلك كسورة التوحيد، فاللازم عليه أن لا يقرأ غيرها، ولا يمكن للخصم أن يجعل ترخيص الائمة (عليهم السلام) للمصلي بقراءة أية سورة شاء دليلا على الاكتفاء بما يختاره من السور، وإن لم يجز الاكتفاء بها قبل هذا الترخيص بسبب التحريف، فإن هذا الترخيص من الائمة (عليهم السلام) بنفسه دليل على عدم وقوع التحريف في القرآن وإلا لكان مستلزما لتفويت الصلاة الواجبة على المكلف بدون سبب موجب فإن من البين أن الالزام بقراءة السور، التي لم يقع فيها تحريف ليس فيه مخالفة للتقية، ونرى أنهم (عليهم السلام) أمرونا بقراءة سورة " القدر والتوحيد " في كل صلاة استحبابا، فأي مانع من الالزام بهما، أو بغيرهما مما لا يحتمل وقوع التحريف فيه. اللهم إلا أن يدعي نسخ وجوب قراءة السورة التامة إلى وجوب قراءة سورة تامة من القرآن الموجود، ولا أظن القائل بالتحريف يلتزم بذلك، لان النسخ لم يقع بعد النبي (صلى الله عليه واله وسلم) قطعا، وان كان في إمكانه وامتناعه كلام بين العلماء، وهذا خارج عما نحن بصدده. وجملة القول انه لا ريب في أمر أهل البيت (عليهم السلام) بقراءة سورة من القرآن الذي بين أيدينا في الصلاة، وهذا الحكم الثابت من دون ريب ولا شائبة تقية إما أن يكون هو نفس الحكم الثابت في زمان رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) وإما أن يكون غيره، وهذا الاخير باطل لانه من النسخ الذي لا ريب في عدم وقوعه بعد النبي (صلى الله عليه واله وسلم) وإن كان أمرا ممكنا في نفسه، فلا بد وأن يكون ذلك هو الحكم الثابت على عهد رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) ومعنى ذلك عدم التحريف. وهذا الاستدلال يجري في كل حكم شرعي، رتبه أهل البيت (عليهم السلام) على قراءة سورة كاملة، أو آية تامة. دعوى وقوع التحريف من الخلفاء: الدليل الخامس: أن القائل بالتحريف إما أن يدعي وقوعه من الشيخين،

 

===============

(216)

بعد وفاة النبي (صلى الله عليه واله وسلم) وإما من عثمان بعد انتهاء الامر اليه، وإما من شخص آخر بعد انتهاء الدور الاول من الخلافة، وجميع هذه الدعاوى باطلة. أما دعوى وقوع التحريف من أبي بكر وعمر، فيبطلها انهما في هذا التحريف إما أن يكونا غير عامدين، وإنما صدر عنهما من جهة عدم وصول القرآن اليهما بتمامه، لانه لم يكن مجموعا قبل ذلك، وإما أن يكونا متعمدين في هذا التحريف، وإذا كانا عامدين فإما أن يكون التحريف الذي وقع منهما في آيات تمس بزعامتهما وإما أن يكون في آيات ليس لها تعلق بذلك، فالاحتمالات المتصورة ثلاثة: أما احتمال عدم وصول القرآن اليهما بتمامه فهو ساقط قطعا، فإن اهتمام النبي (صلى الله عليه وآله)  بأمر القرآن بحفظه، وقراءته، وترتيل آياته، واهتمام الصحابة بذلك في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)  وبعد وفاته يورث القطع بكون القرآن محفوظا عندهم، جمعا أو متفرقا، حفظا في الصدور، أو تدوينا في القراطيس، وقد اهتموا بحفظ أشعار الجاهلية وخطبها، فكيف لا يهتمون بأمر الكتاب العزيز، الذي عرضوا أنفسهم للقتل في دعوته، وإعلان أحكامه، وهجروا في سبيله أوطانهم، وبذلوا أموالهم، وأعرضوا عن نسائهم وأطفالهم، ووقفوا المواقف التي بيضوا بها وجه التاريخ، وهل يحتمل عاقل مع ذلك كله عدم اعتنائهم بالقرآن؟ حتى يضيع بين الناس، وحتى يحتاج في إثباته إلى شهادة شاهدين؟ وهل هذا إلا كاحتمال الزيادة في القرآن بل كاحتمال عدم بقاء شئ من القرآن المنزل؟. على أن روايات الثقلين المتظافرة " المتقدمة " دالة على بطلان هذا الاحتمال، فإن قوله (صلى الله عليه وآله) : " إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي " لا يصح إذا كان بعض القرآن ضائعا في عصره، فإن المتروك حينئذ يكون بعض الكتاب لا جميعه، بل وفي هذه الروايات دلالة صريحة على تدوين القرآن، وجمعه في زمان النبي (صلى الله عليه وآله)  لان الكتاب لا يصدق على مجموع المتفرقات، ولا على المحفوظ في الصدور. ـ وسنتعرض للكلام فيمن جمع القرآن على عهد رسول الله ـ (صلى الله عليه واله وسلم) ـ، وإذا سلم عدم اهتمام المسلمين بجمع القرآن على عهده ـ (صلى الله عليه واله وسلم) ـ

 

===============

(217)

فلماذا لم يهتم بذلك النبي ـ (صلى الله عليه واله وسلم) ـ بنفسه مع اهتمامه الشديد بأمر القرآن؟ فهل كان غافلا عن نتائج هذا الاغفال، أو كان غير متمكن من الجمع، لعدم تهيؤ الوسائل عنده؟! ومن الواضح بطلان جميع ذلك. وأما احتمال تحريف الشيخين للقرآن ـ عمدا ـ في الايات التي لا تمس بزعامتهما، وزعامة أصحابهما فهو بعيد في نفسه، إذ لا غرض لهما في ذلك، على أن ذلك مقطوع بعدمه، وكيف يمكن وقوع التحريف منهما مع أن الخلافة كانت مبتنية على السياسة، وإظهار الاهتمام بأمر الدين؟ وهلا احتج بذلك أحد الممتنعين عن بيعتهما، والمعترضين على أبي بكر في أمر الخلافة كسعد بن عبادة وأصحابه؟ وهلا ذكر ذلك أمير الؤمنين ـ عليه ـ في خطبته الشقشقية المعروفة، أو في غيرها من كلماته التي اعترض بها على من تقدمه؟ ولا يمكن دعوى اعتراض المسلمين عليهما بذلك، واختفاء ذلك عنا، فإن هذه الدعوى واضحة البطلان. وأما احتمال وقوع التحريف من الشيخين عمدا، في آيات تمس بزعمامتهما فهو أيضا مقطوع بعدمه، فإن أمير المؤمنين ـ (عليه السلام) ـ وزوجته الصديقة الطاهرة ـ عليها السلام ـ وجماعة من أصحابه قد عارضوا الشيخين في أمر الخلافة، واحتجوا عليهما بما سمعوا من النبي (صلى الله عليه وآله)  واستشهدوا على ذلك من شهد من المهاجرين والانصار، واحتجوا عليه بحديث الغدير وغيره، وقد ذكر في كتاب الاحتجاج: احتجاج اثني عشر رجلا على أبي بكر في الخلافة، وذكروا له النص فيها، وقد عقد العلامة المجلسي بابا لا حتجاج أمير المؤمنين (عليه السلام) في أمر الخلافة (1)، ولو كان في القرآن شئ يمس زعامتهم لكان أحق بالذكر في مقام الاحتجاج، وأحرى بالاستشهاد عليه من جميع المسلمين، ولا سيما أن أمر الخلافة كان قبل جمع القرآن على زعمهم بكثير، ففي ترك الصحابة ذكر ذلك في أول

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) بحار الانوار ج 8 ص 79. (*)

 

===============

(218)

أمر الخلافة وبعد انتهائها إلى علي ـ (عليه السلام) ـ دلالة قطعية على عدم التحريف المذكور. وأما احتمال وقوع التحريف من عثمان فهو أبعد من الدعوى الاولى:

 1 ـ لان الاسلام قد انتشر في زمان عثمان على نحو ليس في إمكان عثمان أن ينقص من القرآن شيئا، ولا في إمكان من وأكبر شأنا من عثمان.

2 ـ ولان تحريفه إن كان للايات التي لا ترجع إلى الولاية، ولا تمس زعامة سلفه بشئ، فهو بغير سبب موجب، وإن كان للايات التي ترجع إلى شئ من ذلك فهو مقطوع بعدمه، لان القرآن لو اشتمل على شئ من ذلك وانتشر بين الناس لما وصلت الخلافة إلى عثمان.

3 ـ ولانه لو كان محرفا للقرآن، لكان في ذلك أوضح حجة، وأكبر عذر لقتلة عثمان في قتله علنا، ولما احتاجوا في الاحتجاج على ذلك إلى مخالفته لسيرة الشيخين في بيت مال المسلمين، وإلى ما سوى ذلك من الحجج.

4 ـ ولكان من الواجب على علي ـ (عليه السلام) ـ بعد عثمان أن يرد القرآن إلى أصله، الذي كان يقرأ به في زمان النبي (صلى الله عليه وآله)  وزمان الشيخين ولم يكن عليه في ذلك شئ ينتقد به، بل ولكان ذلك أبلغ أثرا في مقصوده وأظهر لحجته على التائرين بدم عثمان، ولا سيما أنه ـ (عليه السلام) ـ قد أمر بإرجاع القطائع التي أقطعها عثمان. وقال في خطبة له: " والله لو وجدته قد تزوج به النساء وملك به الاماء لرددته فإن في العدل سعة، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق " (1).

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة: فيما رده على المسلمين من قطائع عثمان. (*)

 

===============

(219)

هذا أمر علي في الاموال، فكيف يكون أمره في القرآن لو كان محرفا، فيكون إمضاؤه ـ (عليه السلام) ـ للقرآن الموجود في عصره، دليلا على عدم وقوع التحريف فيه. وأما دعوى وقوع التحريف بعد زمان الخلفاء فلم يدعها أحد فيما نعلم، غير أنها نسبت إلى بعض القائلين بالتحريف، فادعى أن الحجاج لما قام بنصرة بني أمية أسقط من القرآن آيات كثيرة كانت قد نزلت فيهم، وزاد فيه ما لم يكن منه، وكتب مصاحف وبعثها إلى مصر، والشام، والحرمين، والبصرة والكوفة، وإن القرآن الموجود اليوم مطابق لتلك المصاحف. وأما المصاحف الاخرى فقد جمعها ولم يبق منها شيئا ولا نسخة واحدة (1).

وهذه الدعوى تشبه هذيان المحمومين، وخرافات المجانين والاطفال، فإن الحجاج واحد من ولاة بني أمية، وهو أقصر باعا، وأصغر قدرا من أن ينال القرآن بشئ، بل وهو أعجز من أن يغير شيئا من الفروع الاسلامية، فكيف يغير ما هو أساس الدين، وقوام الشريعة؟ ومن أين له القدرة والنفوذ في جميع ممالك الاسلام وغيرها مع انتشار القرآن فيها؟ وكيف لم يذكر هذا الخطب العظيم مؤرخ في تاريخه، ولا ناقد في نقده مع ما فيه من الاهمية، وكثرة الدواعي إلى نقله، وكيف لم يتعرض لنقله واحد من المسلمين في وقته، وكيف أغضى المسلمون عن هذا العمل بعد انقضاء عهد الحجاج، وانتهاء سلطته؟. وهب أنه تمكن من جمع نسخ المصاحف جميعها، ولم تشذ عن قدرته نسخة واحدة من أقطار المسلمين المتباعدة، فهل تمكن من إزالته عن صدور المسلمين وقلوب حفظة القران؟ وعددهم في ذلك الوقت لا يحصيه إلا الله، على أن القرآن لو كان في بعض آياته شئ يمس بني أمية، لاهتم معاوية بإسقاطه قبل

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) مناهل العرفان ص 257. (*)

 

===============

(220)

زمان الحجاج وهو أشد منه قدرة، وأعظم نفوذا، ولاستدل به أصحاب علي ـ (عليه السلام) ـ على معاوية، كما احتجوا عليه بما حفظه التاريخ، وكتب الحديث والكلام، وبما قدمناه للقارئ، يتضح له أن من يدعي التحريف يخالف بداهة العقل، وقد قيل في المثل: حدث الرجل بما لا يليق، فإن صدق فهو ليس بعاقل. شبهات القائلين بالتحريف: وهنا شبهات يتشبث بها القائلون بالتحريف لا بد لنا من التعرض لها ودفعها واحدة واحدة: الشبهة الاولى: أن التحريف قد وقع في التوراة والانجيل، وقد ورد في الروايات المتواترة من طريقي الشيعة والسنة: أن كل ما وقع في الامم السابقة لا بد وأن يقع مثله في هذه الامة، فمنها ما رواه الصدوق في " الاكمال " عن غياث بن ابراهيم، عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم): كل ما كان في الامم السالفة، فإنه يكون في هذه الامة مثله حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة " (1).

ونتيجة ذلك: أن التحريف لا بد من وقوعه في القرآن، وإلا لم يصح معنى هذه الاحاديث.

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) البحار باب افتراق الامة بعد النبي (صلى الله عليه وآله)  على ثلاث وسبعين فرقة ج 8 ص 4. وقد تقدم بعض مصادر هذا الحديث من طرق أهل السنة في ما تقدم من هذا الكتاب. (*)

 

===============

(221)

والجواب عن ذلك: أولا: أن الروايات المشار اليها أخبار آحاد لا تفيد علما ولا عملا، ودعوى التواتر فيها جزافية لا دليل عليها، ولم يذكر من هذه الروايات شئ في الكتب الاربعة، ولذلك فلا ملازمة بين وقوع التحريف في التوراة ووقوعه في القرآن.

ثانيا: أن هذا الدليل لو تم لكان دالا على وقوع الزيادة في القرآن أيضا، كما وقعت في التوراة والانجيل، ومن الواضح بطلان ذلك.

ثالثا: أن كثيرا من الوقائع التي حدثت في الامم السابقة لم يصدر مثلها في هذه الامة، كعبادة العجل، وتيه بني إسرائيل أربعين سنة، وغرق فرعون وأصحابه، وملك سليمان للانس والجن، ورفع عيسى إلى السماء وموت هارون وهو وصي موسى قبل موت موسى نفسه، وإتيان موسى بتسع آيات بينات، وولادة عيسى من غير أب، ومسخ كثير من السابقين قردة وخنازير، وغير ذلك مما لا يسعنا إحصاؤه، وهذا أدل دليل على عدم إرادة الظاهر من تلك الروايات، فلا بد من إرادة المشابهة في بعض الوجوه. وعلى ذلك فيكفي في وقوع التحريف في هذه الامة عدم اتباعهم لحدود القرآن، وإن أقاموا حروفه كما في الرواية التي تقدمت في صدر البحث، ويؤكد ذلك ما رواه أبو واقد الليثي: " أن رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) لما خرج إلى خيبر مر بشجرة للمشركين يقال لها ذات أنواط، يعلقون عليها أسلحتهم. فقالوا: يا رسول الله إجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال النبي (صلى الله عليه واله وسلم) سبحان الله هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، والذي نفسي بيده لتركبن سنة من كان قبلكم " (1) فإن هذه الرواية صريحة في أن الذي يقع في هذه الامة، شبيه بما وقع في تلك الامم من بعض الوجوه.

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح الترمذي، باب ما جاء لتركبن سنن من قبلكم ج 9 ص 26. (*)

 

===============

(222)

رابعا: لو سلم تواتر هذه الروايات في السند، وصحتها في الدلالة، لما ثبت بها أن التحريف قد وقع فيما مضى من الزمن، فلعله يقع في المستقبل زيادة ونقيصة، والذي يظهر من رواية البخاري تحديده بقيام الساعة، فكيف يستدل بذلك على وقوع التحريف في صدر الاسلام، وفي زمان الخلفاء. الشبهة الثانية: أن عليا (عليه السلام) كان له مصحف غير المصحف الموجود، وقد أتى به إلى القوم فلم يقبلوا منه، وأن مصحفه (عليه السلام) كان مشتملا على أبعاض ليست موجودة في القرآن الذي بأيدينا، ويترتب على ذلك نقص القرآن الموجود عن مصحف أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وهذا هو التحريف الذي وقع الكلام فيه، والروايات الدالة على ذلك كثيرة: منها ما في رواية احتجاج علي (عليه السلام) على جماعة من المهاجرين والانصار أنه قال: " يا طلحة إن كل آية أنزلها الله تعالى على محمد (صلى الله عليه واله وسلم) عندي باملاء رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) وخط يدي، وتأويل كل آية أنزلها الله تعالى على محمد (صلى الله عليه واله وسلم) وكل حلال، أو حرام، أو حد أو حكم، أو شئ تحتاح إليه الامة إلى يوم القيامة، فهو عندي مكتوب باملاء رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) وخط يدي، حتى أرش الخدش... " (1) ومنها ما في احتجاجه (عليه السلام) على الزنديق من أنه:

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) مقدمة تفسير البرهان ص 27. وفي هذه الرواية تصريح بأن ما في القرآن الموجود كله قرآن. (*)

 

===============

(223)

" أتى بالكتاب كملا مشتملا على التأويل والتنزيل، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، لم يسقط منه حرف ألف ولا لام فلم يقبلوا ذلك " (1).

ومنها ما رواه في الكافي، بإسناده عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " ما يستطيع أحد أن يدعي أن عنده جميع القرآن كله، ظاهره وباطنه غير الاوصياء " (2).

وبإسناده عن جابر. قال: " سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب، وما جمعه وحفظه كما نزله الله تعالى إلا علي بن أبي طالب والائمة من بعده (عليهم السلام) " (3).

والجواب عن ذلك: أن وجود مصحف لامير المؤمنين ـ (عليه السلام) ـ يغاير القرآن الموجود في ترتيب السور مما لا ينبغي الشك فيه، وتسالم العلماء الاعلام على وجوده أغنانا عن التكلف لاثباته، كما أن اشتمال قرآنه ـ (عليه السلام) ـ على زيادات ليست في القرآن الموجود، وإن كان صحيحا إلا أنه لا دلالة في ذلك على أن هذه الزيادات كانت من القرآن، وقد أسقطت منه بالتحريف، بل الصحيح أن تلك الزيادات كانت تفسيرا بعنوان التأويل، وما يؤول اليه الكلام، أو بعنوان التنزيل من الله شرحا للمراد.

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير الصافي المقدمة السادسة ص 11.

(2) الوافي ج 2 كتاب الحجة باب 76 ص 130.

(3) نفس المصدر. (*)

 

===============

(224)

وأن هذه الشبهة مبتنية على أن يراد من لفظي التأويل والتنزيل ما اصطلح عليه المتأخرون من إطلاق لفظ التنزيل على ما نزل قرآنا، وإطلاق لفظ التأويل على بيان المراد من اللفظ، حملا له على خلاف ظاهره، إلا أن هذين الاطلاقين من الاصطلاحات المحدثة، وليس لهما في اللغة عين ولا أثر ليحمل عليهما هذان اللفظان " التنزيل والتأويل " متى وراد في الروايات المأثورة عن أهل البيت (عليهم السلام). وإنما التأويل في اللغة مصدر مزيد فيه، وأصله " الاول ـ بمعنى الرجوع ". ومنه قولهم: " أول الحكم إلى أهله أي رده اليهم ". وقد يستعمل التأويل ويراد منه العاقبة، وما يؤول اليه الامر. وعلى ذلك جرت الايات الكريمة: " ويعلمك من تأويل الاحاديث 12: 6. نبئنا بتأويله: 36. هذا تأويل رؤياي: 100. ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا 18: 82 ". وغير ذلك من موارد استعمال هذا اللفظ في القرآن الكريم، وعلى ذلك فالمراد بتأويل القرآن ما يرجع اليه الكلام، وما هو عاقبته، سواء أكان ذلك ظاهرا يفهمه العارف باللغة العربية، أم كان خفيا لا يعرفه إلا الراسخون في العلم. وأما التنزيل فهو أيضا مصدر مزيد فيه، وأصله النزول، وقد يستعمل ويراد به ما نزل، ومن هذا القبيل إطلاقه على القرآن في آيات كثيرة، منها قوله تعالى:

 

===============

(225)

" إنه لقرآن كريم 56: 77. في كتاب مكنون: 78. لا يمسه إلا المطهرون: 79. تنزيل من رب العالمين: 80 ". وعلى ما ذكرناه فليس كل ما نزل من الله وحيا يلزم أن يكون من القرآن، فالذي يستفاد من الروايات في هذا المقام أن مصحف علي ـ (عليه السلام) ـ كان مشتملا على زيادات تنزيلا أو تأويلا. ولا دلالة في شئ من هذه الروايات على أن تلك الزيادات هي من القرآن. وعلى ذلك يحمل ما ورد من ذكر أسماء المنافقين في مصحف أمير المؤمنين ـ (عليه السلام) ـ فإن ذكر أسمائهم لا بد وأن يكون بعنوان التفسير. ويدل على ذلك ما تقدم من الادلة القاطعة على عدم سقوط شئ من القرآن، أضف إلى ذلك أن سيرة النبي (صلى الله عليه وآله)  مع المنافقين تأبى ذلك فإن دأبة تأليف قلوبهم، والاسرار بما يعلمه من نفاقهم، وهذا واضح لمن له أدنى اطلاع على سيرة النبي (صلى الله عليه واله وسلم) وحسن أخلاقه، فكيف يمكن أن يذكر أسماءهم في القرآن، ويأمرهم بلعن أنفسهم، ويأمر سائر المسلمين بذلك ويحثهم عليه ليلا ونهارا، وهل يحتمل ذلك حتى ينظر في صحته وفساده أو يتمسك في إثباته بما في بعض الروايات من وجود أسماء جملة من المنافقين في مصحف علي (عليه السلام) وهل يقاس ذلك بذكر أبي لهب المعلن بشركه، ومعاداته النبي (صلى الله عليه واله وسلم) مع علم النبي بأنه يموت على شركه. نعم لا بعد في ذكر النبي (صلى الله عليه واله وسلم) أسماء المنافقين لبعض خواصه كأمير المؤمنين (عليه السلام) وغيره في مجالسه الخاصة. وحاصل ما تقدم: أن وجود الزيادات في مصحف علي (عليه السلام) وإن كان صحيحا، إلا أن هذه الزيادات ليست من القرآن، ومما أمر رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) (البيان ـ 15)

 

===============

(226)

بتبليغه إلى الامة، فإن الالتزام بزيادة مصحفه بهذا النوع من الزيادة قول بلا دليل، مضافا إلى أنه باطل قطعا. ويدل على بطلانه جميع ما تقدم من الادلة القاطعة على عدم التحريف في القرآن. الشبهة الثالثة: أن الروايات المتواترة عن أهل البيت (عليهم السلام) قد دلت على تحريف القرآن فلا بد من القول به: والجواب: أن هذه الروايات لا دلالة فيها على وقوع التحريف في القرآن بالمعنى المتنازع فيه، وتوضيح ذلك: أن كثيرا من الروايات، وإن كانت ضعيفة السند، فإن جملة منها نقلت من كتاب أحمد بن محمد السياري، الذي اتفق علماء الرجال على فساد مذهبه، وأنه يقول بالتناسخ، ومن علي بن أحمد الكوفي الذي ذكر علماء الرجال أنه كذاب، وأنه فاسد المذهب إلا أن كثرة الروايات تورث القطع بصدور بعضها عن المعصومين (عليهم السلام) ولا أقل من الاطمئنان بذلك، وفيها ما روي بطريق معتبر فلا حاجة بنا إلى التكلم في سند كل رواية بخصوصها. عرض روايات التحريف: علينا أن نبحث عن مداليل هذه الروايات، وإيضاح أنها ليست متحدة في المفاد، وأنها على طوائف. فلا بد لنا من شرح ذلك والكلام على كل طائفة بخصوصها. الطائفة الاولى: هي الروايات التي دلت على التحريف بعنوانه، وانها تبلغ عشرين رواية، نذكر جملة منها ونترك ما هو بمضمونها. وهي:

 1 ـ ما عن علي بن إبراهيم القمي، بإسناده عن أبي ذر. قال:

 

===============

(227)

" لما نزلت هذه الاية: يوم تبيض وجوه وتسود وجوه. قال رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) ترد أمتي علي يوم القيامة على خمس رايات. ثم ذكر أن رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) يسأل الرايات عما فعلوا بالثقلين. فتقول الراية الاولى: أما الاكبر فحرفناه، ونبذناه وراء ظهورنا، وأما الاصغر فعاديناه، وأبغضناه، وظلمناه. وتقول الراية الثانية: أما الاكبر فحرفناه، ومزقناه، وخالفناه، وأما الاصغر فعاديناه وقاتلناه... ".

2 ـ ما عن ابن طاووس، والسيد المحدث الجزائري، باسنادهما عن الحسن ابن الحسن السامري في حديث طويل أن رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) قال لحذيفة فيما قاله في من يهتك الحرم: " إنه يضل الناس عن سبيل الله، ويحرف كتابه، ويغير سنتي ".

3 ـ ما عن سعد بن عبد الله القمي، باسناده عن جابر الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " دعا رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) بمنى. فقال: أيها الناس إني تارك فيكم الثقلين ـ أما إن تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي ـ والكعبة البيت الحرام ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): أما كتاب الله فحرفوا، وأما الكعبة فهدموا، وأما العترة فقتلوا، وكل ودائع الله قد نبذوا ومنها قد تبرأوا ".

4 ـ ما عن الصدوق في الخصال بإسناده عن جابر عن النبي قال: " يجئ يوم القيامة ثلاثة يشكون: المصحف،

 

===============

(228)

والمسجد، والعترة. يقول المصحف يارب حرفوني ومزقوني، ويقول المسجد يارب عطلوني وضيعوني، وتقول العترة يارب قتلونا، وطردونا، وشردونا... ".

5 ـ ما عن الكافي والصدوق، باسنادهما عن علي بن سويد. قال: " كتبت إلى أبي الحسن موسى (صلى الله عليه واله وسلم) وهو في الحبس كتابا إلى أن ذكر جوابه (عليه السلام) بتمامه، وفيه قوله (عليه السلام) اؤتمنوا على كتاب الله فحرفوه وبدلوه ".

6 ـ ما عن ابن شهراشوب، باسناده عن عبد الله في خطبة أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) في يوم عاشوراء، وفيها: " إنما أنتم من طواغيت الامة، وشذاذ الاحزاب، ونبذة الكتاب، ونفثة الشيطان، وعصبة الاثام، ومحرفي الكتاب ".

7 ـ ما عن كامل الزيارات، باسناده عن الحسن بن عطية، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " إذا دخلت الحائر فقل: اللهم العن الذين كذبوا رسلك، وهدموا كعبتك، وحرفوا كتابك... ".

8 ـ ما عن الحجال عن قطبة بن ميمون عن عبد الاعلى. قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) أصحاب العربية يحرفون كلام الله عز وجل عن مواضعه ".

 

===============

(229)

المفهوم الحقيقي للروايات: والجواب عن الاستدلال بهذه الطائفة: أن الظاهر من الرواية الاخيرة تفسير التحريف باختلاف القراء، وإعمال اجتهاداتهم في القراءات. ومرجع ذلك إلى الاختلاف في كيفية القراءة مع التحفظ على جوهر القرآن وأصله وقد أوضحنا للقارئ في صدر المبحث أن التحريف بهذا المعنى مما لا ريب في وقوعه، بناء على ما هو الحق من عدم تواتر القراءات السبع، بل ولا ريب في وقوع هذا التحريف، بناء على تواتر القراءات السبع أيضا، فإن القراءات كثيرة، وهي مبتنية على اجتهادات ظنية توجب تغيير كيفية القراءة. فهذه الرواية لا مساس لها بمراد المستدل. وأما بقية الروايات، فهي ظاهرة في الدلالة على أن المراد بالتحريف حمل الايات على غير معانيها، الذي يلازم إنكار فضل أهل البيت (عليهم السلام) ونصب العداوة لهم وقتالهم. ويشهد لذلك ـ صريحا ـ نسبة التحريف إلى مقاتلي أبي عبد الله ـ (عليه السلام) ـ في الخطبة المتقدمة. ورواية الكافي التي تقدمت في صدر البحث، فإن الامام الباقر ـ (عليه السلام) ـ يقول فيها: " وكان من نبذهم الكتاب أنهم أقاموا حروفه، وحرفوا حدوده ". وقد ذكرنا أن التحريف بهذا المعنى واقع قطعا، وهو خارج عن محل النزاع، ولولا هذا التحريف لم تزل حقوق العترة محفوظة، وحرمة النبي فيهم مرعية، ولما انتهى الامر إلى ما انتهى إليه من اهتضام حقوقهم وإيذاء النبي (صلى الله عليه وآله)  فيهم. الطائفة الثانية: هي الروايات التي دلت على أن بعض الايات المنزلة من القرآن قد ذكرت فيها أسماء الائمة (عليهم السلام) وهي كثيرة:

 

===============

(230)

منها: ما ورد من ذكر أسماء الائمة (عليهم السلام) في القرآن، كرواية الكافي بإسناده عن محمد بن الفضيل بن أبي الحسن ـ (عليه السلام) ـ قال: " ولاية علي بن أبي طالب مكتوبة في جميع صحف الانبياء، ولن يبعث الله رسولا إلا بنبوة محمد و " ولاية " وصيه، صلى الله عليهما وآلهما ". ومنها: رواية العياشي بإسناده عن الصادق (عليه السلام): " لو قرئ القرآن ـ كما أنزل ـ لالفينا مسمين ". ومنها: رواية الكافي، وتفسير العياشي عن أبي جعفر ـ (عليه السلام) ـ وكنز الفوائد بأسانيد عديدة عن ابن عباس، وتفسير فرات بن إبراهيم الكوفي بأسانيد متعددة أيضا، عن الاصبغ بن نباتة. قالوا: قال أمير المؤمنين ـ (عليه السلام) ـ: " القرآن نزل على أربعة أرباع: ربع فينا، وربع في عدونا، وربع سنن وأمثال، وربع فرائض وأحكام، ولنا كرائم القرآن ". ومنها: رواية الكافي أيضا بإسناده عن أبي جعفر ـ (عليه السلام) ـ قال: " نزل جبرئيل بهذه الاية على محمد (صلى الله عليه وآله)  هكذا: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ـ في علي ـ فأتوا بسورة من مثله ". والجواب عن الاستدلال بهذه الطائفة: أنا قد أوضحنا فيما تقدم أن بعض التنزيل كان من قبيل التفسير للقرآن وليس من القرآن نفسه، فلا بد من حمل هذه الروايات على أن ذكر أسماء الائمة (عليهم السلام) في التنزيل من هذا القبيل، وإذا لم يتم هذا الحمل فلا بد من

 

===============

(231)

طرح هذه الروايات لمخالفتها للكتاب، والسنة، والادلة المتقدمة على نفي التحريف. وقد دلت الاخبار المتواترة على وجوب عرض الروايات على الكتاب والسنة وأن ما خالف الكتاب منها يجب طرحه، وضربه على الجدار. ومما يدل على أن اسم أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يذكر صريحا في القرآن حديث الغدير، فإنه صريح في أن النبي (صلى الله عليه وآله)  إنما نصب عليا بأمرالله، وبعد أن ورد عليه التأكيد في ذلك، وبعد أن وعده الله بالعصمة من الناس، ولو كان اسم " علي " مذكورا في القرآن لم يحتج إلى ذلك النصب، ولا إلى تهيئة ذلك الاجتماع الحافل بالمسلمين، ولما خشي رسول الله (صلى الله عليه وآله)  من إظهار ذلك، ليحتاج إلى التأكيد في أمر التبليغ. وعلى الجملة: فصحة حديث الغدير توجب الحكم بكذب هذه الروايات التي تقول: إن أسماء الائمة مذكورة في القرآن ولا سيما أن حديث الغدير كان في حجة الوداع التي وقعت في أواخر حياة النبي (صلى الله عليه واله وسلم) ونزول عامة القرآن، وشيوعه بين المسلمين، على أن الرواية الاخيرة المروية في الكافي مما لا يحتمل صدقه في نفسه، فإن ذكر اسم علي (عليه السلام) في مقام إثبات النبوة والتحدي على الاتيان بمثل القرآن لا يناسب مقتضى الحال. ويعارض جميع هذه الروايات صحيحة أبي بصير المروية في الكافي. قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله تعالى: " وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم 4: 59 ". " قال: فقال نزلت في علي بن أبي طالب والحسن والحسين (عليهم السلام) فقلت له: إن الناس يقولون فما له لم

 

===============

(232)

يسم عليا وأهل بيته في كتاب الله. قال (عليه السلام): فقولوا لهم إن رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) نزلت عليه الصلاة ولم يسم الله لهم ثلاثا، ولا أربعا، حتى كان رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) هو الذى فسر لهم ذلك... " (1).

فتكون هذه الصحيحة حاكمة على جميع تلك الروايات، وموضحة للمراد منها، وأن ذكر اسم أمير المؤمنين (عليه السلام) في تلك الروايات قد كان بعنوان التفسير، أو بعنوان التنزيل، مع عدم الامر بالتبليغ. ويضاف إلى ذلك أن المتخلفين عن بيعة أبي بكر لم يحتجوا بذكر اسم علي في القرآن، ولو كان له ذكر في الكتاب لكان ذلك أبلغ في الحجة، ولا سيما أن جمع القرآن ـ بزعم المستدل ـ كان بعد تمامية أمر الخلافة بزمان غير يسير، فهذا من الادلة الواضحة على عدم ذكره في الايات. الطائفة الثالثة: هي الروايات التي دلت على وقوع التحريف في القرآن بالزيادة والنقصان، وان الامة بعد النبي (صلى الله عليه واله وسلم) غيرت بعض الكلمات وجعلت مكانها كلمات أخرى. فمنها: ما رواه علي بن ابراهيم القمي، بإسناده عن حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام): " صراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين ". ومنها: ما عن العياشي، عن هشام بن سالم. قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قوله تعالى: " إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران 33: 3 ".

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) الوافي ج 2 باب 30 ما نص الله ورسوله عليهم ص 63. (*)

 

===============

(233)

قال: هو آل إبراهيم وآل محمد على العالمين، فوضعوا اسما مكان اسم. أي انهم غيرا فجعلوا مكان آل محمد آل عمران. والجواب: عن الاستدلال بهذه الطائفة ـ بعد الاغضاء عما في سندها من الضعف ـ أنها مخالفة للكتاب، والسنة، ولاجماع المسلمين على عدم الزيادة في القرآن ولا حرفا واحدا حتى من القائلين بالتحريف. وقد ادعى الاجماع جماعة كثيرون على عدم الزيادة في القرآن، وأن مجموع ما بين الدفتين كله من القرآن. وممن ادعى الاجماع الشيخ المفيد، والشيخ الطوسي، والشيخ البهائي، وغيرهم من الاعاظم قدس الله أسرارهم. وقد تقدمت رواية الاحتجاج الدالة على عدم الزيادة في القرآن. الطائفة الرابعة: هي الروايات التي دلت على التحريف في القرآن بالنقيصة فقط. والجواب عن الاستدلال بهذه الطائفة: أنه لا بد من حملها على ما تقدم في معنى الزيادات في مصحف أمير المؤمنين ـ (عليه السلام) ـ وإن لم يمكن ذلك الحمل في جملة منها فلا بد من طرحها لانها مخالفة للكتاب والسنة، وقد ذكرنا لها في مجلس بحثنا توجيها آخر أعرضنا عن ذكره هنا حذرا من الاطالة، ولعله أقرب المحامل، ونشير إليه في محل آخر إن شاء الله تعالى. على أن أكثر هذه الروايات بل كثيرها ضعيفة السند. وبعضها لا يحتمل صدقه في نفسه. وقد صرح جماعة من الاعلام بلزوم تأويل هذه الروايات أو لزوم طرحها.

 

===============

(234)

وممن صرح بذلك المحقق الكلباسي حيث قال على ما حكي عنه: " أن الروايات الدالة على التحريف مخالفة لاجماع الامة إلا من لا اعتداد به... وقال: إن نقصان الكتاب مما لا أصل له وإلا لاشتهر وتواتر، نظرا إلى العادة في الحوادث العظيمة. وهذا منها بل أعظمها ". وعن المحقق البغدادي شارح الوافية التصريح بذلك، ونقله عن المحقق الكركي الذي صنف في ذلك رسالة مستقلة، وذكر فيها: " أن ما دل من الروايات على النقيصة لا بد من تأويلها أو طرحها، فإن الحديث إذا جاء على خلاف الدليل من الكتاب، والسنة المتواترة، والاجماع، ولم يمكن تأويله، ولا حمله على بعض الوجوه، وجب طرحه ". أقول: أشار المحقق الكركي بكلامه هذا إلى ما أشرنا إليه ـ سابقا ـ من أن الروايات المتواترة قد دلت على أن الروايات إذا خالفت القرآن لا بد من طرحها. فمن تلك الروايات: ما رواه الشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين بسنده الصحيح عن الصادق (عليه السلام): " الوقوف عند الشبهه خير من الاقتحام في الهلكة، إن على كل حق حقيقة، وعلى كل صواب نورا، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه... " (1).

وما رواه الشيخ الجليل سعيد بن هبة الله " القطب الراوندي " بسنده الصحيح إلى الصادق (عليه السلام):

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل گ 3 كتاب القضاء. باب وجوه الجمع بين الاحاديث المختلفة، وكيفية العمل، ص 380. (*)

 

===============

(235)

" إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فردوه... " (1).

وأما الشبهة الرابعة: فيتلخص في كيفية جمع القرآن، واستلزامها وقوع التحريف فيه. وقد انعقد البحث الاتي " فكرة عن جمع القرآن " لتصفية هذه الشبهة وتفنيدها.

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) المصدر السابق. (*)

 

===============

(236)

 

===============

(237)

 

فكرة عن جمع القرآن

 

===============

(238)

كيفية جمع القرآن. عرض الروايات في جمع القرآن. تناقضها وتضاربها. معارضتها لما دل على أن القرآن جمع على عهد الرسول. معارضتها للكتاب وحكم العقل. مخالفتها لاجماع المسلمين على أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر. الاستدال بهذه الروايات يستلزم التحريف بالزيادة المتسالم على بطلانه.

 

===============

(239)

ان موضوع جمع القرآن من الموضوعات التي يتذرع بها القائلون بالتحريف، إلى إثبات ان في القرآن تحريفا وتغييرا. وان كيفية جمعه مستلزمة ـ في العادة ـ لوقوع هذا التحريف والتغيير فيه. فكان من الضروري أن يعقد هذا البحث إكمالا لصيانة القرآن من التحريف وتنزيهه عن نقص أو أي تغيير. إن مصدر هذه الشبهة هو زعمهم بأن جمع القرآن كان بأمر من أبي بكر بعد أن قتل سبعون رجلا من القراء في بئر معونة، وأربعمائة نفر في حرب اليمامة فخيف ضياع القرآن وذهابه من الناس، فتصدى عمر وزيد بن ثابت لجمع القرآن من العسب، والرقاع، واللخاف، ومن صدور الناس بشرط أن يشهد شاهدان على أنه من القرآن، وقد صرح بجميع ذلك في عدة من الروايات، والعادة تقضي بفوات شئ منه على المتصدي لذلك، إذا كان غير معصوم، كما هو مشاهد فيمن يتصدى لجمع شعر شاعر واحد أو أكثر، إذا كان هذا الشعر متفرقا، وهذا الحكم قطعي بمقتضي العادة، ولا أقل من احتمال وقوع التحريف، فإن من المحتمل عدم إمكان إقامة شاهدين على بعض ما سمع من النبي ((صلى الله عليه واله وسلم)) فلا يبقى وثوق بعدم النقيصة. والجواب: إن هذه الشبهة مبتنية على صحة الروايات الواردة في كيفية جمع القرآن والاولى أن نذكر هذه الروايات ثم نعقبها بما يرد عليها.

 

===============

(240)

أحاديث جمع القرآن:

 1 ـ روى زيد بن ثابت. قال: " أرسل إلي أبو بكر، مقتل أهل يمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر: إن عمر أتاني. فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القران. قلت لعمر: كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ((صلى الله عليه واله وسلم)) فتتبع القرآن فاجمعه. فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني من جمع القران قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ((صلى الله عليه واله وسلم))؟ قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعنى حتى شرح الله صدري، للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب، واللخاف، وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الانصاري، لم أجدها مع أحد غيره: " لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم 9: 128. فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم: 129 ". حتى خاتمة براءة فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر " (1).

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري. باب جمع القرآن ج 6 ص 98. (*)

 

===============

(241)

2 ـ وروى ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه: " ان حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق. فافزع حذيفة اختلافهم في القراءة. فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الامة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي الينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها اليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمرزيد بن ثابت، و عبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحرث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، فأرسل إلى كل افق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق ". قال ابن شهاب: " وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت سمع زيد بن ثابت قال: فقدت آية من الاحزاب حين نسخنا المصحف، قد كنت أسمع رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الانصاري: " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه 33: 23 ". " فألحقناها في سورتها في المصحف " (1).

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري ج 6 ص 99، وهاتان الروايتان وما بعدهما إلى الرواية الحادية والعشرين، مذكورة في منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 2 ص 43 ـ 52. (*)

 

(البيان ـ 16)

 

===============

(242)

3 ـ وروى ابن أبي شيبة باسناده عن علي. قال: " أعظم الناس في المصاحف أجراأبو بكر، إن أبا بكر أول من جمع ما بين اللوحين ".

4 ـ وروى ابن شهاب. عن سالم بن عبد الله وخارجة: " أن أبا بكر الصديق كان جمع القرآن في قراطيس، وكان قد سأل زيد بن ثابت النظر في ذلك فأبى حتى استعان عليه بعمر ففعل، فكانت الكتب عند أبي بكر حتى توفي، ثم عند عمر حتى توفي، ثم كانت عند حفصة زوج النبي (صلى الله عليه واله وسلم) فأرسل اليها عثمان فأبت أن تدفعها، حتى عاهدها ليردنها اليها فبعثت بها اليه، فنسخ عثمان هذه المصاحف ثم ردها اليها فلم تزل عندها... ".

5 ـ وروى هشام بن عروة، عن أبيه، قال: " لما قتل أهل اليمامة أمر أبو بكر عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت. فقال: اجلسا على باب المسجد. فلا يأتينكما أحد بشئ من القرآن تنكرانه يشهد عليه رجلان إلا اثبتماه، وذلك لانه قتل باليمامة ناس من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) قد جمعوا القرآن ".

6 ـ وروى محمد بن سيرين. قال: " قتل عمر ولم يجمع القرآن ".

7 ـ وروى الحسن: " أن عمر بن الخطاب سأل عن آية من كتاب الله، فقيل: كانت مع فلان فقتل يوم اليمامة. فقال: إنا لله، وأمر بالقرآن فجمع فكان أول من جمعه في المصحف ".

8 ـ وروى يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب. قال: " أراد عمر بن الخطاب أن يجمع القرآن فقام في الناس، فقال: من كان تلقى من رسول الله (صلى الله عليه وآله)  شيئا من القرآن فليأتنا به، وكانوا كتبوا ذلك في الصحف

 

===============

(243)

والالواح، والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شهيدان، فقتل وهو يجمع ذلك إليه، فقام عثمان، فقال: من كان عنده من كتاب الله شئ فليأتنا به، وكان لا يقبل من ذلك شيئا حتى يشهد عليه شهيدان، فجاءه خزيمة ابن ثابت، فقال: إني قد رأيتكم تركتم آيتين لم تكتبوهما. قالوا: ما هما؟ قال: تلقيت من رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم): " لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم.. " إلى آخر السورة، فقال عثمان: وأنا أشهد أنهما من عند الله، فأين ترى أن نجعلهما؟ قال: اختم بهما آخر ما نزل من القرآن، فختمت بهما براءة ".

9 ـ وروى عبيد بن عمير، قال: " كان عمر لا يثبت آية في المصحف حتى يشهد رجلان، فجاءه رجل من الانصار بهاتين الآيتين: لقد جاءكم رسول من أنفسكم... إلى آخرها. فقال عمر: لا أسألك عليها بينة أبدا، كذلك كان رسول الله " (1).

10 ـ وروى سليمان بن أرقم، عن الحسن وابن سيرين، وابن شهاب الزهري. قالوا: " لما أسرع القتل في قراء القرآن يوم اليمامة قتل منهم يومئذ أربعمائة رجل، لقي زيد بن ثابت عمر بن الخطاب، فقال له: إن هذا القرآن هو الجامع لديننا فإن ذهب القرآن ذهب ديننا، وقد عزمت على أن أجمع القرآن في كتاب، فقال له: انتظر حتى أسأل أبا بكر، فمضيا إلى أبي بكر فأخبراه بذلك، فقال: لا تعجل حتى اشاور المسلمين، ثم قام خطيبا في الناس فأخبرهم بذلك، فقالوا:

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) الروايات التي نقلناها عن المنتخب مذكورة في كنز العمال " جمع القرآن " الطبعة الثانية ج 2 ص 361 عداهذه الرواية، ولكن بمضمونها رواية عن يحيى بن جعدة. (*)

 

===============

(244)

أصبت، فجمعوا القرآن، فأمر أبو بكر مناديا فنادى في الناس: من كان عنده شئ من القرآن فليجئ به.. ". 11 ـ وروى خزيمة بن ثابت. قال: " جئت بهذه الآية: لقد جاءكم رسول من أنفسكم... إلى عمر بن الخطاب وإلى زيد بن ثابت. فقال زيد: من يشهد معك؟ قلت: لا والله ما أدري. فقال عمر: أنا أشهد معه على ذلك ". 12 ـ وروى أبو إسحق، عن بعض أصحابه. قال: " لما جمع عمر بن الخطاب المصحف سأل: من أعرب الناس؟ قيل: سعيد ابن العاص. فقال: من أكتب الناس؟ فقيل: زيد بن ثابت. قال: فليمل سعيد وليكتب زيد، فكتبوا مصاحف أربعة، فأنفذ مصحفا منها إلى الكوفة، ومصحفا إلى البصرة، ومصحفا إلى الشام، ومصحفا إلى الحجاز ". 13 ـ وروى عبد الله بن فضالة. قال: " لما أراد عمر أن يكتب الامام أقعد له نفرا من أصحابه، وقال: إذا اختلفتم في اللغة فاكتبوها بلغة مضر، فإن القرآن نزل على رجل من مضر ". 14 ـ وروى أبو قلابة. قال: " لما كان في خلافة عثمان جعل المعلم يعلم قراءة الرجل، والمعلم يعلم قراءة الرجل، فجعل الغلمان يلتقون ويختلفون، حتى ارتفع ذلك الى المعلمين، حتى كفر بعضهم بقراءة بعض، فبلغ ذلك عثمان فقام خطيبا. فقال: أنتم عندي تختلفون وتلحنون، فمن نأي عني من الامصار أشد اختلافا، وأشد لحنا، فاجتمعوا يا أصحاب محمد فاكتبوا للناس إماما، قال أبو قلابة: فحدثني مالك ابن أنس، قال أبو بكر بن أبي داود: هذا مالك بن انس جد مالك بن أنس. قال: كنت فيمن أملي عليهم فربما اختلفوا في الآية فيذكرون الرجل قد تلقاها

 

===============

(245)

من رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) ولعله أن يكون غائبا أو في بعض البوادي، فيكتبون ما قبلها وما بعدها، ويدعون موضعها حتى يجئ أو يرسل اليه، فلما فرغ من المصحف كتب إلى أهل الامصار أني قد صنعت كذا وصنعت كذا، ومحوت ما عندي، فامحوا ما عندكم ". 15 ـ وروى مصعب بن سعد. قال: " قام عثمان يخطب الناس. فقال: أيها الناس عهدكم بنبيكم منذ ثلاث عشرة وأنتم تمترون في القرآن، تقولون قراءة أبي، وقراءة عبد الله، يقول الرجل والله ما تقيم قراءتك، فاعزم على كل رجل منكم كان معه من كتاب الله شئ لما جاءبه، فكان الرجل يجئ بالورقة والاديم فيه القرآن، حتى جمع من ذلك كثرة، ثم دخل عثمان ودعاهم رجلا رجلا، فناشدهم لسمعت رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) وهو أمله عليك فيقول: نعم، فلما فرغ من ذلك عثمان. قال: من أكتب الناس؟ قالوا: كاتب رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) زيد بن ثابت. قال: فأي الناس أعرب؟ قالوا سعيد بن العاص. قال عثمان: فليمل سعيد، وليكتب زيد، فكتب زيد، وكتب مصاحف ففرقها في الناس، فسمعت بعض أصحاب محمد (صلى الله عليه واله وسلم) يقول: قد أحسن ". 16 ـ وروى أبو المليح. قال: " قال عثمان بن عفان حين أراد أن يكتب المصحف، تملي هذيل وتكتب ثقيف ". 17 ـ وروى عبد الاعلى بن عبد الله بن عبد الله بن عامر القرشي. قال: " لما فرغ من المصحف أتى به عثمان فنظر فيه. فقال: قد أحسنتم وأجملتم، أرى شيئا من لحن ستقيمه العرب بألسنتها ". 18 ـ وروى عكرمة. قال:

 

===============

(246)

" لما أتى عثمان بالمصحف رأى فيه شيئا من لحن. فقال: لو كان المملي من هذيل والكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا ". 19 ـ وروى عطاء: " أن عثمان بن عفان لما نسخ القرآن في المصاحف، أرسل إلى أبي بن كعب فكان يملي على زيد بن ثابت، وزيد يكتب، ومعه سعيد بن العاص يعربه، فهذا المصحف على قراءة أبي وزيد ". 20 ـ وروى مجاهد: " ان عثمان أمر أبي بن كعب يملي، ويكتب زيد بن ثابت، ويعربه سعيد ابن العاص، وعبد الرحمن بن الحرث ". 21 ـ وروى زيد بن ثابت: " لما كتبنا المصاحف فقدت آية كنت أسمعها من رسول الله (صلى الله عليه وآله)  فوجدتها عند خزيمة بن ثابت: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.. إلى تبديلا. وكان خزيمة يدعى ذا الشهادتين أجاز رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) شهادته بشهادة رجلين ". 22 ـ وقد أخرج ابن اشته، عن الليث بن سعد. قال: " أول من جمع القرآن أبو بكر، وكتبه زيد، وكان الناس يأتون زيد بن ثابت، فكان لا يكتب آية إلا بشهادة عدلين، وإن آخر سورة براءة لم توجد إلا مع أبي خزيمة بن ثابت. فقال: اكتبوها فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله)  جعل شهادته بشهادة رجلين، فكتب، وإن عمر أتى بآية الرجم فلم نكتبها لانه كان وحده " (1).

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) الاتقان النوع 18 ج 1 ص 101. (*)

 

===============

(247)

هذه أهم الروايات التي وردت في كيفية جمع القرآن، وهي ـ مع انها أخبار آحاد لا تفيدنا علما ـ مخدوشة من جهات شتى:

 1 ـ تناقض أحاديث جمع القرآن! إنها متناقضة في أنفسها فلا يمكن الاعتماد على شئ منها، ومن الجدير بنا أن نشير إلى جملة من مناقضاتها، في ضمن أسئلة وأجوبة: * ـ متجمع القرآن في المصحف؟ ظاهر الرواية الثانية أن الجمع كان في زمن عثمان، وصريح الروايات الاولى، والثالثة، والرابعة، وظاهر البعض الآخر أنه كان في زمان أبي بكر، وصريح الروايتين السابعة، والثانية عشرة أنه كان في زمان عمر. * ـ من تصدى لجمع القرآن زمن أبي بكر؟ تقول الروايتان الاولى، والثانية والعشرون أن المتصدي لذلك هو زيد بن ثابت، وتقول الرواية الرابعة أنه أبو بكر نفسه، وإنما طلب من زيد أن ينظر فيما جمعه من الكتب، وتقول الرواية الخامسة ـ ويظهر من غيرها أيضا ـ أن المتصدي هو زيد وعمر. * ـ هل فوض لزيد جمع القرآن؟ يظهر من الرواية الاولى أن أبا بكر قد فوض إليه ذلك، بل هو صريحها، فإن قوله لزيد: " إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله (صلى الله عليه وآله)  فتتبع القرآن واجمعه " صريح في ذلك، وتقول الرواية الخامسة وغيرها: إن الكتابة إنما كانت بشهادة شاهدين، حتى ان عمر جاء بآية الرجم فلم تقبل منه. * ـ هل بقي من الآيات ما لم يدون إلى زمان عثمان؟

 

===============

(248)

ظاهر كثير من الروايات، بل صريحها أنه لم يبق شئ من ذلك، وصريح الرواية الثانية، بقاء شئ من الآيات لم يدون إلى زمان عثمان. * ـ هل نقص عثمان شيئا مما كان مدونا قبله؟ ظاهر كثير من الروايات بل صريحها أيضا أن عثمان لم ينقص مما كان مدونا قبله، وصريح الرواية الرابعة عشرة أنه محا شيئا مما دون قبله، وأمر المسلمين بمحو ما محاه. * ـ من أي مصدر جمع عثمان المصحف؟ صريح الروايتين الثانية والرابعة: أن الذي اعتمد عليه في جمعه هي الصحف التي جمعها أبو بكر، وصريح الروايات الثامنة، والرابعة عشرة، والخامسة عشرة، أن عثمان جمعه بشهادة شاهدين، وبأخبار من سمع الآية من رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم). * ـ من الذي طلب من أبي بكر جمع القرآن؟ تقول الرواية الاولى أن الذي طلب ذلك منه هو عمر، وأن أبا بكر إنما أجابه بعد الامتناع، فأرسل إلى زيد وطلب منه ذلك، فأجابه بعد الامتناع، وتقول الرواية العاشرة أن زيدا وعمر طلبا ذلك من أبي بكر، فأجابهما بعد مشاورة المسلمين. * ـ من جمع المصحف الامام وأرسل منه نسخا إلى البلاد؟ صريح الرواية الثانية أنه كان عثمان، وصريح الرواية الثانية عشرة أنه كان عمر. * ـ متى ألحقت الآيتان بآخر سورة براءة؟ صريح الروايات الاولى، والحادية عشرة، والثانية والعشرين أن إلحاقهما كان

 

===============

(249)

في زمان أبي بكر، وصريح الرواية الثامنة، وظاهر غيرها أنه كان في عهدعمر. * ـ من اتى بهاتين الآيتين؟ صريح الروايتين الاولى، والثانية والعشرين أنه كان أبا خزيمة، وصريح الروايتين الثامنة، والحادية عشرة أنه كان خزيمة بن ثابت، وهما رجلان ليس بينهما نسبة أصلا، على ما ذكره ابن عبد البر (1).

* ـ بماذا ثبت أنهما من القرآن؟ بشهادة الواحد، على ما هو ظاهر الرواية الاولى، وصريح الروايتين التاسعة، والثانية والعشرين، وبشهادة عثمان معه، على ما هو صريح الرواية الثامنة، وبشهادة عمر معه، على ما هو صريح الرواية الحادية عشر. * ـ من عينه عثمان لكتابة القرآن وإملائه؟ صريح الرواية الثانية أن عثمان عين للكتابة زيدا، وابن الزبير، وسعيد، وعبد الرحمن، وصريح الرواية الخامسة عشرة أنه عين زيدا للكتابة وسعيدا للاملاء، وصريح الرواية السادسة عشرة أنه عين ثقيفا للكتابة، وهذيلا للاملاء وصريح الرواية الثامنة عشرة أن الكاتب لم يكن من ثقيف وأن المملي لم يكن من هذيل، وصريح الرواية التاسعة عشرة أن المملي كان أبي بن كعب، وأن سعيدا كان يعرب ما كتبه زيد، وهذا أيضا صريح الرواية العشرين بزيادة عبد الرحمن بن الحرث للاعراب.

2 ـ تعارض روايات الجمع: إن هذه الروايات معارضة بما دل على أن القرآن كان قد جمع، وكتب على

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير القرطبي ج 1 ص 56. (*)

 

===============

(250)

عهد رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) فقد روى جماعة، منهم ابن أبي شيبة وأحمد بن حنبل، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، والضياء المقدسي عن ابن عباس. قال: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الانفال وهي من المثاني، وإلى براءة، وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر: " بسم الله الرحمن الرحيم "؟ ووضعتموهما في السبع الطوال، ما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان: إن رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) كان مما يأتي عليه الزمان ينزل عليه السورة ذات العدد، وكان إذا نزل عليه الشئ يدعو بعض من يكتب عنده فيقول: ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وتنزل عليه الآيات فيقول: ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت الانفال من أول ما أنزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها، وقبض رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر: " بسم الله الرحمن الرحيم " ووضعتهما في السبع الطوال (1).

وروى الطبراني، وابن عساكر عن الشعبي، قال: " جمع القرآن على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)  ستة من الانصار: أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وسعد بن عبيد، وأبو زيد وكان مجمع بن جارية قد أخذه إلا سورتين أو ثلاث " (2).

وروى قتادة، قال: " سألت أنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد النبي؟ قال: أربعة كلهم من الانصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد " (3).

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) منتخب كنز العمال ج 2 ص 48.

(2) نفس المصدر ج 2 ص 52.

(3) صحيح البخاري باب القراء من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله)  ج 6 ص 202. (*)

 

===============

(251)

وروى مسروق: ذكر عبد الله بن عمرو عبد الله بن مسعود، فقال: " لا أزال أحبه، سمعت النبي (صلى الله عليه وآله)  يقول: خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأبي بن كعب " (1).

وأخرج النسائي بسند صحيح عن عبد الله بن عمر، قال: " جمعت القرآن فقرأت به كل ليلة، فبلغ النبي (صلى الله عليه وآله)  فقال: اقرأة في شهر... " (2). وستجئ رواية ابن سعد في جمع أم ورقة القرآن. ولعل قائلا يقول وإن المراد من الجمع في هذه الروايات هو الجمع في الصدور لا التدوين، وهذا القول دعوى لا شاهد عليها، أضف إلى ذلك أنك ستعرف أن حفاظ القرآن على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)  كانوا أكثر من أن تحصى أسماؤهم، فكيف يمكن حصرهم في أربعة أو ستة؟!! وإن المتصفح لاحوال الصحابة، وأحوال النبي (صلى الله عليه وآله)  يحصل له العلم اليقين بأن القرآن كان مجموعا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)  وأن عدد الجامعين له لا يستهان به. وأما ما رواه البخاري بإسناده عن أنس، قال: مات النبي (صلى الله عليه وآله)  ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، فهو مردود مطروح، لانه معارض للروايات المتقدمة، حتى لما رواه البخاري بنفسه. ويضاف إلى ذلك أنه غير قابل للتصديق به. وكيف يمكن أن يحيط الراوي بجميع أفراد المسلمين حين وفاة النبي (صلى الله عليه وآله)  على كثرتهم، وتفرقهم في البلاد، ويستعلم أحوالهم ليمكنه أن يحصر الجامعين للقرآن في أربعة، وهذه الدعوى تخرص بالغيب، وقول بغير علم. وصفوة القول: أنه مع هذه الروايات كيف يمكن أن يصدق أن أبا بكر

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) المصدر السابق.

(2) الاتقان النوع 20 ج 1 ص 124. (*)

 

===============

(252)

كان أول من جمع القرآن بعد خلافته؟ وإذا سلمنا ذلك فلماذا أمرزيدا وعمر بجمعه من اللخاف، والعسب، وصدور الرجال، ولم يأخذه من عبد الله ومعاذ وأبي، وقد كانوا عند الجمع أحياء، وقد أمروا بأخذ القرآن منهم، ومن سالم؟ نعم إن سالما قد قتل في حرب اليمامة، فلم يمكن الاخذ منه. على أن زيدا نفسه كان أحد الجامعين للقرآن على ما يظهر من هذه الرواية، فلا حاجة إلى التفحص والسؤال من غيره، بعد أن كان شابا عاقلا غير متهم كما يقول أبو بكر، أضف إلى جميع ذلك أن أخبار الثقلين المتظافرة تدلنا على أن القرآن كان مجموعا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)  على ما سنشير إليه.

3 ـ تعارض أحايث الجمع مع الكتاب: إن هذه الروايات معارضة بالكتاب، فإن كثيرا من آيات الكتاب الكريمة دالة على أن سور القرآن كانت متميزة في الخارج بعضها عن بعض، وان السور كانت منتشرة بين الناس، حتى المشركين وأهل الكتاب، فإن النبي (صلى الله عليه وآله)  قد تحدى الكفار والمشركين على الاتيان بمثل القرآن، وبعشر سور مثله مفتريات، وبسورة من مثله، ومعنى هذا: أن سور القرآن كانت في متناول أيديهم. وقد أطلق لفظ الكتاب على القرآن في كثير من آياته الكريمة، وفي قول النبي (صلى الله عليه واله وسلم): " إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي " وفي هذا دلالة على أنه كان مكتوبا مجموعا، لانه لا يصح إطلاق الكتاب عليه وهو في الصدور، بل ولا على ما كتب في اللخاف، والعسب، والاكتاف، إلا على نحو المجاز والعناية، والمجاز لا يحمل اللفظ عليه من غير قرينة، فإن لفظ الكتاب ظاهر فيما كان له وجود واحد جمعي، ولا يطلق على المكتوب إذا كان مجزء غير مجتمع، فضلا عما إذالم يكتب، وكان محفوظا في الصدور فقط.

 

===============

(253)

4 ـ مخالفة أحاديث الجمع من حكم العقل! إن هذه الروايات مخالفة لحكم العقل، فإن عظمة القرآن في نفسه، واهتمام النبي (صلى الله عليه وآله)  بحفظه وقراءته، واهتمام المسلمين بما يهتم به النبي (صلى الله عليه وآله)  وما يستوجبه ذلك من الثواب، كل ذلك ينافي جمع القرآن على النحو المذكور في تلك الروايات، فإن في القرآن جهات عديدة كل واحدة منها تكفي لان يكون القرآن موضعا لعناية المسلمين، وسببا لاشتهاره حتى بين الاطفال والنساء منهم، فضلا عن الرجال. وهذه الجهات هي:

 1 ـ بلاغة القرآن: فقد كانت العرب تهتم بحفظ الكلام البليغ، ولذلك فهم يحفظون أشعار الجاهلية وخطبها، فكيف بالقرآن الذي تحدى ببلاغته كل بليغ، وأخرس بفصاحته كل خطيب لسن، وقد كانت العرب بأجمعهم متوجهين إليه، سواء في ذلك مؤمنهم وكافرهم، فالمؤمن يحفظه لايمانه، والكافر يتحفظ به لانه يتمنى معارضته، وإبطال حجته.

2 ـ إظهار النبي (صلى الله عليه وآله)  رغبته بحفظ القرآن، والاحتفاظ به: وكانت السيطرة والسلطة له خاصة، والعادة تقضي بأن الزعيم إذا أظهر رغبته بحفظ كتاب أو بقراءته فإن ذلك الكتاب يكون رائجا بين جميع الرعية، الذين يطلبون رضاه لدين أو دنيا.

3 ـ إن حفظ القرآن سبب لارتفاع شأن الحافظ بين الناس، وتعظيمه عندهم: فقد علم كل مطلع على التاريخ ما للقراء والحفاظ من المنزلة الكبيرة، والمقام الرفيع بين الناس، وهذا أقوى سبب لاهتمام الناس بحفظ القرآن جملة، أو بحفظ القدر الميسور منه.

4 ـ الاجر والثواب الذي يستحقه القارئ والحافظ بقراءة القرآن وحفظه: هذه أهم العوامل التي تبعث على حفظ القرآن والاحتفاظ به، وقد كان المسلمون

 

===============

(254)

يهتمون بشأن القرآن، ويحتفظون به أكثر من اهتمامهم بأنفسهم، وبما يهمهم من مال وأولاد. وقد ورد أن بعض النساء جمعت جميع القرآن. أخرج ابن سعد في الطبقات: " أنبأنا الفضل بن دكين، حدثنا الوليد بن عبد الله بن جميع، قال: حدثتني جدتي عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله)  يزورها، ويسميها الشهيدة وكانت قد جمعت القرآن، ان رسول الله (صلى الله عليه وآله)  حين غزا بدار، قالت له: أتأذن لي فأخرج معك أداوي جرحاكم وامرض مرضاكم لعل الله يهدي لي شهادة؟ قال: إن الله مهد لك شهادة... " (1) وإذا كان هذا حال النساء في جمع القران فكيف يكون حال الرجال؟ وقد عد من حفاظ القرآن على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)  جم غفير. قال القرطبي: " قد قتل يوم اليمامة سبعون من القراء، وقتل في عهد النبي (صلى الله عليه وآله)  ببئر معونة مثل هذا العدد " (2).

وقد تقدم في الرواية " العاشرة " أنه قتل من القراء يوم اليمامة أربعمائة رجل على أن شدة اهتمام النبي (صلى الله عليه واله وسلم) بالقرآن، وقد كان له كتاب عديدون، ولا سيما أن القرآن نزل نجوما في مدة ثلاث وعشرين سنة، كل هذا يورث لنا القطع بأن النبي (صلى الله عليه واله وسلم) كان قد أمر بكتابة القرآن على عهده. روى زيد بن ثابت، قال: " كنا عند رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) نؤلف القرآن من الرقاع ". قال الحاكم: " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه " وفيه الدليل الواضح: أن القرآن إنما جمع على عهد رسول الله (3).

وأما حفظ بعض سور القرآن أو بعض السورة فقد كان منتشرا جدا، وشذ

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) الاتقان ـ النوع 20 ج 1 ص 125.

(2) الاتقان ـ النوع 20 ص 122، وقال القرطبي في تفسيره ج 1 ص 50: وقتل منهم " القراء " في ذلك اليوم " يوم اليمامة " فيما قيل سبعمائة.

(3) المستدرك ج 2 ص 611. (*)

 

===============

(255)

أن يخلو من ذلك رجل أو امرأة من المسلمين. روى عبادة بن الصامت قال: " كان رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) يشغل، فإذا قدم رجل مهاجر على رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) دفعه إلى رجل منا يعلمه القرآن " (1).

وروى كليب، قال: " كنت مع علي (عليه السلام) فسمع ضجتهم في المسجد يقرأون القرآن، فقال: طوبى لهؤلاء... " (2).

وعن عبادة بن الصامت أيضا: " كان الرجل إذاهاجر دفعه النبي (صلى الله عليه واله وسلم) إلى رجل منا يعلمه القرآن، وكان يسمع لمسجد رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) ضجة بتلاوة القرآن، حتى أمرهم رسول الله أن يخفضوا أصواتهم لئلا يتغالطوا " (3).

نعم إن حفظ القرآن ولو ببعضه كان رائجا بين الرجال والنساء من المسلمين، حتى أن المسلمة قد تجعل مهرها تعليم سورة من القرآن أو أكثر (4) ومع هذا الاهتمام كله كيف يمكن أن يقال: إن جمع القرآن قد تأخر إلى زمان خلافة أبي بكر، وإن أبا بكر احتاج في جمع القرآن إلى شاهدين يشهدان أنهما سمعا ذلك من رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم).

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) مسند أحمد ج 5 ص 324.

(2) كنز العمال. فضائل القرآن الطبعة الثانية ج 2 ص 185.

(3) مناهل العرفان ص 324.

(4) رواه الشيخان، وأبو داود والترمذي، والنسائي. التاج: ج 2 ص 332.

 

===============

(256)

5 ـ مخالفة أحاديث الجمع للاجماع: إن هذه الروايات مخالفة لما أجمع عليه المسلمون قاطبة من أن القرآن لا طريق لاثباته إلا التواتر، فإنها تقول: إن إثبات آيات القرآن حين الجمع كان منحصرا بشهادة شاهدين، أو بشهادة رجل واحد إذا كانت تعدل شهادتين، وعلى هذا فاللازم أن يثبت القرآن بالخبر الواحد أيضا، وهل يمكن لمسلم أن يلتزم بذلك؟ ولست أدري كيف يجتمع القول بصحة هذه الروايات التي تدل على ثبوت القرآن بالبينة، مع القول بأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، أفلا يكون القطع بلزوم كون القرآن متواترا سببا للقطع بكذب هذه الروايات أجمع؟ ومن الغريب أن بعضهم كابن حجر فسر الشاهدين في الروايات بالكتابة والحفظ (1).

وفي ظني أن الذي حمله على ارتكاب هذا التفسير هو ما ذكرناه من لزوم التواتر في القرآن. وعلى كل حال فهذا التفسير واضح الفساد من جهات: أما، أولا: فلمخالفته صريح تلك الروايات في جمع القرآن، وقد سمعتها. وأما، ثانيا: فلان هذا التفسير يلزمه أنهم لم يكتبوا ما ثبت أنه من القرآن بالتواتر، إذا لم يكن مكتوبا عند أحد، ومعنى ذلك أنهم أسقطوا من القرآن ما ثبت بالتواتر أنه من القران. وأما، ثالثا: فلان الكتابة والحفظ لا يحتاج اليهما إذا كان ما تراد كتابته متواترا، وهما لا يثبتان كونه من القرآن، إذا لم يكن متواترا. وعلى كل حال فلا فائدة في جعلهما شرطا في جمع القرآن. وعلى الجملة لا بد من طرح هذه الروايات، لانها تدل على ثبوت القرآن بغير التواتر، وقد ثبت بطلان ذلك بإجماع المسلمين.

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) الاتقان ـ النوع 18 ص 100. (*)

 

===============

(257)

6 ـ احاديث الجمع والتحريف بالزيادة! إن هذه الروايات لو صحت، وأمكن الاستدلال بها على التحريف من جهة النقص، لكان اللازم على المستدل أن يقول بالتحريف من جهة الزيادة في القرآن أيضا، لان كيفية الجمع المذكورة تستلزم ذلك، ولا يمكن له أن يعتذر عن ذلك بأن حدالاعجاز في بلاغة القرآن يمنع من الزيادة عليه، فلا تقاس الزيادة على النقيصة، وذلك لان الاعجاز في بلاغة القرآن وإن كان يمنع عن الاتيان بمثل سورة من سوره، ولكنه لا يمنع من الزيادة عليه بكلمة أو بكلمتين، بل ولا بآية كاملة، ولا سيما إذ اكانت قصيرة، ولولا هذا الاحتمال لم تكن حاجة إلى شهادة شاهدين، كما في روايا ت الجمع المتقدمة، فإن الآية التي يأتي بها الرجل تثبت نفسها أنها من القرآن أو من غيره. وإذن فلا مناص للقائل بالتحريف من القول بالزيادة أيضا وهو خلاف إجماع المسلمين. وخلاصة ما تقدم، أن إسناد جمع القرآن إلى الخلفاء أمر موهوم، مخالف للكتاب، والسنة، والاجماع، والعقل، فلا يمكن القائل بالتحريف أن يستدل به على دعواه، ولوسلمنا أن جامع القرآن هو أبو بكر في أيام خلافته، فلا ينبغي الشك في أن كيفية الجمع المذكورة في الروايات المتقدمة مكذوبة، وأن جمع القرآن كان مستندا إلى التواتر بين المسلمين، غاية الامر أن الجامع قد دون في المصحف ما كان محفوظا في الصدور على نحو التواتر. نعم لا شك أن عثمان قد جمع القرآن في زمانه، لا بمعنى أنه جمع الآيات والسور في مصحف، بل بمعنى أنه جمع المسلمين على قراءة إمام واحد، وأحرق (البيان ـ 17)

 

===============

(258)

المصاحف الاخرى التي تخالف ذلك المصحف، وكتب إلى البلدان أن يحرقوا ما عندهم منها، ونهى المسلمين عن الاختلاف في القراءة، وقد صرح بهذا كثير من أعلام أهل السنة. قال الحارث المحاسبي: " المشهور عند الناس أن جامع القران عثمان، وليس كذلك، إنما حمل عثمان الناس على القراءة، بوجه واحد، على اختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والانصار، لما خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات، فأما قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف السبعة التي أنزل بها القرآن... " (1).

أقول: أما أن عثمان جمع المسلمين على قراءة واحدة، وهي القراءة التي كانت متعارفة بين المسلمين، والتي تلقوها بالتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنه منع عن القراءات الاخرى المبتنية على أحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف، التي تقدم توضيح بطلانها، أما هذا العمل من عثمان فلم ينتقده عليه أحد من المسلمين، وذلك لان الاختلاف في القراءة كان يؤدي إلى الاختلاف بين المسلمين، وتمزيق صفوفهم، وتفريق وحدتهم، بل كان يؤدي إلى تكفير بعضهم بعضا. وقد مر ـ فيما تقدم ـ بعض الروايات الدالة على أن النبي (صلى الله عليه وآله) منع عن الاختلاف في القرآن، ولكن الامر الذي انتقد عليه هو إحراقه لبقية المصاحف، وأمره أهالى الامصار بإحراق ما عندهم من المصاحف، وقد اعترض على عثمان في ذلك جماعة من المسلمين، حتى سموه بحراق المصاحف.

 

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) الاتقان ـ النوع 18 ج 1 ص 103. (*)

 

===============

(259)

النتيجة: ومما ذكرناه: قد تبين للقارئ أن حديث تحريف القرآن حديث خرافة وخيال، لا يقول به إلا من ضعف عقله، أو من لم يتأمل في أطرافه حق التأمل، أو من ألجأه إليه يجب القول به. والحب يعمي ويصم، وأما العاقل المنصف المتدبر فلا يشك في بطلانه وخرافته.