شبكة علم الإسلام  islamology.com  :: الفهرس 


وتختلف حكمة الخلق والتشريع بالوضوح والخفاء باختلاف نوع المخلوقات والتشريعات فهناك مخلوقات واضحة الحكمة وجلية الفائدة مثل خلق الشمس والقمر والماء والهواء والأرض والسماء ونحو هذا من المخلوقات الكونية التي يتوقف عليها نظام الحياة والأحياء وهناك مخلوقات خفية الحكمة وغير واضحة الغاية مثل الحيات والعقارب والذباب والنمل وكل الحشرات التي يحصل منها الضرر الواضح ولا يظهر للكثير من الناس نفع ظاهر من وجودها .
ومثلها الحوادث الكونية كالزلازل والبراكين والطوفان ونحوها من الحوادث الطبيعية معلومة الضرر ومجهولة النفع .
وفي مقابل هذه المخلوقات والحوادث الطبيعية التشريعات الدينية فهي كالأولى من حيث صدورها من الإله الحكيم ومن حيث ظهور الحكمة وخفائها فمن التشريعات واضحة الحكمة والمصلحة وجوب طلب العلم عيناً أو كفاية بالنسبة إلى الكثير من الأحكام الشرعية التي يحصل بها الإنسان الفرد والمجتمع ـ الكثير من المنافع ويسلم من الكثير من المضار في الدنيا والآخرة .
وكذلك بالنسبة إلى العلوم الحياتية التي يتوقف عليها نظام الحياة واستقرار وضع المجتمع مثل علم الطب والهندسة والكثير من الحرف والمهن .
وأما التفقه في الدين بالنسبة إلى الكثير من الأحكام الشرعية التي يتم بها ويتوقف عليها نظام الدين والدنيا فالحكمة فيه أوضح من أن توضح ويدخل فيه وخصوصاً في هذه الأيام تعلم فنون الحرب وكيفية استعمال الأسلحة المتطورة من أجل الدفاع عن الوطن والدين والمجتمع وكرامة


( 77 )

الإنسان وعزته . لذلك أمر الله به بصريح قوله تعالى :
( وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ )(1) .
ويدخل في إطار التشريعات واضحة الحكمة ـ وجوب الخمس والزكاة ووجوب العدل واستحباب التصدق وإغاثة الملهوف ومساعدة الفقير وحرمة الظلم وأما فريضتا الصوم والصلاة فقد أصبحتا واضحتي الحكمة والمنفعة على ضوء ما كتب حولهما من المؤلفات والأبحاث التي شرحت أسرار العبادات وفوائدها وقد بينت الكثير من فوائد الصوم ومنافعه المادية والروحية في الجزء الثاني من وحي الإسلام حول فلسفة الصيام .
وكذلك فريضة الحج فقد أصبحت الحكمة المقصودة من تشريع وجوبها جلية بصورة عامة وبلحاظ أصل التشريع نظراً لما يترتب على تأديتها من فوائد كثيرة ومنافع عديدة أشار الله سبحانه إليها بقوله :
( وَأَذّن فِي النَّاسِ بِالْحَجّ يَأتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ )(2) .
إلا أن الكثير من شعائر هذه الفريضة المقدسة لا يزال محاطاً بالغموض الأمر الذي قد يسبب التقليل من أهميتها في نظر الكثيرين من المكلفين الذين لم يتعمق في قلوبهم الإيمان بحكمة الله سبحانه وأنه لا يشرع حكماً ولا يخلق شيئاً إلا لحكمة ومصلحة ـ وعدم معرفتنا بها واطلاعنا عليها لا يكشف عن انتفائها وعدم وجودها في لوح الواقع .
____________
(1) سورة الأنفال ، الآية : 60 .
(2) سورة الحج ، الآيتان : 27 و28 .

( 78 )

والشعائر الواجبة في الحج التي كانت ولا تزال محاطة بشيء من الغموض كثيرة .
منها : الإحرام وتقييده بكونه من ميقات معين بالنسبة إلى كل شخص أو جماعة تأتي من مصرها إلى مكة المكرمة حيث قيد إحرامها بالميقات الواقع في طريقها إلى بيت الله الحرام ولا يسمح لأي فرد منهم بعقد الإحرام من مكان آخر سابق عليه أو متأخر عنه إلا للضرورة على تفصيل مذكور في محله من مناسك الحج .
ومنها : التجرد من الثوب المخيط بالنسبة إلى الرجل وارتداء ثوبي الاحرام المشروطين بنوعية معينة مع اشتراط ارتدائهما بكيفية خاصة وكذلك الأمر بالنسبة إلى الطواف وقيوده من حيث كمية أشواطه ومكان ابتدائه وانتهائه وكيفية الإتيان به .
ونفس الشيء يقال في السعي وعدد أشواطه وقيود أمتثاله من حيث البداية والنهاية وتزداد الغرابة والحيرة في استحباب الهرولة التي يخرج بها الحاج عن وقاره وهيبته ويقرب منها في الغرابة والاستغراب الرمي والذبح في هذه الأيام التي تحرق فيها الذبائح أو تدفن ولا يترتب على ذبحها أي أثر إيجابي في حق الحاج نفسه أو في حق غيره .
وحيث أن خفاء الحكمة وعدم ظهورها في تشريع الأحكام قد يسبب التشكيك في الحكمة الإلهية والتسامح في تأدية الوظيفة الشرعية من قبل الكثيرين الذين لم يتوفقوا لتحصيل العقيدة الراسخة والإيمان الجازم بعدالة الله وحكمته .
فقد مست الحاجة واقتضت المصلحة القوية أن يُكشف النقاب عن وجه الحكمة والسر في تشريع الأحكام قدر الإمكان ولو على وجه


( 79 )

الإيجاز ، وتقوى الحاجة لذلك بقدر ما يكون الغموض شديداً والخفاء عميقاً كما هو الملحوظ بالنسبة إلى الكثير من شعائر الحج .
وسأحاول جاهداً كشف الحيرة وترسيخ الثقة بعدالة الله سبحانه وحكمته وبيان أن عدم وضوح الحكمة في بعض الموارد لا يقتضي التشكيك في واقعيتها وربما كانت هناك حكمة اقتضت إخفاء السر والحكمة الداعية للتشريع من أجل تقوية روح العبودية عند المكلف ليكون انطلاقه في طريق الامتثال والقيام بوظيفة العبودية لمجرد صدور التكليف الإلهي بذلك بقطع النظر عن حكمة هذا التشريع التي كانت السبب الداعي لصدوره من المولى الحكيم سبحانه وتعالى وخلاصة هذا البيان الذي قدمته تمهيداً للدخول في الحديث حول السر والحكمة التي انطلق التشريع منها .
هي أن المطلوب من المكلف الذي عزم على الانطلاق في طريق تأدية فريضة الحج المباركة ـ هو أن يكون مؤمناً عن وعي واقتناع بأصول الدين المعهودة وما يتفرع عنها ويلزمها من الصفات الكمالية والجلالية اللازمة لكماله المطلق .
ومن أبرزها علمه بحقيقة الإنسان من حيث الخلق والطبيعة لأنه خالقه ومبدعُه ولذلك يعلم ما ينفعه ويصلحه ويصلح له من النظام والشريعة وعلى هذا الأساس يكون كل تشريع يضعه الله للإنسان ـ منطلقاً من حكمة ترتبط به وتعود إليه بمقتضى كونه حكيماً لا يشرع بدون هدف وغاية حكيمة وحيث أنه غني بالغنى المطلق الذي يقتضي استغناءه عن كل شيء واحتياج كل شيء إليه ـ يتعين رجوع الحكمة المتمثلة بحصول المصلحة ودفع المفسدة إلى الإنسان الذي وضعت الشريعة من أجله .


( 80 )

وقد مرت الإشارة إلى أن هذه الحكمة تختلف بالوضوح والخفاء باختلاف الموارد والتشريعات فقد تكون واضحة جلية في بعضها وخفيةً في بعضها الآخر .
كما أن محل ترتبها مرة يكون عمل المكلف وامتثاله الحكم الشرعي بالفعل أو الترك كما هو الغالب في الأحكام المجعولة .
وقد يكون نفس الجعل وأصل صدور التشريع من المولى بحيث يترتب الغرض المقصود منه بمجرد صدوره عنه سبحانه وإن لم يحصل عمل وامتثال من المكلف خارجاً وذلك هو دور الأحكام الامتحانية التي صدرت من المولى بقصد امتحال المكلف وإظهار واقع إيمانه ودرجة التزامه بالوظيفة الشرعية .
وإنما عبرت بكلمة الإظهار بدل كلمة الظهور بلحاظ أن الامتحان الصادر من المولى لعبيده لا يكون بقصد ظهور حالهم له بعد خفائه عنه لما هو المعلوم بالوجدان الإيماني من كونه سبحانه عالماً بكل شيء وإنما يكون امتحانه لهم بقصد إظهار واقعهم وكشفه للآخرين وربما يكون بقصد كشفه لأنفسهم أيضاً بالنسبة إلى البعض الذين يعتقدون بإدراكهم الدرجة الرفيعة من الإيمان والالتزام في الظروف الطبيعية ويترجمون هذا بإبداء الاهتمام بالشعائر الدينية حتى إذا تغيرت الأوضاع وتبدل الرخاء بالشدة والهدوء والسلام بالحرب والآلام .
ظهروا على واقعهم وتبين أن التزامهم بخط الدين كان التزام تجارة وتعامل كسب وربح مادي دنيوي ـ بدليل تبدل موقفهم وتغير تصرفهم من الاستقامة إلى الإنحراف عن منهج التقوى بالسلوك والممارسة ليكونوا بهذا وذاك مصداقاً لقوله تعالى :


( 81 )

( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيرٌ أطْمَأَنَّ بِهِ وَإنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالأَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسرَانُ المُبِينُ )(1) .
وعلى العكس التام من ذلك المؤمنون الواعون الذين يدركون بوعي وعمق أن الله سبحانه هو مصدر الخير المطلق وعنوان الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء وعلى هذا يؤمنون بأن الخير إذا حصل لهم فهو بفضله وتوفيقه ويقابلون تفضله هذا بالشكر العملي وذلك بصرف نعمته في سبيل إطاعته الواجبة أو المستحبة وإذا ضموا إلى الشكر العملي الشكر القولي فهو نور إلى نور .
وإذا طرأت عليهم مصيبة بسبب مخالفتهم النظام التشريعي ـ عرفوا مصدرها وأنهم السبب في حصولها لهم ولذلك يندمون على ما فرطوا في جنب الله ويعودون إليه سبحانه من باب التوبة ويدركون بوعيهم الإيماني عدم صدورها لهم من قبله تعالى لا بالتشريع ولا بالتقدير والتخطيط الإلهي كما يفهم ذلك بوضوح من صريح قوله تعالى مخاطباً الأشخاص الذين انحرفوا عن منهج التقوى فأصيبوا نتيجة انحرافهم ببعض الابتلاءات :
( ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُم وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلعَبِيدِ )(2) .
وإن كان حصول المصيبة لهم بقدر وقضاء من السماء ولم يكن حاصلاً من الأرض وأهلها ـ فسروا ذلك بأنه امتحان إلهي يريد الله به إظهار مقامهم وأنهم من المؤمنين الصابرين على البلاء والراضين بالقدر والقضاء ـ كما يريد به تعريضهم وإعدادهم لنيل الدرجان الرفيعة والمراتب العالية التي لا ينالها في دار الخلود والسعادة الأبدية إلا المؤمنون الصابرون .
____________
(1) سورة الحج ، الآية : 11 .
(2) سورة آل عمران ، الآية : 182 .

( 82 )

وإذا كان المؤمنون الممتحنون بالابتلاء غير معصومين وواقعين بسبب ذلك ببعض الأخطاء والانحراف عن منهج الاستقامة يكون ابتلاؤهم بالمصائب من أجل تمهيد السبيل أمامهم لنيل فائدة الصبر التي تتمثل بتكفير السيئات ومضاعفة الحسنات وعلى هذا الأساس لا يكون الابتلاء السماوي والامتحان الإلهي مصيبةً في نظر المؤمنين بعد ملاحظة النتائج الإيجابية التي يصلون إليها ويحصلون عليها ببركة رضاهم بالقضاء وصبرهم على البلاء .
وقد تحدث الله سبحانه عنهم وبين مصيرهم المشرق وعاقبتهم الحسنة التي توفقوا لها نتيجة صبرهم الجميل وذلك بقوله تعالى :
( وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّن الأَمْوالِ وَالأَنفُسِ وَالْثَمَراتِ وَبَشِّر الصّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا للَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِم صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُهْتَدُون )(1) .
والحاصل من مجموع ما تقدم أن المؤمن الواعي قوي الإيمان يبقى مع الله سبحانه باستقامته في خط عبادته والانقياد لإرادته والرضا بمشيئته في كل الظروف والأحوال .
فإذا كان في حالة نعمة عرف واعترف بأنها من الله تعالى وفضله وذلك لقوله تعالى : ( وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ )(2) .
وأن الله تعالى إنما مَنَّ بها عليه ليستعين بها على عبادته وإطاعته كما أمره وذلك بإنفاقها وصرفها في سبيل الواجب أو المستحب وبذلك ينال
____________
(1) سورة البقرة ، الآية : 155، 156، 157 .
(2) سورة النحل ، الآية : 53 .

( 83 )

ثواب صرفها في إطاعته تعالى كما ينال ثواب تقواه وعدم صرفها في سبيل معصيته مضافاً إلى ما يناله من الجزاء المعجل المتمثل بزيادة النعمة نتيجة شكره له تعالى بالشكر العملي وذلك هو صريح قوله تعالى :
( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ )(1) .
ومن نتائج صرف نعمة الله سبحانه في سبيل إطاعته بالإنفاق الواجب أو المستحب ـ دفع البلاء عن المؤمن المنفق في هذا السبيل لما هو المشهور المأثور في الكثير من الروايات من أن الصدقة تدفع البلاء وقد أُبرم إبراما ) .
وقد تحدثت حول هذا الموضوع مفصلاً في عدة محاضرات منشورة في الجزء الأول من كتاب ( من وحي الإسلام ) .
منها : محاضرة حول ( دور الزكاة والإحسان في سعادة الإنسان ومنها محاضرة أخرى تحت عنوان ( التجارة الرابحة في الدنيا والآخرة ) وبعد أن يحمل المؤمن الواعي عقيدته الراسخة بعدل الله سبحانه وأنه لا يظلم أحداً ولا يكلفه فوق طاقته وأنه حكيم لا يخلق شيئاً بلا حكمه ولا يشرع حكماً بلا غاية وفائدة ترجع إلى المكلف بحصول مصلحة أو دفع مفسدة أجل : بعد أن يحمل المؤمن الواعي عقيدته الثابتة ـ نوراً مشرقاً في عقله وإيماناً ثابتاً في قلبه يقوى التزامه النفسي بأحكام الشريعة وينظر إليها بعين الاعتبار والتقديس لصدورها من لدن حكيم عليم لم يشرعها إلا رحمة للعالمين .
وعدم ظهور الحكمة له في بعض التشريعات لا يقلل من أهميتها في نظره ولا يضعف التزامه بها إيماناً وعملاً .
____________
(1) سورة ابراهيم ، الآية : 7 .

( 84 )

ولذلك فهو لا يسأل ولا يهتم إلا بإحراز أصل صدور التشريع من الله سبحانه ـ باجتهاده أو بتقليده ـ ليبادر إلى امتثاله وإن لم يعرف وجه الحكمة في تشريعه بعد اعتقاده بالأصل الموضوعي العام وهو أن الله سبحانه لا يشرع بلا حكمة كما لا يخلق بلا هدف وغاية .
وحيث أن النفس البشرية مطبوعة على حب الاطلاع ومعرفة أسرار الخلق والتشريع ولو إجمالاً وبحسب الظاهر . فقد أُلفت عدة كتب تناولت بيان السر والحكمة في خلق العديد من المخلوقات وتشريع الكثير من الأحكام والقوانين من قبل الله سبحانه الخالق المبدع والمنظم المشرع .
ويأتي كتاب توحيد ( المفضل الذي أملاه الإمام الصادق عليه السلام على تلميذه المفضل بن عمر الجعفي ) ـ في الطليعة بين الكتب التي ألفت بقصد الإشارة إلى الحكمة والسر في اصل الخلق والإيجاد لهذا العالم مع بيان الحكمة في كيفية وخصوصية كل مخلوق من المخلوقات فيه ـ ليبرهن بذلك على وجود الخالق العظيم الحكيم لهذا الكون والمدبر المسير لنظامه التكويني ليسير دائماً وفق قانون تكويني يضبط تحركاته ويسيرها في طريق الهدف الذي أوجدها من أجله وهو خدمة الإنسان ومساعدته على تحقيق الغاية السامية التي أوجده الله من أجلها وهي عبادته وحده لا شريك له ) .
وكذلك كتاب علل الشرائع للصدوق ( قده ) قد ألف للغاية المذكورة ويفترق عن الأول بكشفه عن الكثير من أسرار التشريع مع العديد من أسرار الخلق في الكثير من المخلوقات على اختلاف أنواعها مع بيان السر والحكمة في الكثير من الحوادث والقضايا المتنوعة بينما يقتصر كتاب التوحيد على بيان سر الخلق وحكمته في مجموع أنواع المخلوقات ابتداءً بخلق الإنسان ومروراً بالحيوان والنبات والجمادات السماوية والأرضية


( 85 )

وانتهاءً ببعض الحوادث التكوينية كالموت والفناء والآفات ونحو ذلك وقد أُلفت مُؤخراً كتب عديدة للغاية المشار إليها إما في التشريع العام الشامل للعبادات والمعاملات بمعناها العام كما في كتاب ( حكمة التشريع وفلسفته ) لفضيلة الشيخ علي أحمد الجرجاوي أحد علماء الأزهر ـ أو في إطار العبادات وحدها كما في كتاب ( العبادة في الإسلام ) لفضيلة الشيخ يوسف القرضاوي .
وهناك كتب جديدة عديدة تناولت الحديث عن العبادات وفلسفة تشريعها في الإسلام ضمن أبحاث إسلامية متنوعة من جملتها كتاب ( الإسلام عقيدة وشريعة ) لفضيلة الشيخ محمود شلتوت .
وانطلاقاً من الشعور بالمسؤولية نحو شرعنا المجيد وجيلنا الجديد أحببت المساهمة مع إخواني الإسلاميين الذين كتبوا حول الإسلام وتشريعاته الكاملة العادلة بقصد بيان مرونته وقدرته على مواكبة التطور والإنطلاق في ركاب الحضارة الجديدة ليحقق للسائرين على نهجه والمستقيمين في خطه كل ما يرغبون فيه ويصبون إليه من تطلعات مشروعة وأهداف سامية تلتقي مع هدفه الكبير .
كما حقق للأمة ذلك في مطلع فجر الدعوة المحمدية حتى أصبحت خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف بعد فعله وتنهى عن المنكر بعد تركه كما وصفها الله سبحانه في كتابه المجيد بقوله تعالى :
( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاس تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤمِنُونَ بِاللهِ )(1) .
ومن المعلوم أن إعطاء الصورة المشرقة عن الإسلام التي تنير العقول
____________
(1) سورة آل عمران ، الآية : 110 .

( 86 )

وتهذب النفوس يتمثل بمجموع أمرين .
الأول كشف ما أثير حوله من شبهات والثاني بيان ما يترتب على تطبيقه فعلاً ويمكن أن يترتب عليه في المستقبل من إيجابيات مع تأكيد ذلك ببيان ما حصل من هجره وتطبيق غيره من القوانين الوضعية ـ من السلبيات في مختلف المجالات .
وقد أشار الله سبحانه إلى كلا الأثرين الإيجابي المترتب على تطبيقه والسلبي الناشىء من عدمه ـ وذلك بصريح قوله تعالى :
( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءامَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ )(1) .
وتأتي سورة العصر لتكون مؤكدة لهذه الحقيقة الموضوعية حيث قال سبحانه :
( وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ ءامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ )(2) .
وقد أشرت إلى مضمون هذه السورة المباركة بالأبيات التالية :

والعصر إن المرء في خسـران * وشقاوة ومذلة وهـــــوان
إلا الألى عـرفـوا الإله وطبقوا * نهج الهــدى وشريعة القرآن
وغدا يُوصي بعضُهم بعضاً هنا * بالحق والـصبر الجميل الباني

وقد ألفت كتب عديدة ومفيدة للقيام بدور كشف الشبهات التي أثيرت حول الدين الإسلامي ـ منها كتاب شبهات حول الإسلام للأستاذ
____________
(1) سورة الأعراف ، الآية : 96 .
(2) سورة العصر ، الآيات : 1 ـ 3 .

( 87 )

محمّد قطب .
وبعد التأمل الواعي ندرك أن مصدر تلك الشبهات هو ضعف العقيدة الإيمانية والمعرفة الواعية لأهمية الرسالة الإسلامية ودورها الرائد في سعادة الإنسان وإسعاده فرداً ومجتمعاً مادياً ومعنوياً دنيوياً وأخروياً .
ولذلك ركزت على بيان هذا الدور في كتاب ـ من وحي الإسلام بجزئيه الأول والثاني وفي هذا الكتاب أيضاً لأن دفع الشبهة بإزالة مصدرها يكون علاجاً جذرياً لها ورافعاً لها من الأساس والله ولي التوفيق والهادي إلى سواء السبيل وهو حسبنا ونعم الوكيل.


( 88 )

بيان الحكمة في أصل وجوب الإحرام
وتقييده بمكان الميقات
مع بيان الحكمة في وجوب التلبية

إن الإحرام للحج أو العمرة من الميقات هو أول واجب يقوم به الحاج أو المعتمر وحيث أننا عزمنا على بيان الحكمة والسر في أصل تشريع وجوب الحج بصورة عامة وتشريع كل واحد من مناسكه المعهودة بصورة خاصة فلابد لنا من الإشارة إلى الحكمة في ذلك إجمالاً بالنسبة إلى أصل التشريع وتفصيلاً بالنسبة إلى كل واحد من مناسكه .
وقبل الشروع ببيان ذلك بالنسبة إلى مناسك الحج ـ موضوع البحث أحب أن أمهد بمقدمة مختصره أبين فيها الحكمة في أصل تشريع العبادات بصورة عامة والسر في إلزام المكلف وتعبده بها بكيفيتها الخاصة فأقول :
إن المتأمل في الجانب التعبدي البارز في تشريع هذه الفريضة المباركة أي فريضة الحج ـ يدرك أن الحكمة في تشريع وجوبها هو نفس الحكمة الداعية لتشريع سائر العبادات وهي تقوية روح العبودية في حياة الإنسان المؤمن ليبقى على حالة عبادة لله سبحانه وانقياد إليه في جميع تصرفاته الاختيارية .
فالله لم يأمر المكلف بالتعبد له بالصلاة بكيفيتها الخاصة إلا من أجل


( 89 )

أن ينتقل من ممارستها والمحافظة عليها ـ شكلاً ومضموناً ـ إلى الصلاة بمعناها الواسع الشامل المتمثل بالخضوع الكلي والاتصال الدائم بذاته تعالى فكرياً بالتفكر والتدبر فيما يرضي الله تعالى وروحياً بالتعلق والمحبة ونفسياً بالتقرب إليه بكل الممارسات المحبوبة له سبحانه مع ترك كل ما ينافي ذلك التقرب إليه ويحجب عنه وهذا معنى أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر .
وهكذا الصوم لم يوجبه الله تعالى على المكلف شهراً في السنة إلا من أجل التحول من معناه المحدود المتمثل بالإمساك عن تلك المفطرات المحدودة ضمن الأيام المعدودة ـ إلى الصوم بمعناه العام المتمثل بالإمساك التام عن كل حرام في جميع الشهور والأيام وهذا هو المقصود بالتقوى التي جعلها الله سبحانه غاية لوجوبه حيث قال تعالى :
( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )(1) .
ونفس الشيء يقال بالنسبة إلى تشريع وجوب الزكاة والخمس ونحوهما من الفرائض المالية فالله سبحانه قد أوجب مقداراً من المال في الفريضتين المذكورتين ـ الخمس والزكاة ـ ليتعود المكلف على البذل والعطاء من كل ما يملك من الثروة المالية أو المعنوية كالعلم والجاه والمنصب كما يستفاد من قوله تعالى في أول سورة البقرة :
( الم * ذَلِكَ الكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِّلمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤمِنُونَ بِالغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ )(2) .
____________
(1) سورة البقرة ، الآية : 183 .
(2) سورة البقرة ، الآيات : 1 و2 و3 .

( 90 )

وذلك لأن الله كريم يريد من عبده المؤمن أن يتخلق بأخلاقه بصورة عامة وصفة الكرم بصورة خاصة باعتبار أنها أرفع وأنفع صفة يتجمل بها الإنسان الرسالي المثالي في هذه الحياة نظراً لما يترتب عليها من الفوائد الهامة العامة للكريم الباذل ولسائر أفراد المجتمع .
وخصوصاً في الوقت الذي تشتد فيه الأزمة الاقتصادية وتشمل سلبياتها الكثيرين من المستضعفين كما في هذه الأيام .
وقد بينتُ تلك الفوائد المترتبة على دفع الزكاة ونحوها من أنواع البر والإحسان في الجزء الأول من وحي الإسلام (تحت عنوان دور الزكاة والإحسان في سعادة الإنسان) صفحة 60 .
وذكرت فيه أن الفوائد الراجعة إلى الباذل المحسن أكثر من المنافع العائدة إلى الآخذ .
وعلى ضوء إدراك الحكمة من تشريع وجوب الزكاة والخمس ونحوهما من الفرائض المالية ـ وهي التجمل بصفة الكرم دائماً ببذل ما يتيسر وخصوصاً عندما يطلب السائل المحتاج ذلك ـ نعرف أن تأدية الفريضة المالية إذا تجردت عن صفة الكرم التي يتجاوز بها المؤمن الكريم البذل الواجب إلى المستحب ولو بالقليل الأفضل من الحرمان ـ تكون ناقصة بتراء ما دامت لم تؤثر أثرها المنشود ولم تحقق غايتها المقصودة فهي تكون كالصلاة التي لا تنهى عن الفحشاء والمنكر والصوم الذي لا يؤدي إلى صفة التقوى .
وهكذا الحج إذا تجرد عن هدفه الأصيل ولم يحقق صفة التقوى المقصودة منه كما يفهم من سياق بعض الآيات الواردة في مقام الحديث عن فريضة الحج مثل قوله تعالى :


( 91 )

( وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَأتَّقُونِ يَأُوْلِي الأَلْبَابِ )(1) .
ومثل هذه الآية آية أخرى واردة في مقام بيان الحكمة من تشريع وجوب الهدي على من كانت فريضته حج التمتع وهي قوله تعالى :
( لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَآؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ )(2) .
وخلاصة القول في المقام أن الله سبحانه لم يشرع العبادات الخاصة إلا من أجل أن تكون فروضاً تمرينية طُلبت من المكلف من أجل أن يتوصل بها إلى تقوية العقيدة والإيمان بالله سبحانه ليبقى على حالة خضوع دائم وعبادة مستمرة بفعل ما اُمر به وترك ما نُهي عنه وهذا ما يعبر عنه بالتقوى والعبادة بمعناها العام الشامل لكل تصرف اختياري يصدر من المكلف بإرادته واختياره وفق إرادة الله تعالى .
وعلى ضوء هذه الحقيقة الإيمانية ندرك أن الحج لم يشرع وجوبه بصفته الخاصة إلا من أجل التوصل به إلى الحج العام الذي يتمثل بالإحرام العام الذي يقتضي كل التروك الواجبة ولا ينحصر بتروك الإحرام الخاصة المعهودة .
كما يتمثل بالطواف العام والسعي الدائم والوقوف المستمر في عرفات التقوى ومشعر الاستقامة مع رمي كل الشياطين بكل الممارسات المستقيمة في خط الهدى والمنحرفة عن درب الهوى ـ ومع ذبح هوى النفس الأمارة بالسوء والمحرك لها في طريق المعصية ـ من شياطين الإنس والجن .
____________
(1) سورة البقرة ، الآية : 197 .
(2) سورة الحج ، الآية : 37 .

( 92 )

هذا ما اقتضت المصلحة الإشارة إليه إجمالاً وإليك التفصيل فيما يلي بالحديث عن الحكمة في تشريع كل منسك من مناسك الحج وشعائره المقدسة وبالاختصار قدر الإمكان فأقول :
إن الإحرام من الميقات هو أول خطوة يخطوها الحاج أو المعتمر على درب التعبد لله سبحانه بهذه الفريضة المقدسة .
وهنا يقع السؤال أولاً عن السر في أصل تشريع وجوب الإحرام وثانياً عن الحكمة في تقييده بكونه من مكان معين وهو الميقات الذي يقع في طريق الحاج أو المعتمر بحيث لا يجوز له الإحرام من مكان آخر كما لا يجوز له تقديمه عليه ولا تأخيره عنه بدون مبرر شرعي وجواب السؤال الأول يظهر من معرفة الحكمة العامة في أصل التعبد بالشعائر الدينية وهي استفادة المكلف درساً تربوياً في العبودية الخاضعة والعبادة الخاشعة لله سبحانه في محراب الحياة لذلك يصدر التكليف من المولى في أغلب الأحيان ـ بأمر من الأمور ويحيطه ببعض القيود والحدود التعبدية ليتمرن العبد على الخضوع والتعبد بامتثاله مع التقيد والتعبد بقيوده حتى وإن لم يعرف السر في أصل التكليف والإلزام بتلك القيود مع لزوم إيمان المكلف بحكمة الله سبحانه كما سبق وأنه لذلك لا يشرع حكماً بلا غاية وحكمة كما لا يخلق شيئاً بدون غرض وهدف .
ولذلك لا يتوقف المؤمن عن الامتثال لمجرد عدم الاطلاع التفصيلي على الحكمة الخاصة في تشريع هذا الحكم أو ذاك .
وإذا كان المعروف والمشهور في النظام العسكري للبشر أن يقال للجندي : نفذ ثم اعترض ـ فالمناسب للنظام السماوي المشرع من قبل المولى الحقيقي والقائد الواقعي وهو الله تعالى : أن يقال للعبد المؤمن :


( 93 )

نفذ ولا تعترض لأن اعتراض العبد المخلوق على خالقه يتضمن اتهامه بفقد الحكمة والغرض العقلائي فيما أمره بفعله أو نهاه عنه وهذا يتنافى مع ما يجب أن يكون الإنسان المؤمن متصفاً به من الإيمان بالحكمة البالغة والكمال المطلق لله تعالى .
لذلك نفى الله سبحانه صفة الإيمان عمن لا يحكمون الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم فيما شجر بينهم وحصل له من الخلاف والاختلاف ليحسمه بالحكم السماوي الكامل والقضاء العادل الذي يجب عليهم التسليم له والرضا به بحيث لا يكون هناك أي حرج وانفعال عاطفي من حكم الله وقضائه .
وقد تمثل نفي صفة الإيمان عمن لا يقفون الموقف الإيجابي المسلِّم لله تعالى وللرسول صلى الله عليه وآله وسلم في حسم نزاعهم وحل مشكلاتهم بصريح قوله تعالى :
( فَلاَ وَرَبِّكَ لا يُؤمِنُونَ حَتَّى يَحْكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) (1) .
وإلى هذا المعنى أشار الشاعر الحكيم السيد أحمد الصافي النجفي رحمه ا‏لله بقوله :

يعترض العقل على خالق * من بعض مخلوقاته العقل ؟

وقد أكد الله سبحانه مضمون الآية المذكورة بقوله تعالى :
( لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ )(2) .
____________
(1) سورة النساء ، الآية : 65 .
(2) سورة الأنبياء ، الآية : 23 .

( 94 )

والحكمة التي يمكن أن تكون المصدر لتشريع وجوب الإحرام من الميقات المحدد للحاج او المعتمر على ضوء بعض الروايات والتوجيهات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام .
هي التعبد لله سبحانه ولفت نظر الزائر لبيت الله الحرام أنه عندما يصل إلى الميقات يُطلبُ منه أن يُحضر في ذهنه صورة الإقدام على دخول حرم الله وأمنه الذي جعل الله له أحكامه الخاصة وقدسيته المميزة ليستشعر بذلك عظمة الله تعالى وجلالته ويصحب معه هذه الحالة عند قيامه بأي منسك من مناسك الحج باعتبار أن الإحرام هو بداية أعمال هذه الفريضة المباركة نظير تكبيرة الإحرام في الصلاة .
وحتى يتعمق هذا الشعور في نفس الوافد إلى بيت الله سبحانه ـ طُلب منه أن يغير وضعه الخارجي من الحالة التي هي من شؤون الدنيا وأهلها مثل ارتداء الملابس المخيطة وتغطية الرأس بالنسبة إلى الرجل مع ارتداء ثوبين غير مخيطين للإحرام بالنسبة له أيضاً .
وذلك من أجل أن يتذكر يوم وفاته حيث يُجرد من ملابسه الحياتية العادية ويُلف بقطع الكفن الثلاث المعهودة غير المخيطة وذلك يزيده خضوعاً لله سبحانه وخشوعاً بين يديه وزهداً في زخارف هذه الحياة الزائلة وزينتها الفانية ليبدل ذلك بالرغبة فيما ينفعه ويرفعه في كلتا الدارين .
ويأتي النطق بصيغة التلبية ليكون تعبيراً عن الاستعداد النفسي لتلبية كل نداء يوجه إليه ويتضمن طلب فعل أو ترك عمل وتتمثل هذه التلبية والإجابة العملية بامتثاله التكاليف الشرعية الموجهة إليه حال إحرامه وانطلاقه في طريق تأدية فريضة الحج وهي قسمان :
الأول : التكاليف الإلزامية المتمثلة بمحرمات الإحرام وواجبات


( 95 )

الحج الثاني التكاليف الترخيصية التمثلة بمستحبات الحج والعمرة ومكروهاتهما ويُطلب من المكلف عندما يقوم بهذين العملين المباركين ( وهما الحج والعمرة ) أن يلتفت إلى أن كل واحد منهما يعتبر دورة تدريبية رياضية يراد بها تقوية روح العبودية في نفس المسلم ليبقى على حالة تلبية دائمة وإجابة مستمرة لكل نداء شرعي وتكليف إلهي في كل الأوقات بتركه المحرمات العامة كما ترك محرمات الإحرام حال تلبسه به مع فعله كل واجب مطلوب منه كما فَعَلَ واجبات الحج .
وبذلك يُعرف أن فريضة الحج تحمل في طيها فريضة الصوم والصلاة والخمس والزكاة والجهاد في سبيل الله تعالى .
وذلك لأن تروك الإحرام نوع من الصوم والإمساك طُلِبَ من المكلفين في وقت معين وهو وقت تلبسه بالإحرام كما يُطلبُ منه الإمساك عن المفطرات المحدودة ضمن الأيام المعدودة من أجل أن يتوصل الحاج والصائم ويتحول من الإمساك الخاص عن المحرمات والمفطرات الخاصة إلى الإمساك العام عن كل حرام في كل الشهور والأيام ويعبر عن ذلك بالتقوى التي جعلت الغاية الباعثة لتشريع فريضتي الحج والصيام كما تقدم بيانه مفصلاً .
وكذلك يوجد في الحج صلاة الطواف مضافاً إلى أنه في نفسه صلاة وعبادة لله تعالى بالمعنى العام للعبادة والخضوع لإرادة الله سبحانه وهو ـ أي الحج ـ يقتضي بطبعه بذل المال ثمناً للهدي مع سائر المصارف التي تقتضيها طبيعة الحج قبل السفر إلى مكان مناسكه وأثناءه وبعده كما هو معلوم .
وبذلك كان شبيهاً يفريضتي الخمس والزكاة كما أنه شبيه بالجهاد بسبب ما يقتضيه بذاته من المشقة والعناء مع تعرض الحاج للكثير من


( 96 )

الأضرار والأخطار التي تؤدي إلى الوفاة ومفارقة هذه الحياة كما يتعرض المجاهد لذلك في الغالب وبالنسبة إلى الكثيرين من الحجاج ولذلك يُودع المسافر في هذا السبيل بالدموع والتهيب من حدوث حالة الموت أو الضياع والفقدان ونحو ذلك من الأخطار المثيرة للخوف والقلق لدى أكثر الناس .
ثم إن تجرد المحرم من الثوب المخيط بالنسبة إلى الرجل ـ لا يترتب عليه أثره المنشود إلا إذا اقترن بتجرد فكره من الشبهات التي تحجب عنه رؤية الحقيقة في العقيدة والشريعة والممارسة مع تجرد قلبه من الميل والرغبة في ممارسة المحرمات التي تدفعه للخروج من حرم العبودية والانطلاق في ميدان الأهواء المنحرفة والرغبات المتطرفة .
وذلك لأن الإنسان ليس بجسمه المادي وإنما هو بروحه الطاهرة ونفسه المطمئنة وقلبه السليم وطُلب منه التجرد من الملابس المادية المخيطة ليكون ذلك رمز التجرد من كل الصفات الذميمة والمعاني الوضيعة فيكون باطنه مطابقاً لظاهره .
وبذلك تثبت مصداقية صدقه في إيمانه وواقعيته في تعبده .
ومن النتائج الإيجابية المترتبة على تجرد الناسك من الملابس العادية المخيطة المتعارفة ـ عودته إلى حالته الأولية التي يلتقي بها مع سائر أفراد البشر عندما تسقط كل الامتيازات وتزول كل الحواجز الجغرافية والقومية والعنصرية والمذهبية والمميزات الاجتماعية التي تصنف الناس إلى فئات وطبقات متمثلة بطبقة الأغنياء والفقراء وطبقة الرؤساء والمرؤوسين وطبقة البيض والسود كما هو السائد في بلاد الغرب وحكوماتها العنصرية .
وبنزع الملابس العادية المميزة لهذه الطبقات بعضها عن بعض يبرز


( 97 )

المجتمع أمام الخالق المعبود الواحد ـ بثوب واحد على صعيد واحد مرددين شعاراً واحداً .
( لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك ) .

الدروس التربوية التي تمليها مدرسة الحج الإسلامية :
وحيث أن الغاية المقصودة من ممارسة شعائر الحج هي استلهام الدروس التربوية التي تصهر أفراد المجتمع الإسلامي في بوتقة الرسالة الإسلامية المجيدة لتجعل منهم خير أمة أخرجت للناس كما صنعت في التاريخ .
فقد أحببت أن أقف من كل واحدة من هذه الشعائر وقفة تدبر وتفكر من أجل استلهام ما يمكن استلهامه منها من الدروس التربوية على ضوء بعض النصوص الواردة عن أهل البيت عليهم السلام أو على ضوء المناسبة التاريخية التي شرع المنسك في ظلها ليكون مذكراً بها وباعثاً لاستلهام العبرة والدرس منها مثل منسك ذبح الهدي ورمي الحجرات والسعي بين الصفا والمروة كما سيأتي خلال البحث إنشاء الله تعالى والدروس التي تمليها مدرسة الحج المباركة كثيرة سأذكر أهمها فيما يلي .

دور الحج في حدوث صفة التواضع أو تأكيدها :
من جملة هذه الدروس درس رائع في التواضع وانفتاح ذوي الامتيازات الاجتماعية المادية أو المعنوية ـ على إخوانهم في المبدأ والرسالة الذين شاءت لهم الحكمة الإلهية أن يكونوا بمستوى أدنى في الميزان المادي الدنيوي من أجل أن يتم نظام الحياة وتنتظم أمور الأحياء


( 98 )

وقد أشار الله سبحانه إلى الحكمة في تفاوت الطبقات وتنوع الرغبات بقوله عزوجل :
( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ )(1) .
واستلهام الناسك بالحج أو العمرة ـ درس التواضع ـ يكون من خلال شعوره وإحساسه ـ حال تجرده من ملابسه المخيطة وسائر الخصوصيات المميزة ـ بأنه في هذه الحال لا يوجد له أي فارق مميز سوى ما يحمله في قلبه من المبدأ الحق وما تتجمل به نفسه من الخلق الرفيع وما يُجسده سلوكه الخارجي من التقوى والعمل الصالح باعتبار أن هذه المعاني الكبيرة والمثل الرفيعة هي التي اعتبرها الإسلام ميزاناً للتفاضل بين أفراد المجتمع على ضوء قوله تعالى :
( إِنَّ أكْرَمَكُمْ عِندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ ) (2) .
وقوله تعالى :
( وَالعَصْرِ * إِنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ ءامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوا بِالحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ )(3) .
وعلى ضوء قول الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم :
( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم ما مضمونه : إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم حيث يُفهم
____________
(1) سورة الزخرف ، الآية : 32 .
(2) سورة الحجرات ، الآية : 13 .
(3) سورة العصر، الآيات : 1 و2 و 3 .

( 99 )

من الحديث الأول أن الرسالات السماويةَ تُمثل بجوهرها وروحها مكارم الأخلاق وحيث أن الرسالة المحمدية جاءت خاتمة لها ومتممة لتشريعها بإضافة ما تقتضيه العصور الجديدة والأوضاع الطارئة ـ فلا تكون متممةً للشرائع السابقة إلا إذا كانت مكارم الأخلاق عنوانها العام وقلبها النابض بالمثل السامية والقيم الرفيعة وكذلك الفرد المسلم لا يكون انتماؤه إليها واقعياً ومستمداً بهذا الانتماء الرفعة الحقيقية إلا إذا تجمل بعنوانها المشرق وحمل في قلبه قلبها الخافق الذي يعطيه الحياة الإنسانية السامية والحركة المستقيمة في طريق الهدى والنور .
وإلى هذا المعنى المشرق أشار الشاعر الحكيم بقوله :

وإنما الأمم الأخلاقُ ما بقيت * فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبـوا

وذلك لأن إنسانية الإنسان لا تكون إلا بالالتزام بمنهج السماء عقيدة وسلوكاً فإذا كانت عقيدته صحيحة وأعماله صالحة وأخلاقه فاضلة كانت إنسانيته كاملة صورة ومعنى .
وإذا تجرد من ذلك يفقد جوهر إنسانيته ولم يبق له منها سوى الشكل والصورة التي تعكس الجانب المادي الحيواني من كَيانه .
ومن المعلوم أن الإنسان إنما كان له وجوده المعنوي ووزنه المعتبر في ميزان القيم بالجانب المعنوي السامي المتمثل بقلبه السليم وروحه الطاهرة ونفسه المطمئنة التي استحقت التكريم الإلهي بتقديم دعوى تكريمية سماوية لها لترجع إلى مصدر وجودها ومنبع خيرها وهو الله سبحانه ـ لتنال في جواره ما وعدها به من النعيم الخالد والسعادة الأبدية إذا قدمت له ثمن ذلك وهو التقوى والعمل الصالح .
وقد تمثلت تلك الدعوة التكريمية بقوله تعالى :


( 100 )

( يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي )(1) .
وإلى ما ذكرناه أشار الشاعر بقوله :
أقبلْ على النفس واستكمل فضائلها * فأنت بالنفـس لا بالجسم إنسـان

وحيث أن التواضع من أبرز الصفات النبيلة التي تعطي لصاحبها الرفعة الحقيقية والمنزلة السامية عند الخالق والمخلوق فقد ورد مدحه ومدح المتجملين به في العديد من الآيات الكريمة والروايات المشهورة من الأولى قوله تعالى مخاطباً رسوله الأعظم صلى الله عليه وآله وسلّم :
( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ )(2) .
وقوله سبحانه :
( وَعِبَادُ الرَّحْمَانِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً )(3) .
ومن الثانية أي من الروايات ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله :
إن أحبكم إليَّ وأقربكم مني يوم القيامة مجلساً أحسنكم خلقاً واشدكم تواضعاً ـ وإن أبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون وهم المتكبرون(4) .
وما روي عن الإمام علي عليه السلام من قوله :
ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء طلباً لما عند الله وأحسنُ منه تيه
____________
(1) سورة الفجر ، الآيات : 27 و28 و29 و30 .
(2) سورة الشعراء ، الآية : 215 .
(3) سورة الفرقان ، الآية : 63 .
(4) عن كتاب أخلاق أهل البيت عليهم السلام ص 44 .