يوم الغدير هو يوم الولاية، ولهذا اليوم معنى
يتصل بالخط الإسلامي الذي يؤكد على قضية القيادة والولاية، كأساسٍ
من أسس توازن المجتمع الإسلامي وصلاحيته وصحة مسيرته.. ولهذا كانت
الآية الكريمة التي نزلت على الرسول (ص) في يوم الغدير بعد رجوعه
من مكة بعد حجة الوداع، تؤكد عليه أن يبلِّغ هذا الأمر: {يا أيها
الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلِّغت رسالته
والله يعصمك من الناس} (المائدة/67).
لا تخف مما قد يتحدث به الناس عنك، لأن هذه
القضية من القضايا الأساسية التي لا بدّ لك من أن تواجهها بقوة،
لأن مسألة أن يكون هناك ولي للمسلمين يقول ما تقول، ويفعل ما تفعل،
ويسير على النهج الذي تسير عليه، ويفهم الإسلام كما تفهمه أنت. هذه
القضية ليست من القضايا التي تحتمل الجدل أو التنازل، بكل ما لهذه
الكلمة من معنى.
وجمع رسول الله (ص) المسلمين في مكان يقال له
(غدير خم)، ورفع يد عليّ (ع) حتّى بان بياض إبطيهما وقال: «من كنت
مولاه فهذا عليّ مولاه، اللهم والِ من والاه، وعاد من عاداه، وأدر
الحق معه حيثما دار».
وبعد أن قالها الرسول (ص)، نزلت الآية: {اليوم
أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً}
(المائدة/3).
كان هذا الموقف خاتمة المواقف التي كان رسول الله
(ص) يقدّم فيها عليّاً (ع) للناس، حتّى يجعله في ضمير كل مسلم
كإنسان يعيش في مركز القيادة، كأكفأ ما يكون القائد. كان يريد أن
يجعل المسلمين يشعرون بأن عليّاً (ع) يملك من العلم ما يستطيع أن
يغني الساحة الإسلامية كلها، وفيما تحتاجه في مواجهة التحديات التي
تأتيها من الخارج عندما يتسع الإسلام في العالم.
كان النبي (ص) يريد أن يؤكد للأمة، أن الإسلام
يحتاج إلى شخص يدرك العلم كأوسع ما يكون العلم، فكان يقول: «أنا
مدينة العلم وعليّ بابها».. وكان يريد أن يعمق في وجدان الناس
كلّهم، أن القائد ينبغي أن يكون في مواقع الحق، بحيث لا ينفصل عن
الحق مهما كانت الظروف، ومهما كانت الأوضاع والتحديات، لأن القائد
يمثِّل الأمة كلها في مسيرتها، ويحفظ رسالتها ومبادئها، ولأن
القائد هو الذي يحرك الساحة بالطريقة التي تحفظ توازنها، ويتحرك
بالأمة نحو أهدافها الكبيرة.
كان النبي (ص) يريد أن يؤكد أن علياً (ع) يمثل
الحق على نحوٍ لا يبقى هناك للباطل أي دور في حياته، ولهذا فإنه
إذا انطلق، فسينطلق الحق معه، وإذا وقف فسيقف الحق معه، وإذا حارب
فسيحارب الحق معه، وإذا عارض فسيعارض الحق معه، لأنه لن ينفصل عن
الحق، ولن ينفصل الحق عنه في أي مجال.
كان النبي (ص) يريد للناس أن يفهموا أن عليّاً
(ع) هو الإنسان الذي يراه هو (ص) في أعلى موقع من مواقع الإسلام
والرسالة... كان يريد أن يؤهل عليّاً في ضمير الأمة ووجدانها، وكان
يؤخر الحديث عن ولاية الإمام عليّ (ع) حتى نزلت الآية الكريمة: {يا
أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربك..}.
تلك هي قصة يوم الغدير.. يوم الولاية.
وهناك نقطة نود إثارتها، وهي أننا عندما نتحدث عن
يوم الغدير، فإننا لا نريد أن نتحدث عن حكاية للتاريخ، ليتحدث
المتحدثون من خلال ذلك أن هذه قضية انتهت، وعلينا أن لا نحاول
إثارتها من جديد، لأن إثارة مثل هذه القضايا _ كما يقولون _ قد
تترك تأثيرات سلبية في واقع المسلمين، وفي وحدتهم التي يمكن أن
تؤثر عليها مثل هذه الحساسيات التاريخية.
ولكننا نختلف مع كلِّ هذا التيار، حيث نعتقد أن
قضايانا الإسلامية التي تمثل مفاصل أساسية في تراثنا الإسلامي،
تعتبر خطوطاً عملية للمسيرة الإسلامية كلها، فعندما نفكر بالإمام
عليّ (ع) ونؤمن بموقعه كرمز أوَّل بعد رسول الله (ص) للمسيرة
الإسلامية، فإننا لا نستغرق في ذاته كشخص، ولا نتعصب له كشخص،
ولكننا عندما نثيره في وعينا كرمز أول للإسلام، فإننا ننطلق من أن
الإمام عليّ (ع) وعى الإسلام كأفضل ما يعيه مسلم؛ فقد وعاه من خلال
التربية التي انطبعت فيها شخصيته بشخصية رسول الله (ص)، فكان صورةً
حيةً عن شخصية الرسول (ص)، حيث عاش كل أجوائه الروحية، وكل أجوائه
النفسية وخطواته العملية.
وعندما نريد أن نتحدث عن جهاد عليّ (ع)؛ فإننا
نقرأ ذلك من خلال كلمة رسول الله (ص): «برز الإيمان كله إلى الشرك
كله» و«لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله
ورسوله»... ونتمثل وعي الرسول (ص) لموقع عليّ (ع) منه، في كلمته
التي دعا بها ربه عندما اندفع الإمام عليّ لمبارزة عمرو بن عبد
ودّ، عندما قال الرسول (ص): «ربّ لا تذرني فرداً وأنت خير
الوارثين»، قال هذا والمسلمون كلُّهم حوله.
وعندما نريد أن نتمثل خطّ عليّ (ع) في الواقع،
فإنه تكفينا كلمة: «عليّ مع الحق والحق مع عليّ»، لنعرف منها أنه
ليست هناك مسافة تفصل بين علي (ع) والحق، فهو يمثل التجسيد الواقعي
للحق، كما يمثل الحق التجسيد الواقعي لكل منطلقات الإمام عليّ،
ولكلّ واقعه في كلّ مجالات الحياة.
عندما نثير كلّ هذه القضايا في حياتنا، فإننا
نأخذ خلاصة فكرة، وهي أن قضية القيادة في الإسلام تفرض أن يكون
هناك الإنسان الذي يتمرس في وعي الفكرة التي تنطلق القيادة من
خلالها، وفي ممارسة الفكرة التي تتحرك القيادة في خطواتها أو في
طريقها.
لهذا لا يمكن أن يكون الإنسان الذي يقود المسلمين
جاهلاً بالإسلام، ولا يمكن أن يكون الإنسان الذي يقود المسلمين،
إنساناً لا يعيش روحية الإسلام، ولا يعيش حركية الإسلام، ولا يعيش
تقوى الإسلام في حياته، لأن القضية هي قضية قيادة المسلمين في
إسلامهم، لا قيادة المسلمين في أمورهم المادية بعيداً عن المبدأ،
فلا بد أن يعطيهم القائد من فكره، ومن قلبه، ومن روحه، ومن عمله،
إسلاماً يملأ حياتهم، ويوجه كلّ حياتهم في طريقه.
لهذا فإن الإمام عليّ (ع) هو الإنسان الذي تتمثل
فيه كلّ هذه العناصر، ليكون القائد الأول للإسلام بعد رسول الله
(ص). لا نقول هذا من موقع تعصب أعمى، ولا من موقع تمذهب تقليدي،
ولكن من موقع الوعي لما هو الإسلام في فكره وفي حركته، والوعي لما
هو الإمام عليّ (ع) في فكره وحركته، حيث نجد كلّ التطابق فيما
بينهما.
وهناك نقطة أخرى نحتاج إلى أن نترسمها في هذا
الاتجاه؛ وهي أن لا نحصر المسألة في التاريخ فقط، بل نعممها إلى
حياتنا العملية، بحيث لا يرتبط الفرد بعلي (ع) كخليفةٍ في الإطار
الزمني الذي عاش فيه فحسب، وإنما يرتبط به في إطار إمامته التي
تقتحم الزمن، تماماً كما تنطلق النبوة، ولا يمحوره في زمن خاص، بل
ليتحرك في نطاق الزمن كله، حتّى يرث الله الأرض ومن عليها..
فالإمامة التي تمثل خلافة النبوَّة، هي التي تفسِّر أحكام النبوة
وتخطط لمفاهيم الإسلام وحفظه.
إن إمامة عليّ وإمامة الأئمة من أهل البيت (عليهم
السلام)، تمثل القيادة المعنوية التي نعيشها الآن في وعينا،
لتقودنا إلى القيادة الفعلية التي تتحرك في خط: «ألا من كان من
الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر
مولاه، فعلى العوام أن يقلدوه». وهكذا نجد أن الارتباط بالإمامة
هناك، هو الذي يجعل الارتباط بالقيادة هنا، وهو الذي يجعلنا نتحرك
في سلسلة تصلنا بالمبدأ، لتتحرك في هذا الاتجاه.
من خلال هذا، نفهم أن قضية الإمامة ليست شيئاً
يعيش في التاريخ ليجمد فيه، وإنما هو شيء يتصل بنا، ليكون السؤال
الذي نتمثله الآن:
من هو الذي نترسم كلّ فكره من خلال أنه فكر
الإسلام؟ ومن هو الذي نتمثل روحيته من خلال أنها روحية الإسلام؟
إن قضية إمامة عليّ (ع) هي قضية الارتباط بخط عليّ، وبفهم عليّ
للإسلام، وبحركيته في سبيل الإسلام، لنكون نحن امتداداً له في
حركية الإسلام التي انطلقت منه. تلك هي الفكرة التي تجعلنا نرتبط
بعليّ الخط، وبعليّ الإسلام، وبعلي الرسالة.