islamology.com

 

- عدم سهو النبي ( ص ) - الشيخ المفيد ص 1 : -

عدم سهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم
تأليف الامام الشيخ المفيد محمد بن محمد النعمان
ابن المعلم ابي عبد الله ، العكبري ، البغدادي ( 336 - 413 ه‍ )
 

- ص 3 -

بسم الله الرحمن الرحيم

من البحوث المهمة المطروحة في علم الكلام : البحث عن جواز السهو على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وعدمه ؟ ! فإن أدلة العصمة التى يقول بها جمهور المسلمين تقتضي الحكم بنفى السهو عنه في القول والفعل ، وقد ذهب إلى ذلك المحققون من علماء الكلام من الشيعة وممن قال بذلك من أهل السنة : أبو إسحاق الاسفراييني .

وقد فصل ذكر الخلاف منهم في كتاب ( حجية السنة ) للشيخ عبد الغني عبد الخالق ( ص 99 - 17 ) .

أما الشيعة فلم يرد منهم خلاف في عصمته صلى الله عليه واله وسلم من السهو في الاقوال .

وأما في الافعال : فقد ذهب بعض من لا ينتمون إلى النظر في ما يرتبط بالعقائد ، بل يعتمدون في تحصيلها على النصوص المروية ويلتزمون بما تدل عليه ظواهرها ، مع الالتزام بعدم تأويلها وتوفيقها مع أدلة العقول ، وهم الذين سماهم الشيخ المفيد ب‍ " المقلدة " وهم فرقة يلتزمون بالتقليد في اصول الدين ،
 

- ص 4 -

ويشبهون من يسمى من العامة بالسلفية والحشوية ، في المنهج الكلامي و العقائدي .

فإن هؤلاء التزموا بنسبة السهو إلى فعل النبي صلى الله عليه وآله اعتمادا على رواية من أخبار الاحاد ، زعموا ورودها بذلك . ومضمونها أنه صلى الله عليه وآله صلى صلاة رباعية سلم فيها على ركعتين - سهوأ - . فقال له رجل يسمى بذي

اليدين : أقصرت الصلاة ، أو نسيت ؟ ! فقال صلى الله عليه وآله : كل ذلك لم يكن . ثم سأل صلى الله عليه وآله أبا بكر وعمر ، عما قاله ذو اليدين : أكان أم لم يكن ؟ ! فاخبراه أنه سلم على ركعتين ، فأتم النبي صلى الله عليه وآله صلاته .


وقد تصدى الشيخ المفيد في هذا الكتاب لهؤلاء ، ولما استدلوا له من الاخبار . فابتدأ بذكر مسألة اصولية تميز حدود المباني المؤثرة في حسم مادة النزاع ، فذكر :

 1 - أن البحث إنما هو حول عصمة الا نبياء ، وهي من مسائل العقيدة التي لا يمكن الاستدلال عليها بالظن ، لما قد ثبت في محله - من علم الكلام - من أن اصول الدين لابد وأن تكون مستندة إلى العلم واليقين والاعتقاد الجازم .

ولما ورد في الايات القرآنية العديدة - التي استشهد بها الشيخ المفيد - من عدم جواز الاعتماد على الظن وأنه لا يغني من الحق شيئا . وهذه هي نقطة الافتراق بين أهل الاجتهاد والنظر وبين المقلدة . ( 1 )
 

  * هامش *  
 

( 1 ) لاحظ ما ذكرناه حول كتاب ( الحكايات ) . ( * )

 

 

- ص 5 -

 2 - إن الفقهاء - أهل الاجتهاد والنظر - لا يعتمدون على أخبار الآحاد ، المجردة ، ويعتقدون أنها : " لا توجب علما ولا عملا " . والشيخ يؤكد على هذا في مختلف كتبه ، وفي بداية هذه الرسالة وهذا أيضا من الفوارق بين الفريقين .


ثم أخذ الشيخ في معارضة تلك الرواية التي اعتمدوها دليلا على إثبات وقوع السهو من النبي صلى الله عليه وآله بأنها " معللة " فلا يجوز اعتمادها كدليل على شئ ، إذ التعليل في الحديث يسقطه عن الاعتبار والحجية فلا يجوز العمل به .


والحديث المعلل : هو ما وقع اختلاف بين رواته ، من حيث نصه المنقول إلى حد التهافت والتناقض بحيث لا يمكن الجمع بين منقولاتهم . وقد اختلف الرواة بهذه الرواية كذلك ، حيث اختلفوا في تعيين الصلاة التي وقع فيها السهو ، واختلفوا - كذلك - في الكيفية التي عالج بها النبي صلى الله عليه واله السهو المزعوم وقوعه .


ثم استدل الشيخ المفيد بوجوه على أن الحديث موضوع مختلق وليس يمكن وروده ، مع الالتزام بمؤداه ، لما فيه من التناقضات واللوازم الباطلة ، المخالفة للحق ، وهي :

 أولا : ان النبي صلى الله عليه وآله - وحسب متن الرواية نفسها - قد نفى عن نفسه السهو ، بقوله : " كل ذلك لم يكن " فإذا صح النقل ، فمعنى كلامه أنه قد نفى عن نفسه وقوع السهو والنسيان ، فكيف يؤخذ ذلك دليلا على وقوع السهو منه صلى الله عليه وآله والالتزام بأنه صلى الله عليه وآله سها في هذا القول أيضا : اجتهاد في مقابل النصن .
 

- ص 6 -

وأما محاولة تفسير هذا الكلام بأنه نفي للجمع بين الامرين ، بأن الكل لم يحصل ، فقد رده الشيخ المفيد في الفصل الثاني من الكتاب بوجهين :

الاول : ان هذا الجواب ليس جوابا للسؤال المذكور ، لان السائل إنما سأل . عن وقوع أحد الامرين ؟ فليس الجواب بعدم حصولهما معا موافقا للطريقة المألوفة في الجواب عن ذلك ؟ فهذا لغو نربأ بالرسول صلى الله عليه وآله و سلم منه .

الثاني : إن هذا الجواب يقتضي إلتفاته إلى وقوع أحد الامرين منه ، وظاهر كلامه عدم إلتفاته إلى ذلك ، بل إنما سأل المصلين عن صحة ما قاله ذو اليدين ؟ !


ثانيا : إن الرواية - وحسب طرقها - تحتوى على أن الرسول صلى الله عليه وآله قرأ في تلك الصلاة سورة " والنجم " التى فيها آية السجدة ، وأنه سمع يقرأ " تلك الغرانيق العلى ، وأن شفاعتهن لترتجي " تلك الخرافة المفتعلة على قدس النبي صلى

الله عليه وآله ، الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى و انظر بهذا الصدد ما ذكره الشيخ عبد الغني عبد الخالق في كتاب حجية السنة ( ص 100 ) هامش .


وثالثا : إن هذه الرواية تقتضي أنه لم يتنبه إلى هذا السهو إلا ذو اليدين - وهو مجهول الشخصية من بين الصحابة - دون جميع من حضر من سائر الصحابة بما فيهم ابو بكر وعمر ، وان الرسول صلى الله عليه وآله لما أراد أن يتأكد من كلام ذي

اليدين سأل أبا بكر وعمر عن ذلك ؟ دون غيرهما من الصحابة الحاضرين ؟ ! وكل هذه المفارقات تشير إلى أن الرواية إنما وضعت لتشويه سمعة النبي صلى الله عليه وآله ، وإسقاط فعله عن الحجية والاعتبار .
 

- ص 7 -

وبعد ، فقد تخلل هذه الرسالة آراء للشيخ المفيد في مسائل عديدة ، نتعرضها :

 1 - تفنيده إدعاء الفرق بين السهو عند الناس ، الذي عبروا عنه بالسهو الشيطاني ، والسهو عند النبي المعبر عنه بالسهو الرحماني وميز بين السهو و النوم في الحكم .

 2 - ادعاؤه عدم الخلاف بين عصابة الحق ( يعني الامامية ) في وجوب قضاء الصلاة الفائتة على الفور ، عند تذكرها ، وأن القضاء على المضايقة ، دون المواسعة ، إلا إذا تضايقت بها صلاة حاضرة ، ذكر ذلك في الفصل الخامس .

 3 - قوله : أن الفقهاء يطرحون ما يرويه الرواة ذوو السهو في الحديث ، إلا ان يشركهم فيه غيرهم من ذوي التيقظ والفطنة والذكاء والحفاظة ذكر ذلك في الفصل السادس وهذا هو شرط " السداد " الذي اعتبر في الرواة عند علماء الحديث و الدراية

 4 - مناقشته في شخص " ذي اليدين " الصحابي المختلق الذي نسبت إليه الرواية ، مصرحا بأنه مجهول غير معروف .

 5 - نفيه نسبة الغلو عن مثل القائل بنفي السهو عن النبي صلى الله عليه وآله ، ووصف الناسب للغلو إليه ب‍ " المتهور " كما أن الشيخ يبدو قاسيا على القائلين بالسهو حيث يقول في النهاية : " وإن شيعيا - يعتمد على هذا الحديث في الحكم على

النبي عليه السلام بالغلط والنقص وارتفاع العصمة - لناقص العقل ، ضيف الرأي ، قريب إلى ذوى الافات المسقطة عنهم التكليف " . ثم إن الظاهر من آخر الكتاب أن اسمه : " جواب أهل الحاثر على ساكنه
 

- ص 8 -

السلام فيما سألوا عنه من سهو النبي صلى الله عليه وآله في الصلاة " .

 

والحمد لله على توفيقه .

وكتب السيد محمد رضا الحسيني الجلالي


 

 

الصفحة الرئيسية

 

المكتبة

 

عدم سهو النبي