|
- أجوبة
مسائل جار الله- السيد شرف الدين ص 144 : - |
" المسألة السابعة عشرة "
تتعلق بالنسئ
قال : ما النسئ الذي هو زيادة في الكفر ، الذي
قال الله تعالى فيه ( انما النسئ زيادة في الكفر يضل به
الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله )
( قال ) : وهل كان له عند
العرب قبل الاسلام نظام يدور عليه حساب السنين .
( فأقول ) : النسئ مصدر
كالنذير والنكير معناه التأخير ، والمراد منه هنا تأخير الاشهر الحرم وغيرها من
الاشهر القمرية عما رتبها الله سبحانه عليه ، فان العرب علموا انهم لو
رتبوا حسابهم على السنة القمرية فانه يقع حجهم تارة في
الصيف ، وتارة في الشتاء ، وكان يشق عليهم الاسفار ، ولم ينتفعوا بها في
المرابحات والتجارات ، لان سائر الناس من سائر
البلاد ما كانوا يحضرون الا في الاوقات اللائقة الموافقة
فعلموا ان بناء الامر على رعاية السنة القمرية يخل بمصالح الدنيا ، فتركوا ذلك
واعتبروا السنة الشمسية ، ولما كانت السنة الشمسية زائدة عن السنة
القمرية بمقدار معين احتاجوا إلى الكبيسة ، وحصل لهم
بسبب تلك الكبيسة امران .
احدهما : انهم كانوا
يجعلون بعض السنين ثلاثة عشر شهرا بسبب اجتماع تلك الزيادات .
والثاني : انه كان ينتقل
الحج من بعض الشهور القمرية إلى غيره ، فكان الحج يقع في بعض السنين في ذي
الحجة ، وبعده في المحرم ، وبعده في صفر ، وهكذا في الدور ، حتى ينتهي
بعد مدة مخصوصة مرة اخرى إلى ذي الحجة ، فحصل بسبب
الكبيسة هذان الامران الزيادة في عدة الشهور ، وتأخير الحرمة الحاصلة لشهر إلى
شهر آخر . هذا كله مما أفاده الامام فخر
الدين الرازي
( 1 )
قال : والحاصل ان بناء العبادات على السنة القمرية يخل بمصالح الدنيا ، وبناءها
على السنة الشمسية يفيد رعاية مصالح الدنيا ، والله تعالى امرهم من وقت ابراهيم
واسماعيل ببناء الامر على رعاية السنة القمرية ، فهم تركوا امر الله في رعاية
السنة القمرية ، واعتبروا السنة
| |
( 1 ) في معنى الآية من تفسيره الكبير ص 434 من جزئه الرابع في تفسير
سورة التوبة . ( * )
|
|
|
الشمسية رعاية لمصالح الدنيا ، وأوقعوا الحج في شهر آخر
سوى الاشهر الحرم، فلهذا السبب عاب الله عليهم وجعله سببا لزيادة كفرهم وانما
كان ذلك سببا لزيادة الكفر ، لان الله تعالى
امرهم بايقاع الحج في الاشهر الحرم ، ثم انهم بسبب هذه
الكبيسة اوقعوه في غير هذه الاشهر، وذكروا لاتباعهم ان هذا الذي عملناه هو
الواجب ، وان ايقاعه في الشهور القمرية غير واجب
فكان هذا انكارا منهم لحكم الله مع العلم به ، وتمردا عن
طاعته وذلك يوجب الكفر باجماع المسلمين ، فثبت ان عمله في ذلك النسئ يوجب زيادة
في الكفر ( قال الرازي ) : واما الحساب الذي به يعرف مقادير الزيادات الحاصله
بسبب تلك الكبائس فمذكور في الزيجات
( قال ) : واما المفسرون فانهم ذكروا في سبب هذا التأخير
وجها آخر
( 1 )
فقالوا ان العرب كانت تحرم الشهور الاربعة ، وكان ذلك شريعة ثابتة من زمن
ابراهيم واسماعيل عليهما
السلام ، وكانت العرب اصحاب حروب وغارات فشق عليهم ان يمكثوا ثلاثة اشهر
متوالية لا يغزون فيها ، وقالوا : ان توالت ثلاثة اشهر حرم
| |
( 1 ) الوجهان وجيهان ولا منافات بينهما . ( * )
|
|
|
لا نصيب فيها شيئا لنهلكن ، وكانوا يؤخرون تحريم المحرم
إلى صفر فيحرمونه ويستحلون المحرم
( قال ) : قال الواحدي واكثر العلماء على ان هذا التأخير
ما كان يختص بشهر واحد ، بل كان ذلك حاصلا في كل الشهور ( قال الرازي ) هذا هو
الصحيح على ما قررناه
( قال ) : واتفقوا انه عليه الصلاة والسلام لما أراد ان
يحج حجة الوداع عاد الحج إلى شهر ذي الحجة في نفس الامر ، فقال عليه السلام .
الا ان الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله
السماوات والارض السنة اثنا عشر شهرا . اراد ان الاشهر
الحرم رجعت إلى مواضعها ، هذا كلام الرازي نقلناه على طوله لما فيه من الفوائد
، ولا منافاة بينه وبين ما قاله غيره من المفسرين كما لا يخفى .
( تنبيه )
ان من احاط علما بما نقلناه عن العرب من ترتيب حسابهم في
نسيئهم على السنة الشمسية دون القمرية يعلم الوجه في اتخاذ الائمة الشهور
الرومية في حساب تلك السنين ، ولا يعجب منهم
كما عجب موسى جار الله إذ يقول : ذكر الوافي في الكتاب
الخامس في ص 45 ان حساب الشهور كان عند الائمة روميا
( ثم قال ) : ما وجه اتخاذ الائمة حساب الروم وشهورهم وسنيهم ، وحساب العرب
وتاريخ الهجرة كان عربيا اه . ولعل هذا الرجل يراجع ما نقلناه عن الرازي ليعلم
الوجه في ذلك .
|