- أجوبة مسائل جار الله- السيد شرف الدين  ص 126 : -

" المبحث الرابع "

في المسح على الخفين في الوضوء عوضا عن غسل الرجلين أو مسحهما فيه ، وقد اختلف الائمة في ذلك فأجازه قوم ومنعه آخرون ، وتواتر القول بالمنع عن كل من أئمتنا الاثني عشر

وتبعهم على ذلك شيعتهم الامامية بالاجماع قولا واحدا لعدم وجود ما يدل على الجواز من الادلة المعتبرة شرعا عندهم ، والاخبار الظاهرة بكفاية المسح على الخفين غير ثابتة من

طريقهم مطلقا ، وما على المسلم من غضاضة إذا اخذ بالاصل العملي عند عدم قيام الدليل على ما يخالفه ، لكن موسى جار الله وامثاله من المنددين المفندين ينكرون على الشيعة عدم

المسح على الخفين ، ولا ينكرون على انفسهم عدم المسح على القدمين المنصوص عليه بقوله تعالى ( يا ايها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وايديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ) الآية ( 1 )
 

 

( 1 ) في سورة المائدة . ( * ) 

 

 

-  ص 127 -

قال بعض الاعلام من اثبات اهل السنة وفقهائهم على المذهب الحنفي ( 1 ) اثناء تفسيره لهذه الآية ما هذا لفظه : قرئ في السبعة بالنصب والجر ، والمشهور ان النصب بالعطف على وجوهكم والجر على الجوار

( قال ) : والصحيح ان الارجل معطوفة على الرؤوس في القراءتين ونصبها على المحل وجرها على اللفظ ،

( قال ) : وذلك لامتناع العطف على المنصوب للفصل بين العاطف والمعطوف عليه بجملة اجنبية ، والاصل ان لا يفصل بينهما بمفرد فضلا عن الجملة

( قال ) : ولم يسمع في الفصيح نحو ضربت زيدا ومررت بعمر وبكرا بعطف بكرا على زيدا

( قال ) : واما الجر على الجوار فانما يكون على قلة في النعت كقول بعضهم : هذا جحر ضب خرب بجر خرب أو في التأكيد كقول الشاعر :

يا صاح بلغ ذوي الحاجات كلهم * ان ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب -

بجر كلهم على ما حكاه الفراء

( قال ) واما في عطف النسق
 

 

( 1 ) هو الامام الكبير الشيخ ابراهيم الحلبي الحنفي صاحب حلبي كبير وهو من الكتب المنشورة المشهورة . ( * ) 

 

 

-  ص 128 -

فلا يكون ، لان العاطف يمنع المجاورة ، هذا نص كلامه ( 1 ) وكفى به حجة على وجوب مسح الارجل دون غسلها في الوضوء ، وقد اعترف في الكشاف بعطف الارجل على الرؤوس

الممسوحة ، ومع ذلك فقد تفلسف في عطفها فلسفة لا تليق بامام مثله ( 2 ) وما أظن احدا من المفسرين يعطف الارجل على المغسول ، ورحم الله السيد الطباطبائي بحر العلوم إذ يقول :

ان الوضوء غسلتان عندنا * ومسحتان والكتاب معنا -
فالغسل للوجه ولليدين * والمسح للرأس وللرجلين -


وسبقه إلى ذلك حبر الامة وابن عم نبيها عبد الله بن العباس إذ قال ( 3 ) : الوضوء غسلتان ومسحتان ، وقال ( 4 ) في
 

 

( 1 ) فراجعه في آخر ص 15 والتي بعدها من كتابه الشهير المعروف مجلي كبير واسمه غنية المتملي في شرح منية المصلي في الفقه الحنفي .

( 2 ) إذ قال : والارجل من بين الاعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها فكانت مظنة للاسراف المذموم المنهي عنه فعطفت على الممسوح لا لتمسح ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها ! ! ! قلت ليت شعري من اخبره بذلك .

( 3 ) كما في ص 103 من الجزء الخامس من كنز العمال وهذا هو الحديث 2211 .
( 4 ) كما في ص 103 من الجزء الخامس من الكنز وهو الحديث 2213 . ( * ) 

 

 

-  ص 129 -

مقام آخر : افترض الله غسلتين ومسحتين ، ألا ترى انه ذكر التيمم فجعل مكان الغسلتين مسحتين وترك المسحتين ، وقال ( 1 )

في مقام ثالث : يأبى الناس الا الغسل ونجد في كتاب الله المسح وعن الشعبي قال ( 2 ) : اما جبريل فقد نزل بالمسح على القدمين وعنه ايضا قال ( 3 ) نزل القرآن بالمسح الحديث ،


وعن ابن عباس انه حكى وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله فمسح على رجليه ، واخرج الطبراني ( 4 ) عن عباد بن تميم عن ابيه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يتوضأ

ويمسح على رجليه ، اما ما روي عن سادة اهل البيت في ذلك فأكثر من ان يحصى ، فمن ذلك ما رواه الحسين بن سعيد الاهوازي ، عن فضالة ، عن حماد
 

 

( 1 ) اخرجه ابن ماجه في سننه وابو داود والترمذي والنسائي في صحاحهم وسعيد بن منصور في سننه ورواه ابن ابي شيبة وغيره من الاثبات وهو موجود في ص 103 من الجزء الخامس من الكنز ايضا .

( 2 ) اخرجه ابن ابي شيبة وعبد الرحمن بن حميد وابن جرير وهو الحديث 2222 في ص 104 من الجزء 5 من الكنز
( 3 ) فيما اخرجه عبد الرحمن بن حميد والنحاس في تاريخه وهو الحديث 2223 في ص 104 من الجزء 5 من الكنز .
( 4 ) كما في اواخر ص 19 من كتاب المسح على الجوربين للشيخ محمد جمال الدين القاسمي الدمشقي . ( * ) 

 

 

-  ص 130 -

ابن عثمان ، عن غالب ابن هذيل ، قال : سألت أبا جعفر ( الباقر ) عليه السلام عن المسح على الرجلين ، فقال : هو الذي نزل به جبرائل ، وعن احمد بن محمد قال : سألت أبا الحسن

موسى بن جعفر عليهما السلام عن المسح على القدمين كيف هو ؟ فوضع بكفه على الاصابع ثم مسحهما إلى الكعبين ، والاخبار في هذا متواترة عن سائر الائمة من العترة الطاهرة

فنصوص الثقلين صريحة بوجوب المسح على القدمين وبها اخذ الامامية ، اما المسح على النعلين ونحوهما ، فلا دليل عليه من طريقهم .


والاخبار التي يعتمد عليها غيرهم ليست بثابتة عندهم ، ولذا تراهم لا يمسحون على الخفين عوضا عن الرجلين ، ولا على العمامة عوضا عن الرأس لاصالة عدم الجواز .


لكن هذا المسكين يرى ذلك منا شيئا نكرا ، وله في الانكار علينا بهذه المسألة ، وبكل من البداء والمتعة والبراءة تعصب تجاوز فيه كل حد . قال : كتب الشيعة إذا تعصبت على المسألة فهي تجازف في الكلام تتجاوز الحدود في التشدد
( 1 ) مثل ما رويت في
 

 

( 1 ) كأن الكتب التي يرتضيها موسى جار الله لا تتجاوز الحدود ابدا حتى في قولها بان الله تعالى خلق الكفر في نفوس الكافرين والفسق =>

 

 

-  ص 131 -

البداء والمتعة والبراءة ، وتحريم المسح على الخفين ( 1 ) وكان الباقر والصادق يبالغان في المتعة ويقولان : من لم يستحل متعتنا فليس منا ( 2 ) ويجعلها علماء الشيعة شارة اهل البيت وشعار الائمة


( قال ) وللامة في المتعة كلام ، وانا أرى أن المتعة كانت من بقايا الانكحة الجاهلية ( 3 ) ويمكن انها قد وقعت من بعض الناس في صدر الاسلام ( 4 ) ويمكن ان
 

 

=> والظلم على ايدي الفاسقين والظالمين ! وحتى في نفيهم الحسن والقبح العقليين فيما يستقل به العقل وفي بعض ما يجوزونه على الله عز وجل وعلى انبيائه واوصيائهم وحتى في قولهم بثبوت الخلافة شرعا لمعاوية ويزيد وبني مروان

واضرابهم وحتى في احتجاجهم بامثال ابن هند وابن النابغة وابن الزرقاء وابن شعبة ونجدة وعكرمة وابن حطان وحتى في مسحهم على الخفين دون الرجلين ونكاح البنت - بنت الزنى - وقولهم بان حكم الله في الواقع دائر مدار حكم القضاة

الشرعيين فإذا حكم القاضي لزيد المزور بزوجة عمرو الشرعية حلت للمحكوم له ظاهرا وواقعا وحرمت على زوجها الشرعي ظاهرا وواقعا إلى غير ذلك مما لو استقصيناه لاخرجنا منه كتابا ضخما


( 1 ) فصلنا لك القول في هذه الامور الاربعة تفصيلا فراجعها لتعرف اينا المجازف .
( 2 ) لما كانت المتعة من احكام الله التي صودرت بعد رسول الله كان على اوصيائه ان يهتموا بحفظها كما فعلوا .
( 3 ) هذا الرأي يخالف رأي الامة جمعاء كما هو الظاهر من كلامه فإذا يجب ان يعد من مكتشفاته ويجب على الامة اعطاؤه الامتياز فيه .

( 4 ) بل وقعت من الصحابة ايام النبي وابي بكر وشطرا من ايام عمر حتى نهى عنها في شأن ابن حريث كما سمعته في مبحث المتعة . ( * ) 

 

 

-  ص 132 -

الشارع قد أقرها في بعض الاحوال من باب ما نزل فيها الا ما قد سلف ( 1 ) كانت امرا تاريخيا لا حكما شرعيا باذن من الشارع ( 2 ) وان ادعى مدعي ان المتعة كانت حلالا باذن

الشارع فلتكن ( 3 ) نقول لا بأس فيها ولا كلام لنا اليوم في ردها ( 4 ) وانما كلامي الآن في ان المتعة هل ثبتت في القرآن أو لا ( 5 ) كتب الشيعة تدعي ان المتعة نزل فيها قول الله جل جلاله : " فما استمتعتم به منهن فآتوهن اجورهن
 

 

( 1 ) سمعت في مبحث المتعة ان منادي النبي اذن بالاذن بها فلا يؤبه بهذا الكلام البارد .
( 2 ) هكذا تكون الفلسفة والا فلا .
( 3 ) تشيع شطره إذ قال : فلتكن ، ومتى كانت فحلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة .
( 4 ) ردها بغير ناسخ من كتاب أو سنة جزاف وكلام هذا الرجل جفاء .
( 5 ) سمعت في مبحث المتعة ثبوتها بكل من القرآن والسنة والاجماع وهب انها لم تثبت بالقرآن فان اكثر الاحكام ثبتت في السنة " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " ( * )

 

 

-  ص 133 -

فريضة " وأرى ( 1 ) ان ادب البيان يأبى ، وعربية هذه الجملة المعجزة تأبى ان تكون هذه الجملة الكريمة قد نزلت فيها ، لان تركيب هذه الجملة يفسد ، ونظم هذه الآية الكريمة يختل

لو قلنا انها نزلت في متعة النكاح ، هذا كلامه بعين لفظه اوردناه على طوله تبيانا لمكانته في العربية ، ونجوعا لادلته القوية ، فان التحكم والمصادرة والدعاوى الفارغة ، والعبائر الباردة

هي البراهين القاطعة ، والحجج الساطعة عنده ، والحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به غيرنا ، ولو شاء لفعل - راجع ما علقناه على كلامه

 

 

( 1 ) هذا الرأي ايضا من مكتشفات هذا الفيلسوف التي اكتشفها في القرن الرابع عشر أو في القرن العشرين كما يقولون ، فعلى الامة ان تخضع لاعطائه الامتياز به . ( * ) 

 

 

 

مكتبة علم الإسلام

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب