عوامل زيادة الاِيمان :
هناك عوامل رئيسية تسهم في إيصال الاِنسان إلى أعلى درجات الاِيمان ، يمكن الاِشارة إليها بالنقاط التالية : ـ
أولاً : العلم والمعرفة : لما كان العلم رأس الفضائل صار أمل المؤمن ، لكونه المرتقى الذي يتجه به صعوداً إلى الدرجات الرفيعة ، قال تعالى : (يَرفَعِ اللهُ الَّذينَ آمنُوا مِنكُم والّذينَ أوتُوا العلمَ دَرجَاتٍ.. ) (1).
فالعلم هو الذي يكسب صاحبه الشرف والسؤدد ، قال أمير المؤمنين عليه السلام : « .. لا شرف كالعلم » (2)وقال ـ أيضاً ـ موصياً بضرورة اقتران العلم بالاَدب : « يا مؤمن إنّ هذا العلم والاَدب ثمن نفسك فاجتهد في تعلّمهما ، فما يزيد من علمك وأدبك يزيد من ثمنك وقدرك ، فإنَّ بالعلم تهتدي إلى ربّك ، وبالاَدب تحسن خدمة ربّك » (3).
فالاِمام عليه السلام يضع ميزاناً لا يقبل الخطأ وهو كلّما تصاعد المؤشر البياني للعلم المقترن بالاَدب في نفس المؤمن كلما زيد في قيمته ومكانته أكثر فأكثر . ومن أجل ذلك كان العلماء أقرب الناس إلى درجة النبوة ، بدليل قول الرسول الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم : « أقرب الناس من درجة النبوّة أهل العلم والجهاد ، أما أهل العلم فدّلوا الناس على ما جاءت به الرسل ، وأما أهل الجهاد فجاهدوا بأسيافهم على ما جاءت به الرسل » (4).

____________
(1) سورة المجادلة 58 : 11 .
(2) نهج البلاغة ، صبحي الصالح : 488 | حكم 113 .
(3) روضة الواعظين ، الفتال النيسابوري 1 : 11 في فضل العلم .
(4)المحجة البيضاء ، للفيض الكاشاني 1 : 14 .

( 28 )
وعن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « من جاء أجله وهو يطلب العلم لقي الله تعالى ولم يكن بينه وبين النبيين إلاّ درجة النبوة » (1).
وفي القرآن الكريم آيات عدة تشير إلى دور العلم وأهميته في حقل الاِيمان بالله وكتبه وملائكته ورسله ، ومن الآيات الصريحة جداً بهذا المجال قوله تعالى : ( إنّما يَخشى اللهَ مِن عِبادِهِ العُلماءُ ) (2)ومن هنا نجد وصايا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الكثيرة في طلب العلم ، وكذلك وصايا أهل البيت عليهم السلام نكتفي بما قاله أمير المؤمنين عليه السلام : « تعلم العلم فإنَّ تعلمه حسنة ومدارسته تسبيح والبحث عنه جهاد ، وتعليمه من لا يعلمه صدقة وهو عند الله لاَهله قربة... يرفع الله به أقواماً يجعلهم في الخير أئمة... » (3).
ثانياً : العمل الصالح : وهو العنصر الثاني الذي يقترن بالاِيمان ويسهم في إيصال المؤمن إلى أعلى الدرجات ، قال تعالى : ( ومَن يأتِهِ مؤمِنَاً قد عَمِلَ الصَّالِحاتِ فأُولئِكَ لهُمُ الدَّرجاتُ العُلى ) (4).
وإذا كان الاِيمان يمنح الشخصية الاِيمانية الرؤية الصحيحة وسلامة التصور ونقاء الاعتقاد فإنَّ العمل الذي هو شعار المؤمن يفجّر طاقتها الابداعية ، فتنطلق في آفاق أرحب وتحيى حياة طيبة ، يقول عزَّ من قائل : ( مَن عَمِلَ صالِحاً من ذَكرٍ أو أُنثى وهوَ مؤمِنٌ فلنُحِيينَّهُ حياةً طيّبةً ولنُجزينَّهُم أجرَهُم بأحسنِ ما كانُوا يعملُونَ ) (5). فالاِسلام لا يريد من المؤمن أن ينعزل
____________
(1) كنز العمال 10 : 160 | 28831 .
(2) سورة فاطر 25 : 28 .
(3) روضة الواعظين : 9 في فضل العلم .
(4) سورة طه 20 : 75 .
(5) سورة النحل 16 : 97 .

( 29 )
عن الحياة ويكتفي بالاِيمان المجرَّد الذي يقصره البعض وفق نظره القاصر على الاعتقاد القلبي أو التلفظ اللساني ، وإنّما يُريد المؤمن أن يترجم إيمانه إلى عمل صالح يحقق النقلة الحضارية التي تتطلع إليها الاُمّة الاِسلامية كأُمّة رائدة .
ومن يتدبر في قوله تعالى : (.. ويَستخلِفَكُم في الاَرضِ فينظُرَ كيف تَعمَلونَ ) (1) ، يلاحظ أنه استعمل لفظة «كيف» ولم يقل «كم» تعملون ، لاَن الاَهم هو نوعية العمل وأبعاده الحضارية وليس كميته . فمبيت الاِمام علي عليه السلام ـ على سبيل المثال ـ ليلة واحدة في فراش الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنقذت الرسول والرسالة ، وضربته يوم الخندق كانت تعادل عبادة الثقلين ! .
فالاِنسان يرتفع بنوعية العمل الذي ينجزه على صعيد الواقع ، ومن هنا ركّزت مدرسة أهل البيت عليهم السلام على «الثنائي الحضاري» المتمثل بالاِيمان المقترن بالعمل ، وفي هذا الصدد قال أمير المؤمنين عليه السلام : « لا تكن ممّن يرجو الآخرة بغير عمل.. يحبُّ الصالحين ولا يعملُ عملهم... » (2).
ومن المعروف أنّ بعض الناس يتّكلون على أحسابهم الرّفيعة في كسب المكانة الاجتماعية ، ولكن الاِمام علياً عليه السلام ركّز على مقياس العمل وأعطاه الاَولوية في تكامل الاِنسان ورفعته ، فقال عليه السلام : « من أبطأ به عمله، لم يسرع به حسبه » (3).
وكان أئمة أهل البيت عليهم السلام على الرغم من شرف حسبهم ، وسمو
____________
(1) سورة الاَعراف 7 : 129 .
(2) نهج البلاغة ، صبحي الصالح : 497 | حكم 150 .
(3) نهج البلاغة ، صبحي الصالح | 472 | حكم 23 .

( 30 )
مقامهم الاجتماعي ، يجهدون أنفسهم في العمل ، فعلى سبيل الاستشهاد أنّ الاِمام عليّاً عليه السلام قد أعتق من كد يده جماعة لا يحصون كثرة ، ووقف أراضي كثيرة وعيناً استخرجها وأحياها بعد موتها (1). وسلك ذات المسلك ولده من بعده ، كانوا يعملون لخدمة الناس فينقلون على ظهورهم الجراب وفيها الدقيق والاَطعمة إلى المحتاجين والفقراء . وكانوا يعملون بأيديهم الكريمة في الشمس المحرقة حباً للعمل واحتساباً لله ، حتى عرّضوا أنفسهم في بعض الاحيان لسهام النقد المسمومة وقوارص الكلام ، ومن الشواهد ذات الدلالة ما ورد عن أبي عبدالله عليه السلام قال : « إنَّ محمد بن المنكدر كان يقول : ما كنت أرى أنّ مثل علي بن الحسين عليه السلام يدع خلفاً لفضل علي بن الحسين عليهما السلام حتى رأيت ابنه محمد بن علي فأردت أن أعظه فوعظني فقال له أصحابه بأي شيء وعظك ؟ قال : خرجتُ إلى بعض نواحي المدينة في ساعة حارة فلقيتُ محمد بن علي عليهما السلام وكان رجلاً بديناً وهو متكىء على غلامين له أسودين أو موليين له ، فقلت في نفسي شيخ من شيوخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدّنيا لاَعظه فدنوت منه فسلمت عليه فسلم عليَّ بنهر وقد تصبب عرقاً فقلتُ أصلحك الله شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على هذا الحال في طلب الدنيا لو جائك الموت وأنت على هذه الحال قال : فخلى عن الغلامين من يده ثم تساند وقال لو جائني والله الموت ، وأنا في هذه الحال جائني وأنا في طاعة من طاعات الله أكف بها نفسي عنك وعن الناس وإنّما كنت أخاف الموت لو جائني وأنا على معصية من معاصي الله فقلت يرحمك الله أردت أن أعظك
____________
(1) الفصول المختارة : 103 .

( 31 )
فوعظتني » (1) .
ثالثاً : الاِيثار : وهو خصلة كريمة ترفع الاِنسان إلى أعلى مراتب الاِيمان، فحينما يرتفع الاِنسان فوق (الاَنا) ويضع مصلحة الآخرين فوق مصلحته الخاصة ، فلا شك أنه قد قطع شوطاً إيمانياً يستحق بموجبه الدَّرجات الرَّفيعة . وقد مدح تعالى أولئك الذين يخرجون من دائرة (الاَنا) الضيقة على الرغم من ضيق ذات اليد إلى دائرة أسمى هي دائرة الاِنسانية، فقال عزَّ من قائل : (.. ويُؤثِرُونَ على أنفُسِهِم ولو كانَ بهِم خَصاصةٌ.. ) (2) .
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أشد الخلق حرصاً على تلك الفضيلة السامية ، حتى ورد في الخبر أنه صلى الله عليه وآله وسلم ما شبع ثلاثة أيام متوالية حتى فارق الدنيا ، ولو شاء لشبع ولكنه كان يؤثر على نفسه (3).
وبلغ وصيه الاِمام علي عليه السلام القمة في الاِيثار ، وقد ثمنت السماء الموقف التضحوي الفريد الذي قام به عندما بات على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « .. فأوحى الله إلى جبرئيل وميكائيل إني آخيت بينكما وجعلت عمر الواحد منكما أطول من عمر الآخر فأيُّكما يؤثر صاحبه بالحياة فاختار كلاهما الحياة . فأوحى الله عزَّ وجلَّ إليهما أفلا كنتما مثل عليّ بن أبي طالب آخيت بينه وبين محمد فبات على فراشه يفديه بنفسه فيؤثره بالحياة فأنزل الله تعالى : ( ومن النّاس من يشري نفسه ابتغاء مرضاتِ الله والله رؤوف
____________
(1) الارشاد ، للشيخ المفيد : 264 .
(2) سورة الحشر 59 : 9 .
(3) تنبيه الخواطر 1 : 172 .

( 32 )
بالعباد ) » (1).
فالاِيثار ـ إذن ـ يرفع الاِنسان إلى أعلى الدرجات الاِيمانية كما رفع الاِمام عليّاً عليه السلام بحيث أنّ ربِّ العزة يفاخر به ملائكته المقربين .
ومن الاِيثار ما يكون معنوياً كإيثار الصدق على الكذب مع توقع الضرر، وذلك من أجلى علائم الاِيمان ، قال أمير المؤمنين عليه السلام : « الاِيمان أن تؤثر الصدق حيثُ يضرك على الكذب حيثُ ينفعك » (2).
رابعاً : الخُلق الحسن : وهو عنوان صحيفة المؤمن (3)، وأن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة وشرف المنازل وإنّه لضعيف العبادة كما يقول الرسول الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم (4).

وقد ورد عن الاِمام أبي جعفر عليه السلام : « إنَّ أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلقاً » (5) . وقال أمير المؤمنين عليه السلام موصياً : « روضوا أنفسكم على الاَخلاق الحسنة فإنَّ العبد المؤمن يبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم»(6).
إذن فالخلق الحسن أحد مقاييس الاِيمان ، يصل من خلاله المؤمن إلى مقامات عالية ويحصل به على أوسمة معنوية رفيعة ، فمن حكم ومواعظ
____________
(1) تنبيه الخواطر 1 : 173 ـ 174 . والآية من سورة البقرة 2 : 207 .
(2) نهج البلاغة ، صبحي الصالح : 556 | حكم 58 .
(3) اُنظر تحف العقول : 200 .
(4) المحجة البيضاء 5 : 93 كتاب رياضة النفس .
(5) اُصول الكافي 2 : 99 | 1 كتاب الاِيمان والكفر .
(6) تحف العقول : 111 .

( 33 )
أمير المؤمنين عليه السلام : «... عليكم بمكارم الاخلاق فإنها رفعة ، وإيّاكم والاَخلاق الدّنية فإنها تضع الشريف ، وتهدم المجد » (1).

المبحث الرابع : أنواع الاِيمان :
يمكن تقسيم الاِيمان بالنظر إلى رسوخه وثباته أو عدمه إلى ثلاثة أقسام هي : ـ
أولاً : الاِيمان الفطري : كإيمان الاَنبياء والاَوصياء عليهم السلام ، الذين لاتخالجهم الشكوك ، ولا يكونون نهباً للوساوس ، لاَنّ الله تعالى فطرهم على الاِيمان به واليقين بما أخبرهم عنه من مكنون غيبه .
يقول الاِمام الصادق عليه السلام : « إنَّ الله جبل النبيين على نبوتهم ، فلا يرتدون أبداً ، وجبل الاَوصياء على وصاياهم فلا يرتدون أبداً ، وجبل بعض المؤمنين على الاِيمان فلا يرتدون أبداً ، ومنهم من أعير الاِيمان عارية ، فإذا هو دعا وألحَّ في الدعاء مات على الاِيمان » (2).
ثانياً : الاِيمان المستودع : وهو الاِيمان الصوري غير المستقر الذي سرعان ما تزعزعه عواصف الشبهات ووساوس الشيطان ويُعبر عنه ـ أيضاً ـ بالاِيمان المعار كأنما يستعير صاحبه الاِيمان ثم يلبسه ولكن سرعان ما ينزعه ويتخلى عنه ، ويذهب بعيداً مع أهوائه ومصالحه . عن الفضل بن يونس عن أبي الحسن عليه السلام قال : « أكثر من أن تقول : اللّهمَّ
____________
(1) تحف العقول : 215 .
(2) اُصول الكافي 2 : 419 | 5 كتاب الاِيمان والكفر .

( 34 )
لاتجعلني من المعارين ولا تخرجني من التقصير.. » (1). وكان الاَئمة عليهم السلام يطلبون من شيعتهم الاكثار من هذا الدعاء وذلك أنّ بعض كبار الاَصحاب قد تعرضت رؤيته للاضطراب بفعل عواصف الشبهات ودواعي الشهوات، عن جعفر بن مروان قال : إنَّ الزبير اخترط سيفه يوم قبض النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال : لا أغمده حتى أُبايع لعليّ ، ثمَّ اخترط سيفه فضارب عليّاً فكان ممّن أُعير الاِيمان ، فمشي في ضوء نوره ثمَّ سلبه الله إيّاه (2).
وفي قوله تعالى : ( وهو الَّذي أنشأكُم مِن نفسٍ واحدةٍ فمُستقرٌّ ومُستودعٌ..) (3)إشارة إلى هذين القسمين من الاِيمان : الثابت والمتزلزل. يقول أمير المؤمنين عليه السلام : « فمن الاِيمان ما يكون ثابتاً مستقراً في القلوب ، ومنه ما يكون عواري بين القلوب والصدور إلى أجل معلوم.. » (4).
ثالثاً : الاِيمان الكسبي : وهو الاِيمان الفطري الطفيف الذي نمّاه صاحبه واستزاد رصيده حتى تكامل وسمى إلى مستوى رفيع ، وله درجات ومراتب (5).
ويمكن تنمية هذا النوع من الاِيمان وترصينه حتى يصل إلى مرتبة الاِيمان المستقر ، ولذلك ورد في نصائح أمير المؤمنين عليه السلام لكميل قوله : « يا كميل إنّه مستقر ومستودع ، فاحذر أن تكون من المستودعين ، وإنّما يستحقُّ أن تكون مستقراً إذا لزمت الجادَّة الواضحة التي لا تُخرجك إلى
____________
(1) اُصول الكافي 2 : 73 | 4 كتاب الايمان والكفر .
(2) تفسير العياشي 1 : 371 .
(3) سورة الانعام 6 : 98 .
(4) نهج البلاغة ، صبحي الصالح : 279 | خطبة 189 .
(5) أخلاق أهل البيت عليهم السلام ، للسيد مهدي الصدر : 100 .

( 35 )
عوجٍ ولا تزيلُك عن منهج » (1).
وتجدر الاِشارة إلى أنّ للاِيمان أربعة أركان يستقر عليها ، فمن اتّصف بها كان إيمانه مستقراً ، وحول هذه المسألة قال أمير المؤمنين عليه السلام : «الاِيمان له أركان أربعة : التوكل على الله ، وتفويض الاَمر إلى الله ، والرّضا بقضاء الله ، والتسليم لاَمر الله عزَّ وجل » (2).
كما أنّ للاِيمان أربع دعائم معنوية يرتكز عليها ، يقول الاِمام علي عليه السلام : « إنَّ الاِيمان على أربع دعائم على الصبر واليقين والعدل والجهاد » (3).
وفوق ذلك للاِيمان عرى وثيقة تأمن من تمسك بها من السقوط في مهاوي الضلال منها : التقوى والحب في الله والبغض في الله ، وتولي أولياء الله ، والتبري من أعداءه ، ومن الاَدلة النقلية على ذلك ، قول الرسول الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم : « أوثق عرى الاِيمان : الولاية في الله ، والحب في الله ، والبغض في الله » (4) .
وقد وجه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لاصحابه ـ يوماً ـ سؤالاً إستفهامياً : « أي عرى الاِيمان أوثق ؟ فقالوا : الله ورسوله أعلم ، وقال : بعضهم الصلاة ، وقال بعضهم الزكاة.. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لكلِّ ما قلتم فضل وليس به ، ولكن أوثق عرى الاِيمان : الحبُّ في الله ، والبغض في الله ، وتولي أولياء الله ،
____________
(1) تحف العقول : 174 .
(2) اُصول الكافي 2 : 47 | 2 كتاب الاِيمان والكفر .
(3) شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد 18 : 142 .
(4) كنز العمال 15 : 890 | 43525 .

( 36 )
والتبري من أعداء الله » (1).
وأهل بيت العصمة عليهم السلام من العرى الوثيقة التي تعصم من تمسك بها عن السقوط في مهاوي الضلال ، وكان أمير المؤمنين عليه السلام كثيراً ما كان يردد هذه الكلمات : « ... أنا حبل الله المتين ، وأنا عروة الله الوثقى ، وكلمته التقوى... » (2).
لم يكن ذلك منه للتفاخر بل لاِلفات النظر إلى أنّ أهل البيت عليهم السلام هم العروة الوثقى التي لا إنفصام لها ، عن عبدالله بن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « من أحبَّ أن يتمسك بالعروة الوثقى التي لا إنفصام لها فليتمسك بولاية أخي وحبيبي علي بن أبي طالب فإنّه لا يهلك من أحبه وتولاّه ولا ينجو من أبغضه وعاداه » (3).

المبحث الخامس : علامات المؤمن :
العلامات الاَساسية التي يتميز بها المؤمن عن غيره أربعة ، وهي :
أولاً : علائم عبادية :
العبادة هي التجسيد الحقيقي للاِيمان وتحتل مركز الصدارة في الكشف عن حقيقة إيمان الاِنسان ، فمن آمن بالله تعالى حقاً عليه أن يتقرب إليه بطقوس عبادية تكشف عن عبوديته ، وتعبر عن شكره وحمده لخالقه ، وخير كاشف عن مصداقية الاِيمان هو أداء الاِنسان لما افترضه الله
____________
(1) الاختصاص ، للشيخ المفيد : 365 .
(2) التوحيد ، للشيخ الصدوق : 165 باب معنى جنب الله .
(3) معاني الاَخبار : 368 ـ 369 باب معنى العروة الوثقى .

( 37 )
عليه من صلاة وصيام وحج البيت الحرام وما إلى ذلك من فرائض عبادية. يقول أمير المؤمنين عليه السلام : « .. لا عبادة كأداء الفرائض » (1)، وعن أبي عبدالله عليه السلام قال : « نزل جبرئيل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا محمد.. ما تقرب إليَّ عبدي المؤمن بمثل أداء الفرائض ، وإنّه ليتنفل لي حتى أحبّه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها.. » (2) .
وهناك علاقة طردية بين الاِيمان والعبادة ، كلما أزداد إيمان العبد كلما أقبل على العبادة أكثر فأكثر ، وظهرت عليه علائم التفاعل معها والانفعال بها . كما هو حال أهل البيت عليهم السلام الذين ضربوا بعبادتهم أروع الاَمثلة ، فكانوا عليهم السلام إذا حضرت الصلاة تقشعر جلودهم وتصفر ألوانهم ويرتعدون من خوف الله ، فعلى سبيل الاستشهاد لا الحصر ، ورد عن أبي عبدالله عليه السلام قال : « كان أبي عليه السلام يقول : كان علي بن الحسين صلوات الله عليهما إذا قام في الصلاة كأنه ساق شجرة لا يتحرّك إلاّ ما حرّكه الريح منه» (3).
إنَّ العبادة الصادقة تصنع الاَعاجيب وتمنح المؤمن الكرامة وتزوده بالبصيرة الصافية ، قد تجعله يسبر أغوار نفس غيره فيطلع على ما يدور فيها، تمعّن في الحكاية التالية التي تكشف عن بعض كرامات الاِمام موسى الكاظم عليه السلام كما روتها مصادر العامّة : «عن شقيق البلخي قال : خرجت حاجاً في سنة تسع وأربعين ومئة ، فنزلت القادسية ، فبينما أنا أنظر إلى الناس وزينتهم وكثرتهم ، نظرت فتى حسن الوجه فوق ثيابه ثوب
____________
(1) نهج البلاغة ، صبحي الصالح : 488 | حكم 113 .
(2) المؤمن ، للشيخ الثقة الحسين بن سعيد الكوفي : 32 | 61 .
(3) فروع الكافي 3 : 300 .

( 38 )
صوف مشتملاً بشملة وفي رجليه نعلان ، وقد جلس منفرداً ، فقلت في نفسي : هذا الفتى من الصوفية يريد أن يكون كلاً على الناس في طريقهم ، والله لاَمضينَّ إليه ولاَوبخنه ، فدنوت منه ، فلما رآني مقبلاً قال : « يا شقيق ( اجتَنِبُوا كَثيراً مِنَ الظنِّ إنَّ بعضَ الظنِّ إثمٌ ) (1)» وتركني ومضى ، فقلتُ في نفسي : إنَّ هذا لاَمر عظيم قد تكلم على ما في نفسي ونطق باسمي ، ماهذا إلاّ عبد صالح ، لاَلحقنه ولاَسألنه أن يحللني ، فأسرعت في أثره فلم ألحقه ، وغاب عن عيني ، فلما نزلنا واقصة إذا به يصلي وأعضاءه تضطرب ، ودموعه تجري فقلت : هذا صاحبي أمضي إليه وأستحله ، فصبرت حتى جلس وأقبلت نحوه ، فلما رآني مقبلاً قال : « يا شقيق اقرأ (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى ) (2)» ثم تركني ومضى، فقلتُ : إنَّ هذا الفتى لمن الاَبدال ، قد تكلم على سري مرتين ، فلما نزلنا إلى منى إذا بالفتى قائم على البئر وبيده ركوة يريد أن يستقي ، فسقطت الركوة من يده إلى البئر وأنا أنظر إليه ، فرأيته قد رمق السماء وسمعته يقول :

« أنت ربي إذا ظمئت من الماء * وقوتي إذا أردت الطعاما

اللّهمَّ أنت تعلم يا إلهي وسيدي ما لي سواها ، فلا تعدمني إياها » ، قال شقيق.. : فو الله لقد رأيت البئر وقد ارتفع ماؤه ، فمدّ يده وأخذ الركوة وملاَها ماء وتوضأ وصلى أربع ركعات ثم مال إلى كثيب من رمل ، فجعل يقبض بيده ويطرحه في الركوة ويحرّكه ويشرب ، فأقبلت إليه وسلمت
____________
(1) سورة الحجرات 49 : 12 .
(2) سورة طه 20 : 82 .

( 39 )
عليه ، فردَّ عليَّ السلام ، فقلت أطعمني من فضل الله ما أنعم الله تعالى به عليك فقال : « يا شقيق لم تزل نعمة الله تعالى علينا ظاهرة وباطنة ، فأحسن ظنك بربك » ثم ناولني الركوة فشربت منها ، فإذا سويق وسكر ، فوالله ماشربت قطّ ألذَّ منه ولا أطيب منه ريحاً ، فشبعت ورويت وأقمت أياماً لا أشتهي طعاماً ولا شراباً ، ثم لم أره حتى دخلنا مكة فرأيته ليلة في جنب قبة الشراب في نصف الليل يصلي بخشوع وأنين وبكاء ، فلم يزل كذلك حتى ذهب الليل ، فلما رأى الفجر جلس في مصلاه يسبح ثم قام فصلى ، فلما سلم من صلاة الصبح طاف بالبيت أسبوعاً وخرج فتبعته ، فإذا له حاشية وأموال ، وهو على خلاف ما رأيته في الطريق ، ودار به الناس من حوله يسلمون عليه ، فقلت لبعض من رأيته بالقرب منه ؟ من هذا الفتى ؟ فقال : هذا موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين.. رضوان الله عليهم أجمعين ، فقلتُ : قد عجبت أن تكون هذه العجائب والشواهد إلاّ لمثل هذا السيد» (1).
يبقى أن نشير إلى أنّ العبادة لا ينحصر مصداقها في الصلاة والصيام وماإلى ذلك من الفرائض العبادية ، بل توجد لها مصاديق أعلى ، تكشف لنا عن علائم المؤمن كالفكر والذكر ، فعن أمير المؤمنين عليه السلام أنّ : « التفكر في آلاء الله نعم العبادة » (2)، وعنه أيضاً أنّ : « التفكر في ملكوت السماوات والاَرض عبادة المخلصين » (3).

____________
(1) روض الرياحين في حكايات الصالحين ، عفيف الدين أبي السعادات عبدالله بن أسعد اليافعي اليمني : 122 | الحكاية 74 مؤسسة عماد الدين ، قبرص .
(2) غرر الحكم .
(3) المصدر السابق .

( 40 )
فالاِنسان إذا كان شغله الشاغل التفكر في خلق الله وآلائه فمن الطبيعي والحال هذه أن يترجم هذا الفكر إلى ذكر يفيض بمعاني الحمد والعرفان ، وهذا من أجلى مظاهر الاِيمان .
يقول علماء النفس : قل لنا فيم تفكر نقل لك من أنت .
ففكر الاِنسان الذي يتجسد في أقواله وينعكس على أعماله يكشف عن شخصيته ومتبنياته العقيدية .
والاِسلام يعتبر التفكر في أمر الله مؤشراً عظيماً على الاِيمان ، يقول الاِمام الصادق عليه السلام : « ليست العبادة كثرة الصلاة والصوم إنّما العبادة التفكر في أمر الله عزَّ وجلَّ » (1).
وقد : «سئلت أمّ أبي ذرّ عن عبادة أبي ذر فقالت : كان نهاره أجمع يتفكر في ناحية عن الناس» (2).
ثانياً : علائم نفسية :
يتميز المؤمن عن غيره بعدة علائم نفسية ، يمكن الاِشارة إلى أبرزها بالنقاط التالية :
1 ـ الصلابة والثبات : فالمؤمن يكون ثابتاً كالطود الشامخ لم تزعزعه الحوادث ويستسهل كل صعب بقلب مطمئن بقضاء الله وقدره ، ويتمسك بعروة الصبر في مواطن الخطر ، وقور لا يخرج عن طوره ، شاكراً لربه قانعاً برزقه ، يؤثر راحة الآخرين على راحته كالشجرة العظيمة في الصحراء
____________
(1) اُصول الكافي 2 : 55 | 4 باب الاِيمان والكفر .
(2) تنبيه الخواطر 1 : 250 | باب التفكر .

( 41 )
المحرقة تُظلل الناس بوارف ظلها ، وهي تصطلي حرَّ الهاجرة وأوارها . روي عن الاِمام الصادق عليه السلام أنّه قال : « ينبغي للمؤمن أن يكون فيه ثمان خصال : وقورٌ عند الهزائز ، صبور عند البلاء ، شكور عند الرخاء ، قانع بما رزقه الله ، لا يظلم الاَعداء ، ولا يتحامل للاَصدقاء ، بدنه منه في تعب ، والناس منه في راحة » (1).
ولا بدَّ من إلفات النظر إلى أنّ المؤمن وعلى الرغم من صلابته الاِيمانية فهو يتصف بالمرونة مثل العشب الناعم ينحني أمام النسيم ولكن لاينكسر للعاصفة ، يقول الاِمام الصادق عليه السلام : « المؤمن له قوّة في دين ، وحزم في لين ، وإيمان في يقين » (2).
2 ـ إلتزام الحق عند الرّضا والغضب : المؤمن لا يندفع بغريزته إلى آفاق تبعده عن ساحة الحق ، كما أنه يقاوم بلا هوادة نزعة الغضب الكامنة في نفسه حتى لا تجره إلى مهاوي الباطل ، وفي حالة امتلاكه القوة أو القدرة يتجنب الظلم والعدوان كأمير المؤمنين عليه السلام الذي كان يرى أن سلب جُلب شعيرة من نملة ظلم وعصيان لله وابتعاد عن الحق ، وفي ذلك يقول : «والله لو أعطيت الاَقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جُلب شعيرة ما فعلته.. » (3).
وعليه فالمؤمن من يبلغ مرحلة من السموّ الروحي والتهذيب الوجداني بحيث لا يخرج عن جادة الحق المستقيمة ، وفي هذا الاَطار
____________
(1) اُصول الكافي 2 : 47 | 1 كتاب الاِيمان والكفر .
(2) اُصول الكافي 2 : 231 | 4 كتاب الاِيمان والكفر .
(3) نهج البلاغة ، صبحي الصالح : 347 | خطبة 224 .

( 42 )
ورد عن أبي حمزة قال : سمعت فاطمة بنت الحسين عليه السلام تقول : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم « ثلاث من كنَّ فيه استكمل خصال الاِيمان ، الذي إذا رضي لم يدخله رضاه في باطل ، وإذا غضب لم يخرجه غضبه من الحقِّ ، وإذا قدر لم يتعاط ما ليس له » (1).
أنّ القوة الحقيقية هي القوة النفسية التي يصنعها الاِيمان ويرسخها اليقين ، تلك القوة التي يتميز بها المؤمن والتي يتمكن من خلالها من كبح عواطفه المتأججة عند نشوة الحب وسورة الغضب وسكرة القوة التي تغري صاحبها بالجموح والغطرسة ، فعن الاِمام الصادق عليه السلام ، عن أبيه عن جده عليه السلام قال : « مرَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوم يرفعون حجراً ، فقال : ما هذا ؟ قالوا : نعرف بذلك أشدّنا وأقوانا فقال : ألا أخبركم بأشدّكم وأقواكم ؟ قالوا: بلى يا رسول الله ، قال : أشدّكم وأقواكم الذي إذا رضي لم يدخله رضاه في إثم ولا باطل ، وإذا سخط لم يخرجه سخطه من قول الحق وإذا قدر لم يتعاط ما ليس له بحق » (2).
3 ـ البشر وانشراح الصدر : من العلائم الاُخرى للمؤمن أنّ البشر يطفح على وجهه أما حزنه فيدفنه في أعماق قلبه كما إنّه يمتاز بسعة الصدر وإنشراحه ، قال أمير المؤمنين عليه السلام محدداً أبرز علامات المؤمن : «المؤمن بشره في وجهه وحزنه في قلبه ، أوسع شيء صدراً ، وأذل شيء نفساً ، يكره الرفعة ، ويشنأ السمعة ، طويل غمه ، بعيدٌ همهُ ، كثيرٌ صمته ، مشغول وقتُه . شكورٌ صبور ، مغمور بفكرته ، ضنين بخلَّته ، سهلُ الخليقة ،
____________
(1) الاختصاص : 233 .
(2) معاني الاَخبار : 366 .

( 43 )
ليِّن العريكة ! نفسه أصلب من الصلد وهو أذل من العبد » (1). وعن أبي عبدالله عليه السلام قال : « ما من مؤمن إلاّ وفيه دُعابة ، قلتُ : ما الدعابة ؟ قال : المزاح » (2) . فالمؤمن تتألق ملامحه بالبشر والنور وتفيض عيناه بالوداعة واللطف فيعبر عما يجيش في نفسه من أحاسيس خيرة تجاه الناس عن طريق المزاح محاولاً إدخال السرور على قلوبهم ، على العكس من المنافق الذي يغلي قلبه غيضاً وحقداً كالمرجل على المؤمنين ، فينعكس ما في داخله على صفحات وجهه فتجده مقطب الجبين تنتابه نوبات من الهستريا والغضب .
وقد ورد عن الرسول الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال : « المؤمن دعبٌ لعبٌ ، والمنافق قطب غضب » (3).
والملاحظ أنه في الوقت الذي يُعتبر (المزاح) أحد علائم المؤمن النفسية ، نجد أنّ الاِسلام يحث على عدم الاسراف فيه بحيث يصل إلى حد السخف والسفاهة أو تجافي الحق . وقد كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يمازح أصحابه وأهل بيته عليهم السلام ويحب إدخال السرور على الجميع ، ولكن لا يقول إلاّ حقاً ، ولا يخرج عن طوره ، ولا يخل بوقاره وهيبته .
عن الاِمام الصادق عليه السلام : « أنَّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال : كثرة المزاح يذهب بماء الوجه ، وكثرة الضحك يمحو الاِيمان.. » (4).

____________
(1) نهج البلاغة ، صبحي الصالح : 533 | حكم 333 .
(2) معاني الاَخبار : 164 .
(3) تحف العقول : 49 .
(4) أمالي الصدوق : 223 | 4 .

( 44 )
وعن أبي عبدالله عليه السلام قال : « كان بالمدينة رجل بطّال يضحك الناس منه، فقال : قد أعياني هذا الرجل أن أضحكه يعني علي بن الحسين عليهما السلام قال : فمرَّ علي عليه السلام وخلفه موليان له فجاء الرجل حتى انتزع ردائه من رقبته ثم مضى لم يلتفت إليه علي عليه السلام فاتبعوه وأخذوا الرداء منه فجاؤا به فطرحوه عليه ، فقال لهم من هذا ، فقالوا له هذا رجل بطّال يضحك أهل المدينة ، فقال عليه السلام : قولوا له إنَّ لله يوماً يخسر فيه المبطلون » (1).
4 ـ قوة الاِرادة : وهي من علامات المؤمن الرئيسية التي يتمكن من خلالها من كبح شهواته والسيطرة على غرائزه ، فالاِنسان بلا إرادة كالسفينة بلا بوصلة سرعان ما تنحرف عن المسير فالاِرادة هي الخيط المتين الذي يكبح جموح النفس ويمكّنها من السيطرة على رغباتها . فمن يفتقد الاِرادة ـ إذن ـ يكون حاله كقارب تمزقت حبال مرساته في بحر هائج مائج !
وهنا يبدو من الضروري بمكان الاِشارة الاجمالية إلى علائم نفسية أُخرى تميز المؤمن عن غيره قد تنكشف لنا من خلال نظرته الواعية لمن حوله وما حوله ، كما قد تظهر أيضاً في طبيعة صمته وذكره أو سرعة رضاه وعفوه عمن أساء إليه ، كما قد ننتهي إليها من نيته وما يضمره من الخير للغير ، ويجمع هذه الاُمور ما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام : « إنَّ المؤمن إذا نظر إعتبر ، وإذا سكت تذكّر ، وإذا تكلّم ذكر ، وإذا استغنى شكر . وإذا أصابته شدّة صبر ، فهو ربيب الرضى بعيد السخط ، يرضي عن الله اليسير ، ولا يسخطه الكثير ولا يبلغ بنّيته إرادته في الخير ، ينوي كثيراً في الخير
____________
(1) المصدر السابق : 183 | 6 .

( 45 )
ويعمل بطائفةٍ منه ويتلهف على ما فاته من الخير كيف لم يعمل به » (1).
5 ـ الاستغلال الاَمثل للزمن : للزمن ـ كما هو معروف ـ قيمة حضارية كبرى ، لذلك نجد المؤمن حريصاً على الزمن الذي هو رأس مال حضاري كبير ، فيقسّم أوقاته بين العبادة الحقة والعمل المثمر واللذَّة المباحة ، لذلك ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام : « للمؤمن ثلاثُ ساعات : فساعة يُناجي فيها ربَّهُ ، وساعة يَرُمُّ معاشه ، وساعة يُخلِّي بين نفسه وبين لذتها فيما يحلُ ويجمُلُ . وليس للعاقل أن يكون شاخصاً إلاّ في ثلاث : مرَمَّةٍ لمعاش ، أو خطوةٍ في معادٍ ، أو لذَّةٍ في غير مُحرَّمٍ » (2).
إذن فأحد علامات المؤمن الحضارية هي الحرص على الزمن والاستغلال الاَمثل له .
ثالثاً : علائم أخلاقية :
لا يخفى أنّ هناك علاقة وطيدة بين الاِيمان والاَخلاق ، كلّما سما المؤمن في إيمانه كلّما حسنت أخلاقه وعليه فالمؤمن المتسلح بإيمان عميق نجد أنه يتصف بخلق رفيع . والاَخلاق ـ بدورها ـ هي السور الواقي الذي يصون المؤمن من التردي في مهاوي الضلال والرَّذيلة . ومما يكشف لنا عن عمق نظرة الاِمام الصادق عليه السلام أنه يحثّ أصحابه على عدم الانخداع بالمظاهر العبادية للرجل التي قد لا تكلفه شيئاً وقد تنجم عن الاَلفة والعادة ، ولكن يجب النظر إلى مظاهره الاَخلاقية : كالصدق ، والاَمانة ، فمن خلال إلتزامه الدائم بها يظهر إيمانه على حقيقته ، يقول عليه السلام :
____________
(1) تحف العقول : 212 .
(2) نهج البلاغة ، صبحي الصالح : 545 | حكم 390 .

( 46 )
«لاتنظروا إلى طول ركوع الرجل وسجوده فإنَّ ذلك شيء قد اعتاده فلو تركه استوحش لذلك ولكن انظروا إلى صدق حديثه وأداء أمانته » (1).
وقال عليه السلام أيضاً : « المؤمن لا يُخلق على الكذب ولا على الخيانة » (2).
ويذهب أهل البيت عليهم السلام في تعاليمهم الاَخلاقية إلى أقصى حد ، فعن أبي حمزة الثمالي قال : «سمعتُ سيد الساجدين علي بن الحسين عليهما السلام يقول لشيعته : « عليكم بأداء الاَمانة ، فو الذي بعث محمداً بالحق نبياً لو أنّ قاتل أبي الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام أئتمنني على السيف الذي قتله به لاَديته إليه » (3).
ونسج حفيده الاِمام الصادق عليه السلام على هذا المنوال ، فقال لاَصحابه : «اتقوا الله وعليكم بأداء الاَمانة إلى من أئتمنكم فلو أنّ قاتل أمير المؤمنين عليه السلام أئتمنني على أمانة لاَديتها إليه » (4).
وهناك خصلة أخلاقية تميز المؤمن عن غيره هي خصلة الحياء ، والواقع أنّ الحياء والايمان صفتان متلازمتان يؤدي زوال أحديهما إلى زوال الاُخرى ، وهذا هو ما عبر عنه الاِمام الباقر عليه السلام بقوله : « الحياء والاِيمان مقرونان في قرن فإذا ذهب أحدهما تبعه صاحبه » (5).
وهناك خصال أخلاقية أُخرى كالفهم والرأفة . تشكّل مع الحياء أبرز
____________
(1) اُصول الكافي 2 : 105 | 12 كتاب الاِيمان والكفر .
(2) تحف العقول : 367 .
(3) أمالي الصدوق : 204 .
(4) المصدر السابق نفسه .
(5) تحف العقول : 297 .

( 47 )
علائم المؤمن ، قال الرسول الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم : «... وأمّا علامة المؤمن فإنَّه يرأف ويفهم ويستحي » (1).
أضف إلى ذلك ليس من أخلاق المؤمن أن يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله ، عن أبي عبدالله عليه السلام : « إنَّ المؤمن يغبط ولا يحسد والمنافق يحسد ولا يغبط » (2) لاَنَّ المؤمن يعلم جيداً أنّ الرزق بيد الله تعالى يقسمه وفق علمه وحكمته وما صرف عنه قد يكون رحمةً به لانقمة عليه.
كما أنّ من أبرز علائم المؤمنين أنهم لا يسيئون إلى الآخرين حتى يعتذروا منهم ، على عكس المنافقين الذين ديدنهم الاِساءة ثم الاعتذار قال الاِمام الحسين عليه السلام : « إياك وما تعتذر منه ، فإنَّ المؤمن لا يسيء ولايعتذر ، والمنافق كلَّ يوم يُسيء ويعتذر » (3).
رابعاً : علائم إجتماعية :
من الاُمور الهامة التي تكشف عن مدى إيمان الفرد شعوره نحو أبناء جنسه وعلاقته معهم . فالمؤمن الواقعي لا يدفن رأسه في رمال اللامبالاة بل يتحسس معاناة الناس ويمد يد العون لهم ، وقد ورد عن الاِمام الصادق عليه السلام أنّه قال : « المؤمن حسن المعونة خفيف المؤونة.. » (4).
وكان أئمة أهل البيت عليهم السلام نموذجاً فريداً للاِيمان الكامل يقدّمون العون للفقراء والمعوزين ـ كما أشرنا سابقاً ـ ويحرصون على عدم الكشف
____________
(1) المصدر السابق : 20 .
(2) اُصول الكافي 2 : 307 | 7 كتاب الاِيمان والكفر .
(3) تحف العقول : 248 .
(4) اُصول الكافي 2 : 241 | 38 كتاب الاِيمان والكفر .

( 48 )
عن شخصياتهم ، توخياً للثواب الجزيل على صدقة السر ، وبُعداً عن الرياء فكانوا في إعانة الملهوف كالبنفسج المختبىء بين لفائف الاَدغال ينشق الناس طيبه ويحمدون عرفه وإن لم يعرفوا مكانه . وفي الخصال بسنده عن الباقر عليه السلام : « كان علي بن الحسين عليهما السلام يخرج في الليلة الظلماء فيحمل الجراب على ظهره وفيه الصرر من الدنانير والدراهم ، وربما حمل على ظهره الطعام أو الحطب حتى يأتي باباً باباً فيقرعه ثم يناول من يخرج إليه ، وكان يغطي وجهه إذا ناول فقيراً لئلا يعرفه فلما توفى فقدوا ذلك فعلموا أنه كان علي بن الحسين ، ولقد خرج ذات يوم وعليه مطرف خز فتعرض له سائل فتعلق بالمطرف فمضى وتركه » (1).
من جانب آخر أنّ المؤمن ألف مألوف ، يتحبب إلى الناس ، ويسعى لكسب رضاهم ، يقول أمير المؤمنين عليه السلام : « المؤمن مألوف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف » (2). فالمؤمن لا يعيش منعزلاً خلف الاَسوار العالية والابراج العاجية ، بل يتفاعل مع الناس ويحرص على مداراتهم والترَّفق بهم ، وقد اعتبر الرسول الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنّ : « مداراة الناس نصف الاِيمان ، والرفق بهم نصف العيش » (3).
وهناك قرينة اجتماعية قوية تفرز لنا الاِيمان الحقيقي من المزيف وهي علاقة المؤمن بجيرانه ، فمن أحسن إليهم كشف لسان حاله عن عمق إيمانه . وقد صاغ الاِمام الصادق عليه السلام قاعدة تلازمية لا تقبل الخطأ بين الاِيمان والاِحسان إلى الجيران ، عن أبي حمزة قال : سمعتُ أبا
____________
(1) في رحاب أئمة أهل البيت عليهم السلام ، للسيد محسن الاَمين 3 : 194 .
(2) اُصول الكافي 2 : 102 | 17 كتاب الاِيمان والكفر .
(3) المصدر السابق 2 : 117 | 5 .

( 49 )
عبدالله عليه السلام يقول : « المؤمن من آمن جاره بوائقه ، قلتُ : ما بوائقه ؟ قال : ظلمه وغشمه » (1). وفي كتب السيرة : «أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أتاه رجل من الاَنصار فقال : إنّي اشتريت داراً من بني فلان ، وإنَّ أقرب جيراني منّي جواراً من لا أرجو خيره ولا آمن شرّه . فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليّاً وسلمان وأبا ذر.. أن ينادوا في المسجد بأعلى أصواتهم بأنّه « لا إيمان لمن لم يأمن جاره بوائقه » . فنادوا بها ثلاثاً» (2).
وقال صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً : « ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع.. » (3). فحسن الجوار ـ إذن ـ من أبرز العلائم الاجتماعية للمؤمن .

____________
(1) وسائل الشيعة 8 : 488 كتاب الحج .
(2) المصدر السابق 8 : 487 .
(3) اُصول الكافي 2 : 668 | 14 كتاب العشرة .