الفصل الثاني الاَئمّة من علماء الشيعة
ينفون التحريف
http://www.najaf.org/arabic/book/27/salamh1.html
إنّ المشهور بين علماء الشيعة ومحققيهم ، والمتسالم عليه بينهم ، هو القول
بعدم التحريف في القرآن الكريم ، وقد نصّوا على أنّ الذي بين الدفّتين هو
جميع القرآن المُنْزَل على النبيّ الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم دون
زيادة أو نقصان ، ومن الواضح أنّه لا يجوز إسناد عقيدةٍ أو قولٍ إلى طائفةٍ
من الطوائف إلاّ على ضوء كلمات أكابر علماء تلك الطائفة ، وباعتماد مصادرها
المعتبرة ، وفيما يلي نقدّم نماذج من أقوال أئمة الشيعة الاِمامية منذ
القرون الاُولى وإلى الآن ، لتتّضح عقيدتهم في هذه المسألة بشكل جلي :
1 ـ يقول الاِمام الشيخ الصدوق ، محمّد بن علي بن بابويه القمي ، المتوفّى
سنة (381 هـ) في كتاب (الاعتقادات) : «اعتقادنا أنّ القرآن الذي أنزله الله
على نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم هو مابين الدفّتين ، وهو ما في أيدي
الناس ، ليس بأكثر من ذلك ، ومبلغ سوره عند الناس مائة وأربع عشرة سورة..
ومن نسب إلينا أنّا نقول إنّه أكثر من ذلك فهو كاذب» (1) .
2 ـ ويقول الاِمام الشيخ المفيد ، محمّد بن محمّد بن النعمان ، المتوفّى
سنة (413 هـ) في (أوائل المقالات) : «قال جماعة من أهل الاِمامة : إنّه لم
ينقص من كَلِمة ولا من آية ولا من سورة ، ولكن حُذِف ما كان مثبتاً في
____________ (1) الاعتقادات : 93 .
( 24 )
مصحف أمير المؤمنين عليه السلام من تأويله وتفسير معانيه على حقيقة تنزيله
، وذلك كان ثابتاً منزلاً ، وإن لم يكن من جملة كلام الله تعالى الذي هو
القرآن المعجز ، وعندي أنّ هذا القول أشبه ـ أي أقرب في النظر ـ مِن مقال
من أدّعى نقصان كَلِمٍ من نفس القرآن على الحقيقة دون التأويل ، وإليه
أميل» (1) .
وفي (أجوبة المسائل السروية) ، قال : «فان قال قائل : كيف يصحّ القول بأنّ
الذي بين الدفّتين هو كلام الله تعالى على الحقيقة من غير زيادة فيه
ولانقصان ، وأنتم تروون عن الاَئمّة عليهم السلام أنّهم قرأوا «كنتم خير
أئمّة أُخرجت للناس» ، «وكذلك جعلناكم أئمّة وسطاً» . وقرأوا «يسألونك
الاَنفال» . وهذا بخلاف ما في المصحف الذي في أيدي الناس ؟
قيل له : إنّ الاَخبار التي جاءت بذلك أخبار آحاد لايُقْطَع على الله تعالى
بصحّتها ، فلذلك وقفنا فيها ، ولم نعدل عمّا في المصحف الظاهر ، على ما
أُمِرنا به (2) حسب مابيّناه مع أنّه لايُنْكر أن تأتي القراءة على وجهين
منزلين ، أحدهما : ما تضمّنه المصحف ، والثاني : ما جاء به الخبر، كما
يعترف به مخالفونا من نزول القرآن على أوجهٍ شتّى» (3) .
3 ـ ويقول الاِمام الشريف المرتضى ، عليّ بن الحسين الموسوي ، المتوفّى سنة
(436 هـ) في (المسائل الطرابلسيات) : «إنّ العلم بصحّة نقل القرآن ، كالعلم
بالبلدان والحوادث الكبار والوقائع العظام ، والكتب ____________
(1) أوائل المقالات : 55 . (2) روي عن
الصادق عليه السلام أنه قال : «اقرءوا كما عُلّمتم...» ، وقال عليه السلام
: «اقرءُوا كما يقرأ الناس». (3) المسائل السروية : 83 تحقيق الاستاذ
صائب عبدالحميد .
(
25 )
المشهورة ، وأشعار العرب المسطورة ، فإنّ
العناية اشتدّت ، والدواعي توفرت على نقله وحراسته ، وبلغت إلى حدّ لم
يَبْلُغه في ما ذكرناه ؛ لاَنّ القرآن معجزة النبوّة ، ومأخذ العلوم
الشرعية والاَحكام الدينية ، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته
الغاية حتّى عرفوا كلّ شيءٍ اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته ،
فكيف يجوز أن يكون مغيّراً أو منقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد ؟!
وقال أيضاً : إنّ العلم بتفضيل القرآن وأبعاضه في صحّة نقله كالعلم بجملته
، وجرى ذلك مجرى ماعُلِم ضرورةً من الكتب المصنّفة ككتابي سيبويه والمزني ،
فإنّ أهل العناية بهذا الشأن يعلمون من تفصيلها مايعلمونه من جملتها ، حتّى
لو أنّ مُدْخِلاً أدخل في كتاب سيبويه باباً ليس من الكتاب لُعرِف ومُيّز ،
وعُلِم أنّه مُلْحَقٌ وليس من أصل الكتاب ، وكذلك القول في كتاب المزني ،
ومعلومٌ أنّ العناية بنقل القرآن وضبطهِ أصدق من العناية بضبط كتاب سيبويه
ودواوين الشعراء» .
وذكر : «أنّ من خالف في ذلك من الاِمامية والحشوية لايعتدّ بخلافهم ، فإنّ
الخلاف في ذلك مضافٌ إلى قومٍ من أصحاب الحديث ، نقلوا أخباراً ضعيفة ظنّوا
صحّتها ، لايرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحّته» (1)
وذكر ابن حزم أنّ الشريف المرتضى كان يُنكر من زعم أنّ القرآن بُدّل ، أو
زيد فيه ، أو نُقِص منه ، ويكفّر من قاله ، وكذلك صاحباه أبو يعلى
____________ (1) مجمع البيان 1 : 83 .
( 26 )
الطوسي وأبو القاسم الرازي (1) .
4 ـ ويقول الاِمام الشيخ الطوسي ، محمد بن الحسن ، المعروف بشيخ الطائفة ،
المتوفّى سنة (460 هـ) في مقدمة تفسيره (التبيان) : «المقصود من هذا الكتاب
علم معانيه وفنون أغراضه ، وأمّا الكلام في زيادته ونقصانه فممّا لا يليق
به أيضاً ، لاَنّ الزيادة فيه مجمعٌ على بطلانها ، والنقصان منه فالظاهر
أيضاً من مذهب المسلمين خلافه ، وهو الاَليق بالصحيح من مذهبنا ، وهو الذي
نصره المرتضى رحمه الله ، وهو الظاهر من الروايات ، غير أنّه رُويت روايات
كثيرة من جهة الخاصّة والعامّة بنقصان كثير من آي القرآن ، ونقل شيءٍ من
موضع إلى موضع ، طريقها الآحاد التي لاتُوجِب علماً ولا عملاً ، والاَولى
الاعراض عنها وترك التشاغل بها ، لاَنّه يمكن تأويلها ، ولو صَحّت لماكان
ذلك طعناً على ماهو موجودٌ بين الدفّتين ، فإنّ ذلك معلومٌ صحّته لايعترضه
أحدٌ من الاَُمّة ولا يدفعه» (2) .
5 ـ ويقول الاِمام الشيخ الطبرسي ، أبو علي الفضل بن الحسن المتوفى سنة
(548 هـ )، في مقدمة تفسيره (مجمع البيان) : «ومن ذلك الكلام في زيادة
القرآن ونقصانه ، فانّه لا يليق بالتفسير ، فأمّا الزيادة فمجمعٌ على
بطلانها ، وأمّا النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية
العامّة أنّ في القرآن تغييراً ونقصاناً ؛ والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه،
وهو الذي نصره المرتضى ، واستوفى الكلام فيه غاية ____________
(1) الفصل في الملل والنحل 4 : 182 .
(2) التبيان 1 : 3 .
( 27 )
«الاستيفاء» (1) .
6 ـ ويقول الاِمام العلاّمة الحلي ، أبو منصور الحسن بن يوسف بن المطهر ،
المتوفّى( سنة 726 هـ) في (أجوبة المسائل المهناوية) حيثُ سُئل ما يقول
سيدنا في الكتاب العزيز ، هل يصحّ عند أصحابنا أنّه نقص منه شيءٌ ، أو زِيد
فيه ، أو غُيِّر ترتيبه ، أم لم يصحّ عندهم شيءٌ من ذلك ؟
فأجاب : «الحقّ أنّه لا تبديل ولا تأخير ولا تقديم فيه ، وأنّه لم يزد ولم
ينقص ، ونعوذ بالله تعالى من أن يُعْتَقَد مثل ذلك وأمثال ذلك ، فإنّه
يُوجِب التطرّق إلى معجزة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم المنقولة
بالتواتر» (2) .
7 ـ ويقول الاِمام الشيخ البهائي ، محمد بن الحسين الحارثي العاملي ،
المتوفّى سنة 1030 هـ ، كما نقل عنه البلاغي في (آلاء الرحمن) : «الصحيح
أنّ القرآن العظيم محفوظٌ عن التحريف ، زيادةً كان أو نقصاناً ، ويدلّ عليه
قوله تعالى : ( وإنّا لَهُ لَحَافِظُونَ
) وما اشتهر بين الناس من اسقاط اسم أمير
المؤمنين عليه السلام منه في بعض المواضع ، مثل قوله تعالى (يا
أيُّها الرسولُ بَلّغ ما أُنْزِل إليكَ ـ في عليّ ـ
) وغير ذلك ، فهو غير معتبرٍ عند العلماء» (3) .
8 ـ ويقول الاِمام الشيخ جعفر كاشف الغطاء ، المتوفّى سنة (1228 هـ ) في
(كشف الغطاء) : «لا ريب في أنّ القرآن محفوظٌ من النقصان بحفظ الملك
الديّان ، كما دلّ عليه صريح الفرقان ، واجماع العلماء في جميع
____________ (1) مجمع البيان 1 : 83 .
(2) أجوبة المسائل المهناوية : 121 . (3) آلاء الرحمن 1 : 26 .
( 28 )
الاَزمان ، ولاعبرة بالنادر ، وما ورد في أخبار النقيصة تمنع البديهة من
العمل بظاهرها ، ولاسيّما مافيه نقص ثلث القرآن أو كثير منه ، فإنّه لو كان
كذلك لتواتر نقله ، لتوفّر الدواعي عليه ، ولا تّخذه غير أهل الاِسلام من
أعظم المطاعن على الاِسلام وأهله ، ثمّ كيف يكون ذلك وكانوا شديدي المحافظة
على ضبط آياته وحروفه» (1) .
9 ـ ويقول الاِمام المجاهد السيد محمد الطباطبائي ، المتوفّى سنة (1242 هـ)
في (مفاتيح الاُصول) : «لاخلاف أنّ كل ماهو من القرآن يجب أن يكون متواتراً
في أصله وأجزائه ، وأمّا في محلّه ووضعه وترتيبه فكذلك عند محقّقي أهل
السنة ، للقطع بأنّ العادة تقضي بالتواتر في تفاصيل مثله، لاَنّ هذا المعجز
العظيم الذي هو أصل الدين القويم ، والصراط المستقيم ، ممّا توفّرت الدواعي
على نقل جمله وتفاصيله ، فما نقل آحاداً ولم يتواتر ، يقطع بأنّه ليس من
القرآن قطعاً» (2) .
10 ـ ويقول الاِمام الشيخ محمد جواد البلاغي ، المتوفّى سنة (1352 هـ ) في
(آلاء الرحمن) : «ولئن سمعت من الروايات الشاذّة شيئاً في تحريف القرآن
وضياع بعضه ، فلا تُقِم لتلك الروايات وزناً ، وقلَّ ما يشاء العلم في
اضطرابها ووهنها وضعف رواتها ومخالفتها للمسلمين ، وفيما جاءت به في
مروياتها الواهية من الوهن، وما ألصقته بكرامة القرآن ممّا ليس له شَبَه
به» (3) .
11 ـ ويقول الاِمام الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء ، المتوفّى سنة( 1373
هـ) في (أصل الشيعة وأصولها) : «إنّ الكتاب الموجود في أيدي المسلمين ، هو
الكتاب الذي أنزله الله إليه صلى الله عليه وآله وسلم للاعجاز والتحدّي ،
ولتعليم الاَحكام ، وتمييز الحلال من الحرام ، وإنّه لا نقص فيه ولا تحريف
ولا زيادة ، وعلى هذا إجماعهم ، ومن ذهب منهم ، أو من غيرهم من فرق
المسلمين ، إلى وجود نقصٍ فيه أو تحريفٍ ، فهو مخطئ، يَرُدّهُ نص الكتاب
العظيم ( إنّا نحنُ نزّلنا الذكرَ وإنّا
لَهُ لَحَافِظُونَ )) (الحجر15: 9).
والاَخبار الواردة من طرقنا أو طرقهم الظاهرة في نقصه أو تحريفه ، ضعيفة
شاذّة ، وأخبار آحاد لا تفيد علماً ولا عملاً ، فأمّا أن تُؤوّل بنحوٍ من
الاعتبار أو يُضْرَب بها الجدار» (1) .
12 ـ ويقول الاِمام السيد عبدالحسين شرف الدين العاملي ، المتوفّى سنة
(1377 هـ) ، في (أجوبة مسائل جار الله) : «إنّ القرآن العظيم والذكر الحكيم
، متواترٌ من طُرقنا بجميع آياته وكلماته وسائر حروفه وحركاته وسكناته ،
تواتراً قطعياً عن أئمة الهدى من أهل البيت عليهم السلام ، لا يرتاب في ذلك
إلاّ معتوهٌ ، وأئمّة أهل البيت عليهم السلام كلّهم أجمعون رفعوه إلى جدّهم
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الله تعالى ، وهذا أيضاً ممّا لا ريب
فيه . وظواهر القرآن الحكيم ، فضلاً عن نصوصه ، أبلغ حجج الله تعالى ،
وأقوى أدلّة أهل الحقّ بحكم الضرورة الاَولية من مذهب الاِمامية ، وصحاحهم
في ذلك متواترةٌ من طريق العِترة الطاهرة ، ولذلك تراهم يضربون بظواهر
الصحاح المخالفة للقرآن عرض الجدار ولا يأبهون بها ، عملاً بأوامر أئمتهم
عليهم السلام .
____________
(1) أصل الشيعة وأُصولها : 101 ـ 102 ط15 .
( 30 )
وكان القرآن مجموعاً أيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ماهو عليه
الآن من الترتيب والتنسيق في آياته وسوره وسائر كلماته وحروفه ، بلا زيادةٍ
ولا نقصانٍ ، ولا تقديمٍ ولا تأخيرٍ ، ولا تبديلٍ ولا تغيير» (1) .
13 ـ ويقول الاِمام السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي ، المتوفّى سنة 1413
هـ ، في (البيان في تفسير القرآن) : «المعروف بين المسلمين عدم وقوع
التحريف في القرآن ، وأنَّ الموجود بأيدينا هو جميع القرآن المنزل على
النبي الاَعظم صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد صرح بذلك كثير من الاَعلام ،
منهم رئيس المحدثين الشيخ الصدوق محمد بن بابويه ، وقد عدّ القول بعدم
التحريف من معتقدات الاِمامية» (2) .
ويقول أيضاً : «إنّ حديث تحريف القرآن حديث خرافة وخيال ، لايقول به إلاّ
من ضعف عقله ، أو من لم يتأمّل في أطرافه حقّ التأمّل ، أو من ألجأه إليه
من يحبّ القول به ، والحبّ يعمي ويصمّ ، وأمّا العاقل المنصف المتدبّر فلا
يشكّ في بطلانه وخرافته» (3) .
14 ـ يقول الاِمام الخميني المتوفّى سنة 1409 هـ : «إنّ الواقف على عناية
المسلمين بجمع الكتاب وحفظه وضبطه ، قراءةً وكتابةً ، يقف على بطلان تلك
الروايات المزعومة . وما ورد فيها من أخبار ـ حسبما تمسّكوا به ـ إمّا ضعيف
لا يصلح للاستدلال به ، أو موضوع تلوح عليه إمارات الوضع ، أو غريب يقضي
بالعجب ، أمّا الصحيح منها فيرمي إلى مسألة ____________
(1) عبدالحسين شرف الدين | أجوبة مسائل
جار الله : أُنظر ص 28 ـ 37 . (2) البيان في تفسير القرآن : 200 .
(3) البيان في تفسير القرآن : 259 .
( 31 )
التأويل ،
والتفسير، وإنّ التحريف إنّما حصل في ذلك ، لا في لفظه وعباراته .
وتفصيل ذلك يحتاج إلى تأليف كتاب حافل ببيان تاريخ القرآن والمراحل التي
قضاها طيلة قرون ، ويتلخّص في أنّ الكتاب العزيز هو عين ما بين الدفّتين ،
لا زيادة فيه ولا نقصان ، وأنّ الاختلاف في القراءات أمر حادث ، ناشئ عن
اختلاف في الاجتهادات ، من غير أن يمسّ جانب الوحي الذي نزل به الروح
الاَمين على قلب سيد المرسلين» (1) .