Google
    Web    islamology.org        البحث   في

 

 

 

طريق التفكير في مشروع الوحدة (1)

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

أودّ أن أثير التفكير حول طريقتين في أسلوب مواجهتنا لقضايانا العامة المتصلة بحركة الأهداف الكبيرة في حياتنا، سواء في ما نثيره من قضايا الوحدة على مستوى الطائفة أو الإقليم أو الأمّة أو الحزب وما إلى ذلك، أو من قضايا المصير الأخرى المرتبطة بمواجهة التحديات السياسية والعسكرية والاقتصادية، المفروضة من جانب المحاور الداخلية أو الإقليمية أو الدولية.

أولاً: الطريقة الحالمة:

أولى هذه الطرق هي تلك التي تتعاطى مع المشروع أو الهدف الكبير بشكل عاطفي انفعالي، غارق في ضباب الأحلام الوردية التي يحلِّق معها الإنسان في عالـم من السحر السابح في الخيال..

وتتميز هذه الطريقة بالتفكير المطلق الذي يتعامل بالتبسيط الساذج مع كلّ المشاكل التي تعترض حركة الوصول نحو الهدف، وذلك باعتبارها مشاكل بسيطة يمكن للزمن أن يحلها، أو للأجواء الشعبية الحماسية أن تخفف الكثير منها. وهكذا يشعر السائرون في هذا الاتجاه بأنَّ المشروع لا يواجه أية مشكلة، بل سرعان ما يواجهون كلّ علامات الاستفهام التي يثيرها الآخرون حول جدية المشروع وواقعيته، باعتبارها لوناً من ألوان التشاؤم أو الانهزامية، أو الحالة العدوانية ضدهم. وربَّما يتحرك هؤلاء بطريقة اندفاعية حماسية من خلال الظروف القلقة التي تساعد على هذا التحرك في نطاق المرحلة، فيحققون نتائج كبيرة على مستوى المساحات الواسعة التي يقطعونها، والنتائج الإيجابية التي يحصلون عليها، والأهداف المرحلية التي يحققونها، فيغريهم ذلك بالاندفاع بشكل أكبر لاعتبار أنَّ ذلك يمثل البرهان على نجاح الخطة وواقعية التجربة.. وقد يعتبرون أنَّ إثارات المثبطين لـم تنتج من حالة واقعية شاملة، بل كانت منطلقة من التربية التقليدية الهادئة التي عاشها هؤلاء، فخُيِّل إليهم أنَّها الطريقة الوحيدة للتحرّك. وإذا وقعوا في بعض المشاكل الصعبة أو واجهوا بعض الهزائم، فإنَّهم يملكون لها تفسيراً واحداً وهو الظروف الطارئة والقوى الغاشمة التي لا يستطيعون مجابهتها الآن، ولكنّهم يستطيعون مجابهتها غداً أو بعد غد. أما كيف ذلك؟ فإنَّهم يجيبون: هذا ما يمكن أن نفكر به في المستقبل لأنَّ القضية هي أن تظل القافلة تسير، وليس من المهم أن نفكر كيف تسير.

وقد نجد من خصائص هذه الطريقة العمل على إثارة الجماهير بالخطب الحماسية والشعارات المثيرة والمهرجانات الصاخبة، ممّا يجعلها تصفق لبلاغة هذا الخطيب، وتهتف لحماس ذلك القائد... وهكذا تبقى القضية لديهم هدفاً يبحث عن طريق، ودوراً يبحث عن ساحة..

ثانياً: الطريقة الواقعية:

وهي الطريقة التي تواجه الهدف بمنطق الواقع، فلكلّ ظاهرة أسبابها الكافية في الواقع، ولكلّ واقع ظروفه المحدودة بالزمان والمكان والأشخاص، ولكلّ هدف وسائله ومراحله وآفاقه. ولذلك فإنَّ الذين يفكرون بهذه الطريقة يعملون على دراسة المشروع من خلال معرفة الأرض التي يقوم عليها، والشروط التي ينبغي توفرها، والأشخاص الذين يتحركون معه في الداخل والخارج، والمشاكل التي تواجهه على جميع المستويات، ثمّ يرسمون الخطة على أساس ذلك، وتتقدم الخطّة في بعض المراحل، وتسقط في البعض الآخر؛ فلا يسقطون أمام سقوطها، ولا يحاولون أن يحمِّلوا الآخرين مسؤولية السقوط، بل يعملون على دراسة أسباب الفشل في الواقع، ليعدّلوا الخطة ويطوّروها ليصلوا بها إلى النتائج العملية في نهاية المطاف.

وتتميز هذه الطريقة بالتأكيد على التحليل الدقيق للأشياء والأشخاص والواقع، ومواجهة الأخطاء بشجاعة، والبعد عن أجواء الاستعراض وعن ذهنية التبسيط. وعندما تفكر هذه الفئة الواقعية بالحماس، فإنَّها تفكر به كجزء من الخطة، لا كحالة مزاجية طارئة. وهكذا يملك القائمون عليها وضوح الصورة، وواقعية التفكير، بعيداً عن كلّ أجواء الأحلام والسرعة والارتجال، وعن كلّ ألوان التفسير الغيبي للأشياء، مما يوفر لهم الكثير من الوعي، والصبر، والهدوء، في مواجهة المشاكل والتحديات، والشجاعة عند الوقوع في الأخطاء، للاعتراف بها، ومواجهتها بالمزيد من عمليات النقد والتصحيح.

هاتان هما الطريقتان اللتان تحكمان الواقع العملي للإنسان، فأين نحن منهما الآن في ما نستهدفه من التفكير بالوحدة؟

بين حلم الوحدة وسجن الخصوصية:

لعلّ الوحدة ـ في أكثر من موقع في حياتنا ـ هي أكبر حلم للإنسان في كلّ مجتمع يعاني من التجزئة، لا سيما إذا ما كانت هذه التجزئة وضعاً طارئاً فرضته ظروف تاريخية وسياسية وثقافية وحتى اجتماعية واقتصادية معينة.

لكنَّ هذا الحلم سرعان ما كان يصطدم بعناصر التجزئة التي تحولت إلى عقدة شعورية في داخل إنساننا، الأمر الذي جعله يعيش بين تجاذبين: الأول يشده إلى العقدة التي تجره إلى الخصوصية لتسجنه في داخل ذاته، الثاني يشده نحو الحلم الذي يرتفع به إلى الشمولية ليطير به إلى أجواء المطلق. وقد خلق ذلك لديه ارتباكاً بين ما هو الواقع وما هو الحلم، حتى إذا انتصر الحلم في وعيه، مشى إليه بعيون مشدودة إلى السماء لا تبصر ما في الأرض من مشاكل وحواجز، ولذا كان الحلم يسقط، باستمرار، صريعاً أمام ضغط واقع الخصوصية. فلماذا كان ذلك؟

قد تكون المشكلة في أنَّ الإنسان حمل هذا الحلم الكبير كعنوان عام، ولـم يحمله، في حياته، كتجربة حيّة مستقلة بعيداً عن أجواء الخصوصية، بل على العكس حوّله إلى شأن من شؤونها، حتى كاد أن يتحول إلى واجهة لها. ولذلك، لـم يعش الإنسان الشمولية إلاّ من خلال الخصوصية، مما جعل حماسه للخصوصية أكثر من حماسه للعمومية، انطلاقاً من الحالة الشعورية التي تخلقها التجربة.

وفي هذا الإطار، يمكن القول إنَّ الوحدة لـم تنطلق من تصور فكري أو روحي للقاعدة التي يفترض أن ترتكز عليها، بل انطلقت من حالة ذاتية عاشت ردود فعل قاسية أنتجتها مشاكل التجزئة، لكنَّ غياب التصور، وعمق الذهنيات الانقسامية على مستوى الشخصيات المتعددة التي تتحرك في الساحة، كانت تولّد المزيد من السلبيات العملية في الحاضر والمستقبل، مما يجعل الصورة التي يتطلع إليهـا الإنسان الوحـدوي، صورة غائمة لا تغريه بالمزيد من الاندفاع، ولا تدفعه لتقديم الكثير من التنازلات الخاصة لحساب القضية العامة.

وهذا هو ما عشناه عندما انطلقت فكرة الوحدة الإقليمية في البلد الذي تتعدد فيه القوميات والطوائف، أو الوحدة العربية في المنطقة التي تنوّعت فيها الأقاليم، أو الوحدة الإسلامية في الساحة التي تختلف فيها المذاهب. فقد كانت الوحدة حلماً للروح يبحث عن الأفق الذي يتخلص فيه من مشاكل الواقع التجزيئي والتعددي، ولكن المعالجة كانت دائماً تأتي من خلال الفكرة الغائمة التي توحي بأنَّ التعدد هو المشكلة، مما يجعل من الخلاص منه نهاية للمشكلة، وهو ما يمهِّد للالتصاق بالوحدة على أساس أنَّها الحل، دون دراسةٍ عميقة للموضوع. وقد يدفعنا ذلك إلى الابتعاد عن فهـم الأسس الواقعيـة للمشكلة التي قد تكون خاضعة لمؤثرات ذاتية في حركة الواقع الداخلي، بعيـداً عن قضية التعدد والوحدة، في طبيعة المسألة المطروحة على الساحة..

وقد نكتشف ـ في نهاية المطاف ـ أنَّ الوحدة لـم تكن حالة فكرية روحية عميقة، بل كانت حالة انفعالية عاطفية سريعة، بينما مثَّلت التعددية أو التجزيئية عمق التجربة التي ارتبطت بها كلّ قضايا الإنسان اليومية، وكلّ علاقاته الاجتماعية، مما يُعجّل بهزيمة الوحدة ـ بشكل سريع ـ أمام عوامل التجزئة، كما لاحظناه في أكثر من عمل وحدوي سياسي انطلقت به الجماهير في صرخة راعدة واعدة، ولكنَّها تراجعت بشكل سريع ضاغط، لتكتشف أنَّ الحلم الكبير لـم يكن إلاَّ كابوساً مرعباً في ما يتمخض به الواقع من مشاكل وأوضاع.

قضية الوحدة في ضوء الواقع:

تلك هي بعض الأفكار التي حاولت إثارتها أمام الموضوع لنواجه تفصيلات المسألة بعد ذلك من خلال عملية رصدٍ للواقع.

لقد مرّت فكرة الوحدة الإسلامية في حياة المسلمين بتاريخ طويل من الدعوات الإصلاحية التي انطلق بها المصلحون، في ما كانوا يثيرون أمام الأمّة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الداعية إلى الوحدة، على أساس الاعتصام بحبل اللّه، والالتقاء على رسالته، والبعد عن التنازع والاختلاف الذي يبعثر القوى ويضيّع الطاقات، ولكنَّ ذلك لـم يغير من واقع التجزئة شيئاً، بالرغم من الحماس الذي تثيره الخطابات الحماسية والمواعظ الانفعالية في نفوس النّاس، فقد كان ذلك الجو يهدأ ويخف تدريجياً حتى يتبخر في الهواء ويرجع كلّ فريق إلى قواعده سالماً؛ فلماذا حدث ذلك؟

ربَّما كان بعض السبب في أنَّ الدعوة إلى الوحدة كانت ردَّ فعل ولـم تكن فعلاً، فيما كان يعيشه العاملون من الحالة المعقدة على المستوى النفسي والحياتي في واقع المسلمين، مما يؤدي إلى التنازع والتحاقد والتقاتل على أساس غير معقول، كأن يواجه المسلمون بعضهم البعض بأساليب التجريح والتنكيل بعيداً عن كلّ عقلانية أو موضوعية أو إيمانية، فيسقطون بذلك في ساحات الصراع تحت تأثير النتائج السلبية، ليكونوا فريسة سهلة لكلّ لاعب ومحتلّ وغاصب. وهكذا كان العاملون يواجهون ذلك كلّه بالثورة على الواقع، تماماً كما هي الحالة النفسية التي تريد أن تتخلص من المشكلة بأيّ ثمن، وبشكل سريع ولهذا كان الحماس في أساليب الدعوة هو الطابع لكلّ هذا الخطّ.

على أنَّ هذا الفشل في الدعوة إلى الوحدة كان يواجَهُ بإلقاء اللوم على الشعب الجاهل المتخلف الذي لا يعي مشاكله الحقيقية، ولا يتطلّع إلى آفاق المستقبل بوعي، أو بتحميل الاستعمار مسؤولية ذلك كلّه على أساس سياسته المعروفة (فرّق تسُد).. وربَّما كانوا يرتاحون لهذا التبرير الذي يوحي لهم بأنَّهم قد قاموا بواجبهم خير قيام.

وربَّما نلاحظ في هذا الاتجاه أنَّ مثل هذا الأسلوب في الدعوة إلى الوحدة، غير المدروس بدقة وشمولية، قد يخلق حالة تراجعية لدى النّاس، عندما يلاحظون عدم جديتها، أو عدم واقعيتها، فيخافون من الضياع أمامها، فيرجعون إلى مواقعهم المذهبية بشغف واندفاع وخوف، تماماً كما يفعل الطفل الخائف من التهاويل الغامضة المحيطة به عندما يفزع بكلّ لهفته وخوفه إلى حضن أمّه، مما يقوّي الروح الانقسامية أكثر، ويعيد عقارب الساعة إلى الوراء.

وكان يعزّز هذا المناخ التقسيمي، اتهامات بعض النّاس المتحمسين لمذهبيتهم الضيقة للعاملين في سبيل الوحدة الإسلامية بأنَّهم منحرفون عن خطّ المذهب لأنَّهم وحدويون، كما لو كانت الوحدوية جريمة تعني المروق من الدين.

نظرة واقعية إلى سلبيات الدعوة المثالية:

إذا أردنا التوقف عند ملامح الدعوة المثالية إلى الوحدة، وتوقفنا عند النقاط السلبية في أسلوبها العملي، فإنَّنا نجد فيها ملامح الدعوة المثالية التي تحلّق في السماء ولا تتحرك في الأرض، لأنَّ من أبسط القضايا التي يجب أن ندركها، هي أنَّ التاريخ المعقّد الذي عاش المسلمون مشاكله الدامية، وأساليبه المتخلّفة، ومواقعه القلقة، لا يمكن إلغاءه بخطبة بليغة أو حركة سريعة، لأنَّ الرواسب التي يتركها في الأعماق من مشاعر وأفكار وتعقيدات، تخلق حاجزاً نفسياً مقدساً ضد الفريق الآخر، وتنقل الصورة في منهج التفكير من موقع الاجتهاد في فهم العقيدة أو الشريعة ـ الذي يفسح المجال لاجتهاد آخر مخالف له، على أساس إمكان اختلاف وجهات النظر في فهم المسألـة الواحدة ـ إلـى موقع التأكيد على نفي الإسلام عن الفريق الآخر، لأنَّ الخصوصية تحاصر الشمولية، والجزئيات تطوّق الكليات..

وبذلك يتحول المذهب إلى دين مميز، تماماً كالدين الذي يتميز عن دين آخر، ويعود الارتباط بالشخصيات الإسلامية ـ سلباً أو إيجابـاً ـ عنصراً من عناصر تحديد الشخصية الإسلامية فيمن هو المسلم أو فيمن هو غير المسلم.

فإذا التقيت بالواقع في الحاضر، فستجد أنَّ الفرز المذهبي قد تحول إلى حالة طائفية تشبه الحالة العشائرية في أفكارها وعواطفها ومواقعها ومواقفها السياسية والاجتماعية والثقافية، وأصبح لهذه الحالة مصالحها الخاصة في مواجهة كلّ فريق للفريق الآخر، مما جعل الشخصية الضيقة تتعمق أكثر في الانحراف عن خطّ الوحدة استناداً إلى امتيازات مزعومة لهذا الجانب أو ذاك، بعد أن كان الانقسام يتمحور حول الأفكار والمقدسات. وهكذا رأينا أنَّ العلاقة بين الطوائف قد تحولت إلى ما يشبه العلاقة بين الدول، فلكلّ منها منطقته الخاصة التي لا يجوز للآخرين التدخل في شؤونها أو الامتداد إليها، ولكلّ منها أوضاعه الداخلية التي لا يجوز المساس بها من الفريق الآخر، وهكذا أصبح للساحة أحاسيسها الملتهبة التي يمكن أن تشعل الحريق لأول بادرة نزاع أو خلاف.

وتدخلت المحاور السياسية في الساحة، على المستوى الإقليمي أو الدولي، مما جعل الجانب المذهبي يدخل في الحسابات السياسية كأداة من أدوات التفجير هنا، أو كوسيلة من وسائل تسليط الأضواء هناك، وذلك من خلال سياسة التخويف التي تتحول إلى لون من ألوان الخوف المتبادل الذي يثيره هذا المحور أو ذاك، لتكون النتيجة أن تتحرك الحالة السياسية لتفرز حالة مذهبية، ويتطور الخلاف السياسي ليتحول إلى خلاف مذهبي. ودون أن تُعرف طبيعة العلاقة بين هذا وذاك، إلاّ من خلال الحساسيات الذاتية التي يحاول الكثيرون تحويلها إلى حساسيات طائفية.

هذه هي بعض ملامح الواقع الذي تحرك من التاريخ إلى الحاضر، وتطور حتى أصبح صورة من صور تعليب الشخصية الإسلامية في داخل العلبة الطائفية، بحيث لا يشعر الإنسان معها أنَّه يتفاعل مع روح الإسلام فيها بقدر ما يتفاعل مع أحقاد الطائفة وحساسياتها. والسؤال: كيف يمكن لنا أن نهمل ذلك كلّه أو نتناساه في حركة الوحدة الإسلامية؟ وهل يمكن أن نحقق خطوة واحدة إلى الأمام في مثل هذه الساحة؟

قد لا يكون هذا هو كلّ الواقع، ولكنّنا نشعر أنَّه يشغل الساحة الكبيرة للساحة الإسلامية. وبذلك يكون القفز عنه بمثابة القفز عن المشكلة بالأساس، والتعامي عن مواجهة جذورها الحقيقية في الواقع، مما يجعل من المحاولة هروباً من المشكلة لا حلاً لها، وهذا هو الذي اعتبرناه لوناً من ألوان المثالية في تصور الحل للمشكلة، فلا الاستغراق في الغيب عند مواجهة الصعوبات والتعقيدات المطروحة على الساحة، ولا توجيه الأنظار إلى غيرة المسلمين على إسلامهم وضرورة وحدتهم أمام عدوّهم، ولا انتظار الظروف الملائمة، والاعتماد في الوصول إلى النتائج على عامل الزمن، تشكل عوامل جذرية لمعالجة المشكلة.

إنَّ واقعنا بات موغلاً في الطائفية، فهي التي تحدد الأعداء أو الأصدقاء من مقاييس الطائفة لا من مقاييس الدين، حتى أنَّ محوراً سياسياً إذا اتفق مع طائفة ما لتحقيق مصالحها في مواجهة الطائفة الأخرى، فإنَّه يعتبر صديقاً لها وإن كان عدوّاً للأخرى، وإذا كان الأمر كذلك، فأين يكون العدوّ الواحد؟ وكيف نتصور الغيرة على الإسلام إذا كنت لا أعتبر المسلم الآخر مسلماً؟ وبالتالي فلا يكون اضطهاده منافياً للإسلام والدفاع عنه دفاعاً عن كرامة المسلم؟ وهل يمكن أن يحمل لنا الزمن إلاّ تأكيداً لمثل هذه الأجواء ما دامت المقدمات تتحرك في طريق تحقيق تلك النتائج؟

هل هذا الذي نثيره يمثّل لوناً من ألوان التشاؤم؟ إنّنا لا نريد ذلك، ولكنّنا نريد أن نتلمس الواقع بطريقة ميدانية. فكيف يمكن أن نفكر؟ قد يكون من الخير لنا اعتبار أنَّ أي عمل وحدويّ لا بُدَّ من أن ينطلق من الاهتمام بالقاعدة التي ترتكز عليها الوحدة، لنعرف ما إذا كانت تتسع لخطّ الوحدة أو تضيق عنه. وقد لا يكون من الصعوبة اكتشافنا أنَّ الإسلام هو تلك القاعدة، ولكن كيف لنا أن نثير الاهتمام به لنعرف كيف يمكن أن تكون الوحدة حركة إيجابية في وجوده، وكيف تكون التعددية حركة سلبية في ذلك؟

ربَّما كان المسلمون غير بعيدين عن الاهتمام بالإسلام، ولكن بطريقة عاطفية، لأنَّ الكثيرين منهم قد لا يجدون له معنى في حركة الحياة، بل كلّ ما هناك أنَّه يمثّل حالة في وعي الذات، ولذا فإنَّه لا يتصل بالواقع في حركة فعل، بل يتصل بالذات في انطلاقة وجدان، ولهذا فقد تحوّل الاهتمام به إلى اهتمام بالصورة العبادية والأخلاقية الغائمة من جهة، وبالصورة الاجتماعية المشوّشة من جهة أخرى، وبذلك كانت قضية الوحدة تتعلّق بالجانب الفردي من ناحية الفكرة، وبالجانب الاجتماعي من ناحية الانتساب، مما يجعلنا نواجه التعددية خارج نطاق المشكلة الحياتية الفكرية والعملية في ما نختلف فيه، وبذلك لا يعني الفرز الطائفي شيئاً لنا في حركة الحياة من حولنا، لأنَّ بإمكاننا أن نتمحور عند ذلك في أي محور سياسي أو اجتماعي آخر، دون أن يسيء ذلك إلى عملية الانتماء الفكري في طبيعة المضمون، مما يجعلنا لا نمتنع عن الاندماج العملي تحت أية صفة أخرى على مستوى الوطن أو الإقليم أو القومية أو أي شيء آخر، وبذلك تفقد صفة السنية أو الشيعية أي مضمون لها في ما يتصل بواقع النّاس، لأنَّها لا ترتبط بأي شيء خارج نطاق الذات، وتبقى لأصحابها صفة النسب الطائفي المشترك في المسألة الإنسانية الاجتماعية(1).

ولعلّ هذا هو الذي جعل عملية اللقاء على أساس الإسلام لا تعني شيئاً للكثيرين، إلاّ بقدر ما يعنيه اللقاء تحت أية صفة أخرى تتصل بالظروف الموضوعية لحركة الشخصية أو لحركة الحياة كالإقليمية أو القومية أو الحزبية. وبذلك قد تتقدم أية صفة أخرى على صفة الإسلام كإطار جامع تبعاً للأجواء السياسية التي تحيط بهذا البلد أو بذاك، فإذا كان النظام السياسي ينطلق من حالة وطنية أو قومية، كانت الوحدة الإسلامية مرتبطة بعلاقتها سلبياً أو إيجابياً بتلك الحالة، وإذا كان ينطلق من حالة طائفية على مستوى الدين، فإنَّ القضية تتخذ لها بعداً في المسألة السياسية لتجمع المسلمين في مواجهة غيرهم، أمّا إذا انطلق من حالة طائفية على مستوى المذهب، فإنَّ الوحدة تصبح مشكلة للطائفيين، لأنَّها تتحول إلى عنصر يُضعف من شخصية الطائفة وامتيازاتها في النظام الذي يتحرك على تلك الأسس الذاتية للمجتمع الطائفي. وفي ضوء ذلك، تتحول الحالة الإسلامية إلى حالة تابعة بدلاً من أن تكون حالة أصيلة، وبذلك تكون القضية المطروحة هي قضية تخدير الخلافات والابتعاد بها عن دائرة الضوء، بقدر ما تحتاجه الحالات السياسية الأخرى في الأمّة.

وربَّما كان هذا الفهم التقليدي للإسلام هو الذي جعل المسلمين يتجمّدون في فهمهم للجانب الذي يختلفون فيه، فيما يمثله من مفهوم الالتزام والتقوى، فيُخيّل إليهم أنَّ التعصّب هو الالتزام، وأنَّ الانغلاق هو التقوى، وأنَّ الابتعاد عن الفريق الآخر من المسلمين هو الإخلاص للخط الإسلامي الأصيل... وفيما يستتبعه ذلك من فقدان العناصر المنفتحة التي تتيح لهم التفكير بالأشياء من الأفق الأوسع، فتراهم يتوقفون أمام كلمة هنا وحركة هناك، ويواجهون التاريخ بسلبياته وإيجابياته من خلال النوازع الذاتية الطائفية التي تجعل الارتباط بالشخصية التاريخية ارتباطاً بالذات، لا بالفكرة، ولذلك فإنَّ الإخلاص لها ـ في ما يطلقونه عليها من نعوت أو يمنحونه لها من أدوار ـ قد يتم في كثير من الحالات على حساب الفكرة. وبذلك استطاعت هذه الذهنية أن تخلق في الساحة تعقيدات كثيرة من خلال بعض السلبيات التي يثيرها هذا الفريق ضد اسم معين، ليقابله فريق آخر باسم آخر.. وهكذا ينسى الجميع الديـن والمصيـر والمستقبل من أجل الكلمات التي تصنع الإثارة في النفس ـ ولكن دون مضمون ـ على مستوى وعي القضية التي يدافعون عنها أو يحملونها، فهم ليسوا مستعدين للمناقشة أو للحوار أو للبحث عن خلفية الموقف أو الكلمة أو الشخص، لأنَّ القصة هي قصة الحريق الداخلي الذي يعمل من أجل إشعال الحريق في الساحة كلّها، للتنفيس عن عقدة هنا، ولمعالجة وضع ذاتي هناك، وتلك هي قصة الآفاق الضيقة التي تستغرق في الجزئيات فتنسى القضايا الكلية معها في حالة غيبوبة وخدر واسترخاء.

تلك هي بعض الأفكار والتأملات حول الواقع ـ المشكلة والفهم والمسار، فماذا عن الحل، وكيف نبحث عن الخطوات العملية للوصول إلى النتائج الإيجابية المطلوبة؟

قد يكون من الأفضل لنا أن نفكر بالجوانب الواقعية التي يمكن أن تحيط بفكرة الحل، فنلاحظ أنَّ هناك آفاقاً ثلاثة للوحدة من خلال تنوع آفاق المشكلة، فنحن نجد في الداخل حواجز نفسية ذات حالة عاطفية سلبية، ومشاكل فكرية في نطاق تفاصيل المفاهيم الإسلامية العامة وجزئيات الأحكام الشرعية، ومشاكل سياسية في نطاق الواقع الطائفي الذي يعمل على فرز المواقع السياسية تبعاً للطابع المتنوع، مما يجعل للوحدة طابعاً عاطفياً وفكرياً وسياسياً. ومن الطبيعي أن تختلف وسائل المعالجة وأدواتها وساحاتها وأشخاصها تبعاً لاختلاف أجواء الوحدة مشكلةً وحلاً.

أخوّة الإيمـان

ففي الجانب الأول (النفسي أو العاطفي)، نلاحظ التاريخ المعقّد الذي أحاط بالعلاقات العامة والخاصة بين المسلمين وما عاش فيه من أحداث دامية، واضطرابات وخصومات، وما أفرزه من تباعد بينهم بالمستوى الذي جعل لكلّ فريق منهم مجتمعاً خاصاً يتميز بخصوصيته المذهبية، ويعمل على إقامة الحواجز أمام أيّ تقارب نفسي بين أفراد المذاهب المتنوّعة، حتى خيّل لكلّ واحد منهم أنَّه يملك الإسلام كلّه دون أن يملك الآخرون منه أي شيء، ممّا يوحي بأنَّ هناك مجتمعين مختلفين لا يلتقيان على شيء، حتى أصبح هذا الجو الذي يركّز على مواطن اللقاء يحمل بعض الطرافة في العرض، فنسمع حديثاً يقول: إنّنا نختلف في الإله من خلال اختلافنا في بعض صفاته، وفي النبيّ من خلال اختلاف الاجتهاد في بعض خصوصياته، وفي القرآن وفي الآخرة، بحيث تكون مواطن الخلاف أساساً للفرز بدلاً من أن تكون مواطن اللقاء أساساً للوحدة.

إنَّ من الممكن إثارة الحديث عن ذلك بطريقة عاطفية شعبية تتحدث عن الوحدة في الخط العام كهدف كبير، وتركز على واقعيتها من خلال التأكيد على نقاط اللقاء التي يلتقي عليها المسلمون في محاولة لتبسيط الفكرة وتسهيلها على الجمهور بالأسلوب الذي يأخذ من مفردات الحياة اليومية التي يلتقي فيها النّاس على المسلّمات التي توحدهم دون أن يفسحوا المجال للخلافات الجزئية أن تهزم هذه الوحدة أو تسيء إليها، ويأخذ من مفردات اختلاف الاجتهادات في المذهب الواحد الأساس النفسي الذي يوحي بأنَّ ذلك لـم يسىء إلى وحدة أتباع المذهب الواحد، بل هي أشياء طبيعية لا تمنع من المشاعر الحميمة التي يحس بها تجاه الآخرين في نطاق المذهب، الأمر الذي يؤدي إلى اعتبار وحدة العقيدة الإسلامية في خطوطها العامة، ووحدة الخطّ التشريعي العام في قواعده ومصادره، أساساً للوحدة الروحية التي تفتح قلب المسلم للمسلم في أفراحه وأحزانه وهمومه ومشاكله، من خلال أخوّة الإيمان التي جعلها اللّه عقداً بين المؤمنين في الجانب الإيجابي للعلاقة، وهذه الأخوّة يجب أن تستحضر كلّما تعرّضت العلاقة بين المسلمين لانتكاسة ما، ممّا يوحي بأنَّ هذه الحالة الشعورية تمثّل عمقاً إسلامياً في شخصية المسلم، بحيث إنَّ الإسلام قد أكدها في القرآن عند ذكر ما كان يحدث بين المسلمين من خلاف أو ما يمكن أن يحدث بينهم، فلم يدعُ إلى إلغاء العلاقة حين تتوتر أو تهتز، بل عمل على رسم المنهج الذي يرجع إليه المختلفون في حل خلافاتهم، وذلك بالرجوع إلى اللّه ورسوله، في الكتاب والسنّة، ليحكما في ما شجر بينهم، وليكون ذلك هو القاعدة التي يتفق عليها الجميع دون اعتراض(2).

وإذا كان الجانب العاطفي هو الذي نريد معالجته في قضية الوحدة من أجل إزالة الحواجز النفسية التي تحول بين المسلمين وبين اللقاء على أرض واحدة، فلا بُدَّ لنا من اكتشاف كلّ عوامل الإثارة الروحية والفكرية والعاطفية التي يمكن أن تثير أفكار الجماهير وأرواحها وعواطفها بطريقة واقعية مدروسة، وأن تُمنح الأمة القاعدة التي تنطلق منها الوحدة، وتُعرَّف كيف يمكن للوحدة أن تعيش في نطاق التنوع، ليكون ذلك إغناءً للتجربة لا إسقاطاً لها، كما يفعل البعض في عملية الإثارة المضادة.

ونعتقد أنَّ اللقاءات العامة والخاصة بين القيادات والفعاليات وبقية أفراد الأمة من المذاهب المختلفة(3)، يمكن أن تساهم مساهمة كبيرة في تذويب الجليد، وتوضيح الصورة، وإزالة الغموض، وتقريب وجهات النظر وتأليف القلوب، كما يمكن أن تساهم في ذلك علاقات الزواج المتبادلة التي تصنع قرابة النسب إلى جانب الإسلام(4). وقد نستطيع الوصول إلى بعض النتائج الإيجابية في العمل على القضاء على المجتمعات المذهبية المنفصلة على مستوى القرى والمناطق والمحلات، حتى لا يكون لدينا مجتمع شيعي مغلق في مقابل مجتمع سني مغلق، بل نصل إلى المجتمع المنفتح المتفاعل الذي تمتزج فيه التجربة الإسلامية فيما تحمل من عناصر اللقاء والخلاف معاً على أساس فكري أو اجتماعي أو سياسي.

وربَّما كان من الضروري للمحافظة على هذا الهدف الكبير، أن نفتح للأمة آفاق الشعور بالهدف الكبير الذي ينتظرها في حاضرها ومستقبلها حين تخدم الوحدة قضاياها المصيرية على أكثر من صعيد، وأن نعمل على تعميق روح التقوى والالتزام بعيداً عن كلّ أوضاع العصبية والانغلاق. وقد نكتشف أساليب أخرى في الوصول إلى تحطيم الحواجز النفسية بين المسلمين، لأنَّنا لـم نقصد الحصر في ما ذكرناه، بل كنّا نستهدف تقديم النماذج التي توحي بالفكرة.

النقاش العلمي للأفكار

ونلتقي في الجانب الفكري بالفوضى التي يعيشها المفكرون المسلمون في تقويم أفكار بعضهم البعض، كنتيجة لأجواء الجدل التقليدي المتخلّف الذي لـم يكن يبحث عن الحقيقة في ما يمارسه من أساليب، بل كان يبحث عن تسجيل النقاط السلبية ضد هذا الفريق أو ذاك، بعيداً عن النقاط الإيجابية. فليست القضية عندنا أن نبحث عن الواقع الفكري الإسلامي لهذا المفهوم أو ذاك، بل أن نكتشف نقاط الضعف في ما يعتقده الفريق الآخر لنثبت سقوطه، فإذا لـم نصل إلى نتيجة من خلال الحجج المقنعة، فإنَّنا نعمل على الوصول إليها من خلال التلفيقات التي نمنحها صفة الحجة وإن لـم تكن كذلك. ومن خلال ذلك لـم يكن النقل دقيقاً في ما ينقله كلّ فريق عن الآخر، ولـم تكن الدراسة بالمستوى العلمي الموضوعي في ما يناقش بعضهم بعضاً في فهم المضمون، ونقد السند، ودراسة الأجواء. فقد يكفي أن نجد نصاً يدين الفريق الآخر لنكتشف فيه أساس الضلال، وربَّما كان المصدر غير أمين، أو لـم يكن قطعياً يؤكد القناعة، لأنَّ المصادر لـم تمثّل في أكثرها ـ فيما عدا القرآن ـ الحقيقة المعصومة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. فقد درج المؤلفون في الرِّوايات على خلط الغثّ بالسمين، وقد يحمل بعضهم رأياً شخصياً فينسبه الآخرون إلى المذهب كلّه، لأنَّ صاحب الكتاب ينتمي إلى هذا المذهب، دون الالتفات إلى أنَّ النّاس الذين قد يتفقون معه في صفة المذهب قد لا يتفقون معه في هذا الرأي، وقد يفسرون النص الذي اعتمد عليه بطريقة أخرى، وقد لا يكون محل اعتمادهم أساساً.

ولكنَّ العقلية الجدلية لا تلتفت إلى ذلك ولا تحاول التدقيق في ما ينفع الخصم، بل كلّ ما عندها أن تدقق في ما ينفع فريقها، ولذلك يبقى الحوار من بعيد، فيكون ذلك أقرب إلى الابتعاد عن الوصول إلى نتيجة حاسمة في صحة الفكرة وفسادها.

إنَّ علينا في هذا المجال ـ كعلماء وكمفكرين ـ أن نبحث عن أسس الخلاف والوفاق من خلال البحث عن المصادر الأصلية التي يمكن أن يعتمدها الفريقان أو الفرقاء في قبول رأي أو رفضه، لنصل من خلال ذلك إلى القاعدة الموحدة التي يمكن أن تحكم أصول التقويم للمصادر في سندها ودلالتها كما يقول الأصوليون، ثمّ نبحث في المصادر التي نختلف عليها لنعرف ما هي أسس اعتماد هذا الفريق عليها دون ذاك، ولندقق في مدى اعتماده عليها من ناحية المبدأ والتفاصيل، لئلا نقع في الخطأ الذي وقع فيه الكثيرون من نسبة قول إلى شخص لـم يقله، أو نقل فكر عن شخص لـم يلتزم به. وهكذا نرتكز في المسألة على أساس الموضوعية في النقد والتقويم والاقتناع، بعيداً عن الفكرة المسبقة التي تسبق الدليل وتفرض نفسها عليه، تماماً كما هو الحال في ما نعالجه من خلافات ومواقف فكرية إزاء الأفكار التي لا تتصل بالجانب العقيدي من حياتنا، بل تتصل بالجوانب العلمية النظرية والعملية في تفكيرنا، فنعالج المسألة الكلامية في ما نختلف فيه من تفاصيل العقيدة فلسفياً، كما نعالج أيّة قضية فلسفية أخرى لا تتصل بالانتماء المذهبي، ونناقش أي حكم شرعي من موقع البحث العلمي تماماً كما هو الحال عند مناقشة الأحكام القانونية لمبادئ أخرى أو أديان أخرى مما لا يرتبط بالجانب العاطفي من شخصيتنا الفكرية(5)، ثمّ نبدأ بالدراسات المقارنة على أكثر من صعيد من أجل عرض كلّ الأفكار المتفق عليها أو المختلف فيها، من أجل الوقوف أمامها وقفة نقد وتأمل واجتهاد، لنختار الأفضل من حيث دليله الشرعيّ، فقد يختار الشيعي رأياً سنياً في المسألة الفقهية أو الكلامية، وقد يختار السني رأياً شيعياً في ذلك، لأنَّ البحث الموضوعي يلغي الخصوصية من أجواء البحث، وربَّما حمل الواقع القانوني في بعض بلداننا الإسلامية بعض التجارب الإيجابية في هذا المجال.

وسيقودنا ذلك إلى اكتشاف الحقيقة العلمية الواقعية، وهي أنَّ مواطن الوفاق بين المسلمين تصل إلى نسبة ثمانين بالمائة، لأنَّ اختلاف الاجتهاد لدى الشيعة الآن، ولدى السنة في الماضي، قد استطاع أن يحمل إلينا تنوّعاً في الآراء لدى الفريقين، بحيث لا ترى رأياً في الفقه الشيعي إلاّ وترى ما يقابله في الفقه السني، والعكس صحيح أيضاً..

وقد عاشت جامعاتنا العلمية في النجف وقمّ والأزهر هذه التجربة في الدراسات المقارنة من ناحية المبدأ، وننتظر أن تتطور إلى الأفضل في المستقبل القريب، لنصل من خلال ذلك إلى الوحدة الفكرية على أكثر من صعيد.

وربَّما كنّا نحتاج إلى التأكيد على تأصيل المفاهيم العامة لبعض القضايا المهمة، كما في مسألة التوحيد والشرك والكفر والإيمان.. التي قد يكثر الحديث عنها لدى المسلمين في ما قد يتهم بعضهم بعضاً بالشرك تارة، وبالكفر أخرى، وبالمروق عن الدين ثالثة، وذلك من خلال ما يحملونه من آراء حول مفهوم الكفر والشرك، أو في ما يعتقدونه من معتقدات، دون إفساح المجال لهم ليوضحوا فكرتهم وليناقشوا فكرة الفريق الآخر(6). إنَّ مناقشة ذلك بموضوعية وفكر، تجعلنا نلتقي على المقياس الصحيح لما هو الكفر والشرك. وقد نصل بذلك إلى قناعة إسلامية بأنَّ كثيراً ممّا نعتبره كفراً لا يمثّل الدقة في تطبيق هذا المفهوم على الواقع، كما قد يكون بعض ما يعتبره النّاس إيماناً لا يمثّل خطّ الإيمان بدقة وعمق وتحليل.

وقد يكون من الخير لنا أن نشير إلى ضرورة التوفر على دراسة الأسلوب القرآني في الحوار ومواجهة الفكرة المضادة، ومتابعة الفكرة الموافقة، لنستطيع من خلال ذلك أن نتقي اللّه في ما نختلف فيه كما نتقيه في ما نلتقي عليه، فإنَّ ذلك يبعدنا عن أساليب المهاترات الكلامية والمزايدات الفكرية الحماسية، ويقربنا إلى الحقيقة والعلم انطلاقاً من الحياد الفكري في مواجهة كلّ الأفكار والآراء.

ومن المهم في هذه المناسبة أن نلفت الأنظار إلى أنَّ مثل هذه الساحة الفكرية تحتاج إلى شجاعة في مناقشة الأفكار، وفي اتخاذ القرار المنسجم مع نتائج المناقشة، كما تفرض على المتحاورين فيها أن لا يقفوا في دائرة الضوء الاستعراضي الذي يغري بالمزايدات، ويبعث على التعصب، بل لا بُدَّ لهم من أن يواجهوا المسائل بالفكر الهادئ، والعقل الـمتّزن، والعاطفة العاقلة، وأن لا يستعجلوا الوصول إلى النتائج، لأنَّ ذلك قد يؤدي إلى السطحية والارتجال في معالجة القضايا التي تقع محلاً للبحث والمناقشة. ولعلّ من البديهي أن تبقى الساحة مفتوحة للعلماء وأصحاب الفكر بعيداً عن مواقع العامة من النّاس المستغرقين في مناخ الإثارات العاطفية، وغير المهتمة بالأخذ بأسباب العلم.

وحدة القضية والمصير

أما في الجانب السياسي من الوحدة، فإننا نلتقي بالواقع الطائفي في الحقل السياسي الذي يحوّل كلّ طائفة من المسلمين إلى كيان مستقل في قضاياها، وفي مصالحها، وفي حركة الحاضر والمستقبل، حتى أصبح لنا في ساحتنا اللبنانية قضايا شيعية في المناطق التي يعيش فيها المسلمون الشيعة، وقضايا سنية في المناطق التي يعيش فيها المسلمون السنة. لقد تـمّ اعتبار جنوب لبنان في وقت ما قضية شيعية، كما اعتبرت قضية إقليم الخروب وطرابلس مثلاً قضية سنية، بحيث يشعر كلّ فريق بأنَّ علاقته بقضية الفريق الآخر ليست قضية ذاتية، بل هي قضية خارجية تحكمها الظروف السياسية، أو المجاملات الاجتماعية، وما إلى ذلك.

وقد لا يكون الأمر بهذه الدقة بشكل شامل، ولكنَّ الظاهرة تتحرك في هذا الاتجاه. وربَّما كان لطبيعة النظام اللبناني الطائفي الأثر الكبير في ذلك، عندما ربط مصالح النّاس بطبيعة الانتماء الطائفي، الأمر الذي دفعهم دفعاً إلى الارتماء في أحضان التجربة الطائفية التي تعمل على ترسيخ القوقعة الطائفية وتعميقها في داخل الذات في حركة الفكر والشعور وفي نطاق واقع العلاقات. وقد استطاعت اللعبة السياسية التي خططت لها "المارونية السياسية" أثناء حكمها للبنان، أن تثير حالة خوف مضاد في النطاق الإسلامي الداخلي، في ما كانت تثيره من إمكانية أن تأخذ هذه الطائفة دور تلك، وبالعكس، لتخلق في داخلهم حساسيات مذهبية، في مستوى العقدة المستحكمة التي تتحول بالتالي إلى قنبلة موقوتة يمكن أن تفجّر الساحة كلّما أريد لها أن تنفجر بالحقد والعداء والبغضاء. وما زالت اللعبة تتحرك في كلّ اتجاه، وعلى أكثر من صعيد.

هذا في الواقع اللبناني، أمّا في الواقع الذي يعيشه المسلمون خارج لبنان، فليست هناك حالة سياسية معقدة بين المسلمين على أساس مذهبي في ما تعنيه الامتيازات والمصالح، بل كلّ ما هناك أنَّ في هذا البلد أو ذاك حكماً معيّناً ضاغطاً على شعبه، من دون فرق بين أهل مذهب ومذهب، ولكن قد تكون هناك أكثرية تخضع لاضطهاد كنتيجة لمعارضتها للحكم، وقد تكون هناك أقلية معارضة مضطهدة، وربَّما يتخذ ذلك وضعاً طائفياً سلبياً عندما يختلف الحكم في صفته الطائفية عن فئات المعارضة في صفتها الطائفية، مما قد يوحي بوجود مشكلة طائفية سياسية في الساحة.

وقد يحدث لبعض الأوضاع السياسية المتنوعة أن تؤدي إلى بعض حالات الصراع، فقد تُثار الأجواء الطائفية ـ مثلاً ـ انطلاقاً من العلاقات التي تحكم أحد الأنظمة بطائفة معينة تعيش في ظلّ نظام آخر تسوده طائفة أخرى، ممّا قد يخلق معارضة في داخل هذا البلد لمصلحة النظام في البلد الآخر، وتكون النتيجة أن يقع المعارضون تحت تأثير الاضطهاد، أو يشعر الحاكمون بأنَّ هذه الطائفة أو تلك لا تحمل الانتماء الإيجابي لبلدها، فتصبح موضع شك أو اضطهاد. وهكذا تصور القضية كما لو كانت حالة طائفية في ما تسنّه الطائفية السياسية من مضمون، لا سيما إذا كان هذا النظام يتحمس لمذهب معين، ويحمل همّ الدعوة إليه، ولو من ناحية رسمية سياسية، ويرفض المذهب الآخر، فيختلط جانب العقدة المذهبية بالعقدة السياسية، لتتحول المسألة إلى كارثة كبرى تزيد التناقضات بين المسلمين اشتعالاً.

وقد نلاحظ أنَّ بعض المحاور الدولية والإقليمية تعمل على الاستفادة من بعض تلك السلبيات في تحويل الصراع إلى صراع طائفي، لتضع القضية السياسية في نطاق الصراع المذهبي، فتتوتر الساحة مذهبياً في ما يمكن أن يخلقه هذا الوضع من عناصر الإثارة الطائفية، في الوقت الذي نعلم فيه جميعاً، أنَّ موضوع السنّة والشيعة بمدلوله الفقهي والشرعي، لا دخل له في ذلك، بل كلّ ما في الأمر أنَّ هناك صراعاً دولياً وإقليمياً يتحرك في الساحة من منطلقات سياسية بعيدة كلّ البعد عن هذه الأضواء(7).

والآن، كيف يمكن مواجهة هذا الطابع السياسي للخلاف بين المسلمين(8). إنَّنا نلاحظ في هذا المجال في الحالة اللبنانية أنَّ الواقع الطائفي لـم يستطع أن يتحول إلى حالة تعطي القوّة لأحد، إلاَّ في نطاق الزهو الاستعراضي الفارغ الذي لا يمثّل شيئاً في ساحة الواقع.

ولهذا، فإنّنا قد نجد في هذا الواقع السياسي الذي يعيشه المسلمون فرصةً للتأمل والتفكير في ضرورة توحيد الموقف، أو محاولة تقريبه من أجل قضايا مشتركة، أو مشاريع موحّدة، لمواجهة الهيمنة الضاغطة بموقف حاسم ينطلق من وعي قضية المسلمين كقضية إنسانية في ما تعيشه قضايا الإنسان من مواقع الحرية والكرامة والعنفوان، من دون إثارة الموضوع بطريقة طائفية معقدة.

وقد لا يكون من الواقعي أن نطلب الآن من المسلمين إلغاء خصوصياتهم المذهبية في ظل هذا الواقع الطائفي المتجذر في أعماق حركة الواقع السياسي، لأنَّ ذلك يمثّل طرحاً مثالياً على مستوى المرحلة ـ على الأقل ـ في ما تفرضه من وجود زعامات، ومواقع قوّة، ومصالح، وعلاقات، وتحالفات داخلية وخارجية، ممّا لا يمكن إلغاءه دفعة واحدة.

ولكنّنا نثير في الجو إيجاد حالة وحدوية من خلال القضايا المصيرية التي يعيشها المسلمون على مستوى ما يمثّله الوجود الإسلامي في مقابل الوجود الآخر، سواء في ما يتحرك على مستوى الداخل أو في ما يتحرك على مستوى الخارج من قضايا المسلمين في المنطقة وفي العالـم، وذلك بمحاولة ربط هذه القضايا بالمبادئ والقيم الإسلامية السياسية والاجتماعية في الحياة، لتتحول هذه الحالة الوحدوية إلى حالة إسلامية عميقة في وجدان كلّ مسلم، ليكون ذلك أساساً للبحث في المواضيع الواقعية المختلف عليها، بعيداً عن الحواجز النفسية، لأنَّ وحدة الموقف السياسي في بعض المواقع عندما تمتزج بالحالة الإيمانية الوجدانية الملتزمة بخطّ الإسلام في أجواء التقوى، سوف تسهّل الكثير من الحلول للمشاكل العالقة في الساحة(9).

إنَّنا نعتقد أنَّ مثل هذا الاتجاه في مواجهة التشنّج السياسي الطائفي في داخل المجتمع الإسلامي، يمكن أن يحقق لنا خطوة متقدمة في سبيل الوحدة، لأنَّنا سنكتشف أنَّ هناك أكثر من أرض صلبة نقف عليها في مواقعنا الإسلامية، وأنَّ ما نختلف فيه يمثّل حالة طبيعية واقعية.

وفي المجال الإسلامي العربي العام، يمكن لنا أن نلتقي بالطروحات الوحدوية الإسلامية التي تتحرك في الساحة، لنقوّيها ولنتفاعل معها، ولنعمل على اكتشاف الجوانب الإيجابية فيها، ومعالجة الجوانب السلبية بالكثير من الدراسة للقضايا المثارة على أرض الصراع بطريقة ميدانية تحاول أن تفصل بين ما هو المحور الإقليمي أو الدولي المرتبط بالمواقع الاستراتيجية للصراع في العالـم، وما هو الخطّ الإسلامي الذي تتحرك فيه المصلحة الإسلامية العليا. فقد نرى أنَّ كثيراً من المواقع التي نمنحها الصفة الإسلامية في الصراع ليست كذلك، سواء أعطيناها سمة شيعية أو سنية. وقد نلمح في الساحة استغلالاً لذلك لحساب أعداء الإسلام والمسلمين.

إنَّنا نؤكد على ملاحقة التجارب الوحدويّة في العمل الفكري والسياسي والاجتماعي على مستوى الساحة السياسية، وعلى الاستفادة من الإيجابيات كنافذة تطل على المواقع المشرقة من مواقع الأمل، والاستفادة من السلبيات في معرفة الأخطاء الواقعية في الساحة، لنتفاداها ولنفكر معها بأنَّ الفشل في ألف تجربة لا يعني فشل الفكرة أو سقوط المشروع، فقد يكون من الضروري أن نفكر بالتجربة الواحدة بعد الألف، لأنَّ ذلك هو خيارنا الوحيد في بقاء الإسلام حياً متحركاً في الساحة كفكر وكشريعة، وكمنهج حياة، وكأمة طليعية تحمل رسالة التغيير للعالـم من أجل الحضارة الفريدة التي تتآخى فيها الروح والمادة، والعلم والإيمان، ويمتزج فيها الغيب بالواقع، والعبادة بالسياسة، والفرد بالمجتمع..

لا وحدة بدون إسلام

إنَّه الإسلام الذي نحمله من موقع الإشراق الذي ينفتح على الحياة بكلّ عمقه وامتداده، ليجعل الحياة تتحرك في إشراقة الروح المتحركة في نطاق الواقع.

ولنتذكر دائماً أنَّه لا معنى للتفكير بوحدة إسلامية على مستوى العاطفة والفكر والشريعة والسياسة بدون إسلام، لأنَّ الصفة التي نحملها في كلمة الإسلام، ليست مجرد واجهة تشير إلى المجموعة البشرية العددية التي نمثّلها، بل هي كيان متكامل في الفكر والروح والعمل في ما يمثّله من قاعدة للفكر والعاطفة والحياة.

ليبق لنا من الإسلام المضمون، لا الشكل، والصورة والإطار، وبذلك يمكننا التحرك من أجل معالجة المشاكل التي تحكم واقع المسلمين، ويمكننا أن نلتقي مع الآخرين من غير المسلمين، ونتعايش معهم من مواقع الانفتاح المنطلق من الفكر والروح، لا من مواقع الانغلاق القائم على التعصب والبغضاء.

أطلقوا الإسلام في الهواء الطلق ليتنفس في دائرة الضوء، ولا تحبسوه في العلب الطائفية المظلمة، فإنَّكم بذلك تحررون أنفسكم وواقعكم وحاضركم ومستقبلكم من كلّ أغلال الآخرين. لنكن الفكر الذي يصرخ ويوحي ويحاور في ساحات الإنسان، لا الطبل الذي يرنّ ويدوّي في الفضاء، ولكنَّه لا يحمل لنا إلاَّ الدويَّ والرنين من دون معنى ولا حياة. ولنكن الواقع الذي لا يبتعد عن مواقع السمو، لا الخيال الذي يحلق بعيداً في الفضاء في متاهات الأوهام والأحلام.


(1) ربَّما كنت أحتاج إلى أن أوضح الصورة بطريقة أكثر جلاءً. إنَّنا نلاحظ أنَّ المسلمين لا يعيشون الصفة الإسلامية كفكر في حياتهم، لأنَّهم عندما جعلوا الإسلام يعيش في زاوية ضيقة، أمكن لهم أن يرتبطوا بأي فكر حتى ولو كان يواجه الإسلام وجهاً لوجه. ولهذا نحن نتكلم فكراً ولا نتكلم سياسة على مستوى الشارع. ولهذا نرجو ألا نتعقد من الأمثلة.

فيمكن للمسلم أن يبقى مسلماً وأن يكون شيوعياً على مستوى فكري. عندنا لا مانع من ذلك. يمكن له أن يكون مسلماً وأن يكون وجودياً على مستوى فكري. لماذا؟ لأنَّ الإسلام ليس حركة فكر وحياة، وإنَّما هو حركة ذات وانتماء بشري لا يخضع لأي مضمون فكري.

(2) أن ننطلق من وحدة المذهب وتعدد الاجتهادات، لنؤكد على إمكان وحدة الدين مع اختلاف المذاهب، حتى ننطلق من هذا إلى اعتبار أنَّ الحالة الشعورية التي يعيشها أتباع المذهب الواحد مع اختلاف الاجتهادات، يمكن أيضاً أن تساهم في خلق حالة شعورية إسلامية مع اختلاف المذاهب.

(3) وهذا ما يجعل العوائل المتنوعة في المذهب تستطيع أن تكتشف أنَّ الصورة التي كانت تحملها من خلال البعد، تختلف كثيراً عن الصورة الواقعية التي استطاعت أن تعيشها على الأرض، عندما هيأت لها العلاقات هذا الجانب. لأنَّه من الممكن للإنسان في حالات البعد الطائفي أن يتصور أنَّهم يجاملون أو أنَّ الآخرين ممّن يعتبرون التقية شيئاً مبرئاً، ولكن إذا نفذت إلى الداخل وإلى الواقع وأصبحت العلاقات علاقات عائلية طبيعية تستطيع من خلالها أن تقتحم المجتمع من خلال علاقاتك، عند ذلك تستطيع أن تكتشف أنَّ القضية هل هي مجاملة في ما يحاول الآخرون أن يوحوه أم أنَّها قضية حقيقية.

(4) ولو بالطرق الرسمية الاستعراضية، لأنَّ القضية هنا ليست قضية العمق في المعالجة وإنَّما هي قضية الحالة الشعورية التي نريد أن نثيرها في الأمّة.

(5) أن ندرس خلافاتنا الفكرية الإسلامية في تفاصيل العقيدة وفي الشريعة وفي التاريخ تماماً كما ندرس تاريخ الرومان وقوانين الرومان، وكما ندرس الجانب الفكري للفلسفة اليونانية أو لأية فلسفة أخرى. هناك ندرس تلك الأفكار من موقع يلتصق بالفكر فقط ولا يلتصق بالذات، وبهذا نستطيع أن نكون موضوعيين أمام النّاس. ومشكلتنا أنّنا نواجه خلافاتنا الفكرية من موقع الذات لا من موقع الفكر، وعندما تفرض الذات نفسها على الفكر، فإنَّ الفكر لا يستطيع أن يتحرك بحرية عند ذلك من الناحية الذاتية أو من الناحية العلمية.

(6) لأنَّ المفاهيم الغائمة لا تخلق إلاَّ حالة غائمة وتتيح المجال لكلّ الطامحين الطامعين في خلخلة الموقف وفي انتهاز الفرص أن يلعبوا عليها من خلال تقديس الأخطاء ومن خلال تقديس المواقف المنحرفة.

(7) من خلال المعنى المصطلح، إنَّ هناك استحقاقات سياسية لكثير من القضايا والمشاكل الملتهبة في الساحة يراد ترتيب الساحة من خلالها لتتوصل إلى النتائج التي تدخل في حساب هذا المحور الدولي أو ذاك. ولكن يعرفون أنَّ السياسة بمفهومها المجرد لا تحرك عواطف الجماهير بقدر ما تحركهم العناصر الطائفية، لذلك يحاولون إعطاء الجو السياسي شيئاً من الالتهاب العاطفي الذي تتكفل به الأحاسيس الطائفية.

(8) قد نلاحظ الصعوبة في بحث هذا الموضوع، لأنَّه يتصل بكلّ الواقع السياسي الذي نعيش فيه وبكلّ اللعبة السياسية التي تتحرك على أكثر من صعيد، لا في بلدنا ولا في منطقتنا ولكن في العالـم كلّه. لهذا لن يستطيع الإنسان أن يُبسّط المشكلة ليدخل في الحلول البسيطة التي تحاول إلغاء المشكلة بجرة قلم. لكنَّنا نحبّ إثارة الفكر نحو ذلك لنفكر أكثر ولنتابع اللعبة. نحاول التفكير في الحل من خلال المفردات التي نكتشفها في تجاربنا المختلفة، أو من خلال المفردات التي تستقبلنا في ما نستقبل من تطورات على الأرض، أو في ما نستطيعه من اكتشاف كثير من خلفيات اللعبة التي ربَّما كنّا ضحيتها دون أن نفهم طبيعتها. إنّنا، كما قلنا في البداية، نريد إثارة الفكر نحو هذه المسألة، ولا نريد معالجتها بطريقة شاملة.

(9) مثلاً يمكن أن تعتبر الآن القضية الفلسطينية شيئاً نجتمع عليه كمسلمين من خلال القيم الإسلامية التي نرتبط بها. يمكن أن نجعل قضية مواجهة الاستعمار ورفض خططه السياسية والاقتصادية والعسكرية أساساً للّقاء كمسلمين، لأنَّ الإسلام لا يمكن أن يقبل، من خلال المفهوم الحقيقي لما هي الحرية والعزة لدى المسلم، أية حالة استعمارية. وهكذا نستطيع أن نبحث عن القضايا المصيرية التي تمسّ وجودنا بالذات والتي تنبع جذورها من المبادئ الإسلامية الأصيلة.