Google

 

  Web    islamology.org        البحث   في

 

مفهوم الوحدة  بداهة عقلية

طريق التفكير في مشروع الوحدة

محطات على طريق الوحدة الإسلامية

الحوار في الإسلام

   جامع الكوفة: الجامعة الأولى للوحدة الإسلامية

حرية الإنسان حق أم واجب؟؟

حركة التاريخ في وعي أهل البيت

المذاهب الإسلامية مدارس فقهية

 

المضمون الأخلاقي للوحدة الإسلامية

التكفير وحديث افتراق امة الرسول - ص

عوامل تمزق المسلمين وإشكالية الوحدة

   
     

المضمون الأخلاقي للوحدة الإسلامية*

الشيخ محسن عطوي

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله الميامين وأصحابه المنتجبين.

يعتبر الصوت الذي أطلقه تجمع العلماء المسلمين في لبنان, منادياً بوحدة المسلمين وداعياً إليها واحداً من الأصوات المميزة والقليلة التي أصبحت تحرص على هذا الأمر في عالم المسلمين.. فإن أعلى صوت يرتفع هو صوت هذه الجماعة من العلماء التي تعيش الوحدة حالة واقعية وتترجمها مسلكاً عملياً فيما تمارسه من أعمال وفيما تصدت له من مواقف.

ولست في مقام المدح بقدر ما أنا عليه في مقام استشراق الواقع الذي هو مليء بالثقوب والأمراض, بحيث أصبح معظم المسلمين منسحقين أمام العديد من المشكلات والأعداء, ومن العجيب إغفال مسألة الوحدة وغياب الطرح الجاد في معظم وسائل الإعلام.. سيما المجلات الفكرية ذات الطابع الإسلامي التي تصدر في العديد من الدول المسلمة.

والذي يبدو أن ثمة عملاً مباشراً لاستئصال هذه النزعة الفطرية التي تتطلع لها شعوب العالم الإسلامي من قبل الحكومات الحائرة التي تحكم هذه الشعوب, ومن قبل العديد من المفكرين المشبوهين المصادرين, وهذا يعني أنها أحد الأسلحة الماضية التي يمكن استخدامها في رفع مستوى وعي الأمة وفي تمكينها من الدفاع عن نفسها أمام هجمات الأعداء وهو أمر قد ضلع به الاستعمار وأدواته منذ زمن بعيد لإضعاف جماعة المسلمين وتفريق صفوفهم, بل هو أمر مؤسف مارسه السلاطين وعلماء السوء فيما مضى من عهد المسلمين الغابر, وهذه الحقيقة جديرة برفع التعجب السالف, ووضع المسلم المخلص أمام عري الحكام وزيفهم لتأكيد ضرورة إزالة هذه الحقبة من أمام التيار الثوري المخلص.

وحتى إذا طرحت مسألة الوحدة في كتابات بعض المفكرين.. فإنك لا تجد فيها روح الإخلاص والنصيحة, والحرص على الوصول بها إلى مرتبة الحقيقة المعاشة, بل تطرح بنحو خاو من الحيوية والمعاناة.. وتجعلها أقرب إلى الترف الفكري منها إلى الدواء الناجع, وإذا وجد الإخلاص في طروحات البعض الآخر فهو قد ينطلق من تصورها موقفاً سياسياً خاضعاً للظروف الآنية التي تعيشها الساحة ليكون في الوحدة الإسلامية لوناً من التحالف الضروري لمواجهة الخصوم, الأمر الذي ينزع عنها نقاءها الرسالي المبدئي بوصفها واحداً من الأركان المهمة في مجتمع المسلمين وقلوبهم, والأمر الذي يجعل هذا المفهوم آنياً سطحياً يبقى ما بقيت الظروف ثم يزول بزوالها لتكون الوحدة مجرد علاج عابر لا حالة صحية دائمة ثابتة.

ولم تقف هذه الروح عند صانعها بل تعدتهم إلى جمهور الناس الذي يأنس بهذه الطروحات ويبتسم لها في المهرجانات والمواقف العامة.. فإذا خلا إلى نفسه وإلى بني جنسه تبرز كل الظواهر التي يبطنها هذا المسلم في ذاته على الآخرين من مذهب الآخرين, وكذلك تبرز هذه الظواهر قوية عند حصول أدنى انتكاسة أو فتنة, بل حتى عند غياب الذكر بهذه الوحدة, والجمهور إنما يخلص ويتأثر بقدر ما يخلص الواعظ والداعية.. حيث تثبت الفكرة في القلوب بقدر ما تكون صادرة عن قلب الداعية وعمق وجدانه.

وليس ما يدعى إليه من قبل التيار الإسلامي المؤمن هو مجرد انسجام مع الوحدة الإسلامية كموقف سياسي آني.. حتى لو فهمها البعض كذلك, لأن مفهوم الوحدة الإسلامي جزء من آثار المعتقد والأيديولوجية الإسلامية.. بل هي ركن من عموم الفكر الإسلامي... يقاس به سلامة الانتماء إلى الإسلام عند وضع الموازين, فمن لا يعيش هذا المفهوم في وجدانه وفي مسلكه لا يكون متمثلاً لتعاليم الإسلام, وبعد ذلك منقصة ولون من ألوان الانحراف, ولسنا مضطرين لنسوق الأدلة على هذا الأمر عندما نملك بديهة الانتماء إلى دين واحد تقل فيه الأمور التي نختلف عليها, وما كانت مقاس الوحدة في أي أمر من الأمور تعني ضرورة التوافق في الرأي.. والتحول إلى نسخة مكررة ينعدم فيها الاختلاف والتمايز.

هذه البديهة مسلمة عند الجميع.. وعلى أساسها يتم التعامل حتى بين المختلفين في الرأي داخل المذهب الواحد, أو بين المذاهب المختلفة المنضوية في إطار عقائدي واحد, وليس يعني هذا القبول للاختلاف، إلا أن النفس قد تربت على المودة لهذا الفريق المعين والتجاوز النفسي لنقاط الخلاف معه حيث يتأكد القبول له والتعاون العفوي معه والارتباط الطبيعي به, وهذا المرتكز الأخلاقي (المودة) هو جوهر التضامن الاجتماعي وأساس وحدة الجماعة الإسلامية, وبقدر ما تنمو في ذات الفرد وتتعزز من خلال تقوى الله تعالى بقدر ما تتوثق عرى الوحدة وتصبح أمراً عفوياً في حياة الفرد والجماعة.

وبملاحظة هذا الأمر أيضاً لا يصبح لكثير من المقولات أهميتها, من قبل ضرورة وحدة القيادة أو وحدة الفتاوى الفقهية.. أو وحدة المرتكزات العقائدية.. أو غيرها لأن مثل هذه الأمور لا تخلق وحدة نفسية ذات مرتكز أخلاقي, بل هي تساعد على إزالة الحواجز لثبات هذا المرتكز الأخلاقي وللتأكيد على ذلك نرى أن أفراداً من أسرة واحدة من بلد واحد من مذهب واحد, يتباغضون ويتنافسون عندما يفقدون الإحساس بالمودة كموقف أخلاقي من الآخرين, وعلى عكسه نرى مؤمنين تقيين يتحابان في الله مهما تباعدت المواطن أو اختلفت الأذواق.

والذي يظهر من الآيات الكريمة في مسألة الوحدة قد يؤكد ما نذهب إليه, ففي تأكيد الآية الكريمة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ﴿ولو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم﴾ على أن التأليف الذي حصل بين قلوب المسلمين إنما هو من الله تعالى.. في هذا التأكيد يشير إلى أن مسألة التآلف والوحدة إنما هي مسألة نفسية أخلاقية تنبع من المحبة للمؤمنين حتى حدود القبول بالتضحية في سبيلهم, في الوقت الذي لا يهتم بهذه الآية الكريمة بأثر لقيادة النبي المجمع عليها.. ولا العقيدة التي لا خلاف فيها.

ونفس هذا المعنى يبدو من الآية الثانية ﴿واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً﴾ حيث يتم التأكيد على دور العناية الإلهية في هذا الأمر.

وأعود للتأكيد بأني لا ألغي دور الأمة الأخرى في قضية الوحدة.. ولكني أرى أن جماع هذه الأمور وأساسها هو هذه المودة التي يجب على المؤمن أن يجاهد نفسه ليحصلها.. ليس على صعيد علاقته بإخوانه من أبناء المذهب الآخر بل أيضاً على صعيد علاقته بأسرته وأرحامه وأتباع مذهبه, حيث هي سمة إيمانية تعز على التحصيل إلا عند من بلغوا الإيمان في ركنية تقوى الله ومكارم الأخلاق، وهي تظهر في انعكاساتها.

رغبة في الخير للآخرين, وإخلاصاً في النصيحة لهم, حيث يكون في التعاطي الفكري والعملي إصرار على الوصول إلى مرتبة الكمال.

احتراماً للخصوصيات الفكرية والمزاجية تاتجاً عن الاحترام الحقيقي لذات هذا المسلم فينعكس هدوءاً في المحاورة.. وتقديراً لرأي ورغبة في التعرف على الحق.. وتركاً للدخول في كل ما يسيء.

استعداداً للتضحية في سبيل الآخرين, بعد زوال الغل وأسباب النفرة والتباغض من داخل النفس.

وحصول هذه الأمور هو كل المطلوب من أجل وحدة رائعة باقية, تعز على الفتن والهزات وتبقى معيناً للموقف السياسي الذي لا يتم في الفراغ وإنما ينطلق من مرتكزات ثابتة راسخة تعطيه النجاح والسداد.

ومن هنا يبرز الدور المهم لكل العاملين وللمؤسسات والمشرفين عليها, حيث يجب التشديد على غرس هذا الأمر بكل السبل المتاحة وفي مختلف الأعمار لينشأ المسلم في وسط يعتبر الوحدة هي الحالة الطبيعية التي ألفها، وألوان الفرقة هي النشاز الذي ينفر منه ويبعد عنه؛ وتحصل هذه عندما يرى أباه وشيخه وأصحابه يحترمون رأي الآخرين ويقدرونها, وإن ناقشوها فموضوعية تامة ليس فيها تجن ولا سباب, وتحصل عندما يتأصل في نفسه الخوف من الله والتزام تعاليمه لينعكس هذا الخوف مراقبة لله في كل أمر يسدد الإنسان ويجعله أقرب إلى الله تعالى.

ولست منكراً صعوبة الوصول إلى هذه الظاهرة الاجتماعية بدون سلطة، فإن السلطان أساس في إنحراف المجتمع وأساس في صلاحه, والسلطان الجائر لن يمكنك من تربية الناس لما تريد لأنه يريد همجاً رعاعاً ينعقون معه, وسوف تكون إحدى أولويات الصراع إزاحة هذا الحاكم من الطريق لتثني لك الوسادة ويستقيم لك الأمر, ولقد رأينا كيف أصبحت الوحدة حقيقة راهنة بعد انتصار الإسلام في إيران, وكيف سرى تطبيقها والإخلاص في طرحها إلى شعوب المسلمين ليجدد في قلوبهم الأمل في انبعاث إسلامي عام, وكم دعى الإمام الخميني إلى هذه الوحدة. فلم يجد صدى لهذه الدعوة.. حتى مَنّ الله عليه بالفتح وأسبغ عليه النصر, فأصبحت دعوته مدوية في الآفاق, ولكن ضآلة النتائج, عند غياب السلطان ينبغي أن لا تمنع من العمل الجاد للوصول إليها, سيما وأن بالإمكان تنويع الوسائل للوصول إلى الهدف, شرط أن نكون مخلصين في هذه الدعوة, وشرط أن تصدر من أعماقنا من معاناتنا, ومودتنا للآخرين.

وهذا المضمون الأخلاقي للوحدة الإسلامية هو مضمون كل أمر في الإسلام الذي كانت الركيزة الكبرى لكونه خاتم الرسالات, أنه يريد أن يتمم الأخلاق, وأنه جعل الدين معاملة, وأنه لم يعتبر إيمان المؤمن كاملاً إلا بعد كمال الأخلاق فيه, ونحن نريد الوحدة كذلك لأننا نريدها باقية ترضي الله عز وجل. وتوصل المسلمين إلى مراتب الشرف والعزة والكرامة. والله خير مأمول

 

*http://www.tajamo.org