Google

 

  Web    islamology.org        البحث   في

 

مفهوم الوحدة  بداهة عقلية

طريق التفكير في مشروع الوحدة

محطات على طريق الوحدة الإسلامية

الحوار في الإسلام

   جامع الكوفة: الجامعة الأولى للوحدة الإسلامية

حرية الإنسان حق أم واجب؟؟

حركة التاريخ في وعي أهل البيت

المذاهب الإسلامية مدارس فقهية

 

المضمون الأخلاقي للوحدة الإسلامية

التكفير وحديث افتراق امة الرسول- ص

عوامل تمزق المسلمين وإشكالية الوحدة

   

التكفير وحديث افتراق امة الرسول - ص

بقلم: الشيخ مالك وهبي

كثيراً ما تعرضت كتب العلماء المسلمين، على اختلاف انتماءاتهم ومذاهبهم، إلى قضية «الفرقة الناجية»، وإلى حديث اختلاف الأمة على ثلاث وسبعين فرقة التي لن ينجو منها إلا فرقة واحدة، والباقون في النار. وقد لفت نظر العلماء في هذا الحديث أمران:

الأول: بيان هذه الفرق الثلاث والسبعين، من جهة، ومعرفة تلك الفرقة الناجية من جهة أخرى. ومع أنهم تحيروا في تطبيق المذاهب الإسلامية على العدد المذكور في ذلك الحديث، إلا أن أهل كل مذهب اعتبروا أنفسهم أنهم هم الفرقة الناجية، ومن عداهم في النار. ومن هنا تجد جرأة لدى كثير من أهل المذاهب على لعن وشتم سائر الفرق التي حكم على أهلها بالنار، من دون أن يلحظوا أي عذر لدى أي فرد من أفراد تلك المذاهب الأخرى.

والحقيقة فإن مضمون هذا الحديث تتناقله الألسنة، ويتداوله العوام فيما بينهم، حتى غدا من القضايا الأساسية في الفكر الإسلامي، والأحاديث البديهية في الفقه وعلم الكلام. فأحببت أن اطلع على هذه الحديث، لما له دخل في قضية التكفير، إذ أن بعضهم ينطلق من هذا الحديث ليعتبر أن كل الفرق الأخرى خارجة عن الإسلام، وفي أحسن الأحوال ضالة مضلة، مع أنه (ص) جعل كل الفرق من أمته، لم يخرجهم عنها، وليست أمته إلا أمة الإسلام. ويدلك على هذا التسالم، إرسال العلماء من كل الفرق والمذاهب هذا الحديث إرسال المسلمات على اختلاف ألفاظه. فقد روى الشيخ الطوسي، من علماء الإمامية، عن رسول الله (ص) أنه قال: ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، فرقة ناجية والباقون في النار. وعنه (ص) قال: (ستفترق أمتي ثلاثة وسبعين فرقة، واحدة منها ناجية واثنتان وسبعون في النار).

وقد ساق الشيخ الطوسي هذا الكلام في الموضعين لبيان عدم عصمة الأمة عن الخطأ، وإلا لما افترقت، إلى هذا الحد. وروى الكليني، من علماء الإمامية أيضاً، بسند معتبر عن أبي جعفر(ع) قال: إن اليهود تفرقوا من بعد موسى(ع) على إحدى وسبعين فرقة منها فرقة في الجنة وسبعون فرقة في النار. وتفرقت النصارى بعد عيسى(ع) على اثنين وسبعين فرقة، فرقة منها في الجنة وإحدى وسبعون في النار. وتفرقت هذه الأمة بعد نبيها(ص) على ثلاث وسبعين فرقة اثنتان وسبعون فرقة في النار، وفرقة في الجنة. ومن الثلاث وسبعين فرقة ثلاث عشرة فرقة تنتحل ولايتنا ومودتنا اثنتا عشرة فرقة منها في النار، وفرقة في الجنة، وستون فرقة من سائر الناس في النار. وروى الشيخ الصدوق، من علماء الإمامية، بسند معتبر أن أمير المؤمنين عليه السلام علم أصحابه في مجلس واحد أربع مائة باب مما يصلح للمسلم في دينه ودنياه... (إلى أن يقول: افترقت بنو إسرائيل على اثنين وسبعين فرقة وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة.

وروى ابن الشيخ المفيد، وهو أيضاً من علماء الإمامية، بسنده عن أبي عقيل قال: كنا عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه فقال لتفرقن هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، والذي نفسي بيده أن الفرق كلها ضالة إلا من اتبعني وكان من شيعتي.

وفي بعض الأخبار أن ثلاث عشرة فرقة يدَّعون مودة أهل البيت(ع)، وهو ما رواه الشيخ الطوسي بسنده عن علي(ع) أنه قال لرأس اليهود: على كم افترقتم؟ فقال: على كذا وكذا فرقة. فقال علي(ع). كذبت يا أخا اليهود: ثم أقبل على الناس فقال: والله لو ثنيت لي الوسادة لقضيت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، وبين أهل الزبور بزبورهم، وبين أهل القرآن بقرآنهم. أيها الناس، افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، سبعون منها في النار، وواحدة ناجية في الجنة، وهي التي اتبعت يوشع بن نون وصي موسى(ع)! وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، إحدى وسبعين في النار، وواحدة في الجنة، وهي التي اتبعت شمعون وصي عيسى(ع)، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون فرقة في النار، وفرقة في الجنة، وهي التي اتبعت وصي محمد (ص)، وضرب بيده على صدره، ثم قال: ثلاث عشرة فرقة من الثلاث والسبعين كلها تنتحل مودتي وحبي، واحدة منها في الجنة وهم النمط الأوسط، واثنتا عشرة في النار. وروى الحاكم في مستدركه، بسنده عن عوف بن مالك، عن النبي (ص)، أنه قال: تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحلون الحرام ويحرمون الحلال. وقد صحح الحديث على شرط الشيخين. وصححه أيضا الهيثمي.

وروى البيقهي بسنده عن أبي هريرة عن النبي(ص) أنه قال: «افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة. وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة. وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة». وروى الهيثمي بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (ص) تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهن في النار إلا واحدة، قالوا وما تلك الفرقة قال ما أنا عليه اليوم وأصحابي. رواه الطبراني في الصغير، وفيه عبد الله بن سفيان قال العقيلي لا يتابع على حديثه هذا وقد ذكره ابن حبان في الثقات. ولو أردنا أن نحصي كل من روى هذا الحديث لطال بنا المقام لهذا نقتصر على هذا المقدار، فليراجع من أراد التفصيل كتب الحديث.

ولا ينافي هذه الروايات ما رواه الشيخ الطوسي بسنده عن سلمان الفارسي أنه قال: قال رسول الله(ص): تفترق أمتي ثلاث فرق: فرقة على الحق لا ينقض الباطل منه شيئاً، يحبوني ويحبون أهل بيتي، مثلهم كمثل الذهب الجيد كلما أدخلته النار فأوقدت عليه لم يزده إلا جودة. وفرقة على الباطل لا ينقص الحق منه شيئاً، يبغضوني ويبغضون أهل بيتي، مثلهم مثل الحديد كلما أدخلته النار فأوقدت عليه لم يزده إلا شراً. وفرقة مدهدهة على ملة السامر، لا يقولون: لا مساس لكنهم يقولون: لا قتال، إمامهم عبد الله بن قيس الأشعري.

فإنه يمكن إرجاع الفرق الاثنتين والسبعين إلى هاتين الفرقتين المقابلتين للفرقة التي هي على الحق، وهما الفرقة التي هي على الباطل، والفرقة المذبذبة. كما لا ينافيه أيضاً ما رواه ابن حنبل، بسنده عن أبي سعيد الخدري، عن النبي (ص) قال تفترق أمتي فرقتين فتمرق بينهما مارقة فيقتلها أولى الطائفتين بالحق. فإن الملحوظ في هذه الرواية مرحلة زمنية معينة، ولا تتحدث عن حال الأمة في مستقبلها السياسي والديني.

وعلى كل حال فلم يشكك أحد في حديث افتراق أمته (ص) إلى ثلاث وسبعين فرقة، وقد ادعى ابن البطريق الإجماع من كافة أهل الإسلام على هذا الخبر عن النبي (ص). وإن فسر الفرقة الناجية بالفرقة التي تمسكت بالثقلين عملا بقوله(ص): «ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا»، فصار التمسك بهما، هو طريق النجاة، وترك التمسك بهما هو طريق الضلال. وادعى غير واحد تواتر هذا الحديث، مثل السيد نعمة الله الجزائري.

وقد اختلف الرواة في بعض ألفاظ الحديث، كالاختلاف في تحديد عنوان الفرقة الناجية، وكالاختلاف في تحديد توصيف الفرق الأخرى، قال بعض من تعقب هذا الحديث في كتب أهل السنة: وجاءت بألفاظ مختلفة، إلا أنها كلها تؤدي معنى واحداً، وإليك بعضاً منها:

 بعض ألفاظ الحديث:

1- أخرج الترمذي  واللفظ له  وأبو داود وابن ماجة والحاكم وأحمد بن حنبل والدارمي وابن حبان وابن أبي عاصم والسيوطي وغيرهم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (ص): تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة.

2- وأخرج الترمذي والحاكم وغيرهما عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله (ص): ليأتينّ‏َ على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة. قالوا: ومن هي يا رسول الله ؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي. وعند الحاكم: قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي.

3- وأخرج أبو داود وابن ماجة وأحمد والهيثمي وابن أبي عاصم والسيوطي وابن حجر والتبريزي والألباني وغيرهم عن معاوية وغيره، قال: ألا إن رسول الله (ص) قام فينا فقال: ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين: اثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة. إلى غير ذلك من الأحاديث المتقاربة في اللفظ والمعنى مع ما ذكرناه.

ولشدة الأثر الذي ترتب على هذا الحديث، كثر الوضع في بعض تفصيلاته وتفسيراته، نذكر على سبيل المثال، ما ذكره صاحب تذكرة الموضوعات:

فقد نقل عن اللالىء أن لا أصل لخبر: «تفترق أمتي على سبعين أو إحدى وسبعين كلهم في الجنة إلا فرقة واحدة قالوا يا رسول الله من هم قال الزنادقة وهم القدرية». ونقل عن المقاصد أنه لم ير: «الزندقة مجوس هذه الأمة». ونقل عن القزويني أن حديث «القدرية مجوس هذه الأمة إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم» موضوع من حديث المصابيح، وكذا «صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب القدرية والمرجئة». وعلى كل حال يقع الكلام في أمرين: فقه الحديث، ومن هي الفرقة الناجية.

 أما فقه الحديث:

فأسجل أولاً أني لم أجد نصاً واضحاً على تكفير كل من عدا الفرقة الناجية، بل غاية ما هنالك أن أولئك الفرق في النار، وهذا لا يستلزم أن يكونوا في الدنيا محكومين بالكفر، وترتب عليهم آثار الكفر، وكذا كونهم فرقاً بخلاف ما عليه رسول الله (ص) وأصحابه. وفي بعضها أنهم فرق ضالة، على ضلال، أو على باطل، وهذا أيضاً لا يستلزم أن يكونوا في الدنيا محكومين بالكفر تترتب عليهم آثاره. نعم هناك حديث جاء فيه أن الفرقة الناجية هم الإسلام وجماعتهم، وهذه إما أن يكون المخاطب فيها أمة العرب لا أمة الإسلام، إذ لم تأت تلك الجملة في سياق «تفترق أمتي»، بل في سياق «وأنتم» فمن المحتمل أن يكون الخطاب فيها متوجهاً إلى العرب، ويحتمل إلى المسلمين، وإذا كان المقصود المسلمين فالمعنى أن الفرقة الناجية هم المسلمون حقاً، ومن عداهم ليسوا مسلمين حقاً، وهذا لا يستلزم أن يكونوا في الدنيا بحكم الكافرين. وعلى كل حال فعلى الرغم من تتبعي للحديث فلم أجد نصاً صريحاً في الحكم بكفر من عدا تلك الفرقة الناجية. بل استدل بعضهم بهذا الحديث على أن كل تلك الفرق مسلمة، وأتباعها مسلمون، وهو ما حكاه البيهقي عن أبي سليمان الخطابي، قال: فيه دلالة على أن هذه الفرق كلها غير خارجين من الدين إذ النبي(ص) جعلهم كلهم من أمته وفيه أن المتأول لا يخرج من الملة وإن أخطأ في تأويله.

ومنهم من توقف في هذا الحديث لما فيه من الحكم على الأكثر بالهلاك والكون في النار وذلك ينافي الأحاديث الواردة في الأمة بأنها أمة مرحومة وبأنها أكثر الأمم في الجنة، منها حديث أنس عنه (ص) «أمتي أمة مرحومة مغفور لها متاب عليها» وغيره مما مُليَت به كتب السنة من الأحاديث الدالة على سعة رحمة الله لها.

فأجاب بعضهم بأن المراد بالأمة فيه أمة الدعوة لا أمة الإجابة يعني أن الأمة التي دعاها رسول الله (ص) إلى الإيمان بالله والإقرار بوحدانيته هي المفترقة إلى تلك الفرق، وأن أمة الإجابة هي الفرقة الناجية يريد بها من امن بما جاء به النبي (ص) فلا إشكال.

وقد استحسن الصنعاني على هذا الجواب، لولا أن الحديث نص على أن التي ستفترق إلى هذه الفرق هم «أمتي»، وأمته (ص) لا يراد بها إلا أمة الإجابة، كما أن الحديث واضح في أن الأمة ستفترق، وهذا يعني أنه حديث عن المستقبل، وهذا لا يتلاءم مع كون المراد أمة الدعوة، أضف إلى ذلك مقارنتهم في بعض الأحاديث باليهود والنصارى، وهما من أمة الدعوة، ومن افترق من اليهود والنصارى إلى فرق هم أمة الإجابة لموسى(ع)، وعيسى(ع). وأجاب الصنعاني بوجوه، نذكر أهمها، مع التعليق عليها إذا احتاج الأمر إليه:

أحدها أنه يجوز أن هذه الفرق المحكوم عليها بالهلاك قليلة العدد لا يكون مجموعها أكثر من الفرقة الناجية فلا يتم أكثرية الهلاك فلا يرد الإشكال. وثانيها أن الحكم على تلك الفرق بالهلاك والكون في النار حكم عليها باعتبار ظاهر أعمالها وتفريطها كأنه قيل كلها هالكة باعتبار ظاهر أعمالها محكوم عليها بالهلاك، وكونها في النار ولا ينافي ذلك كونها مرحومة باعتبار اخر من رحمة الله لها وشفاعة نبيها وشفاعة صالحيها لطالحيها حديث والفرقة الناجية وإن كانت مفتقرة إلى رحمة الله لكنها باعتبار ظاهر أعمالها يحكم لها بالنجاة لإتيانها بما أمرت به وانتهائها عما نهيت عنه. وهذا الوجه ضعيف ضعيف، فظاهر الحديث أنهم في النار فعلاً.

والإنصاف أن الإشكال من تلك الجهة غير وارد، لأن هذا حديث افتراق الأمة يدل على أن الأمة المرحومة هي تلك الفرقة الناجية، فلا منافاة، وأما الأكثرية والأقلية فلا أثر لها في البحث هنا. وربما يكون افتراق الأمة إلى هذا العدد قد لوحظ فيه آخر الزمان، وأنه عندما يظهر الإمام المهدي (ع) يواجهه طوائف من المسلمين، فالفرقة الناجية هي التي تتبعه.

 ما الفرقة الناجية؟

لقد ادعت كل طائفة أنها هي الفرقة الناجية دون غيرها، فكثر الأخذ والرد بين علماء الطوائف، وساقت كل طائفة ما عندها من الأدلة. ومن المعلوم أنه لا يمكن قبول كلام كل الطوائف في هذه المسألة، لأنه يستلزم تكذيب الأحاديث الصحيحة السابقة التي نصت على أن الناجية هي واحدة من كل الفرق، ثم إن اعتقاد ذلك يؤدي إلى الوقوع في اعتقاد المتناقضات، فنعتقد أن أهل السنة هم الناجون دون غيرهم، والمعتزلة والخوارج والشيعة وغيرهم كذلك، وهذا واضح الفساد.

وقد سلك بعض السنة، كبعض الشيعة مسلكاً عجيباً في بيان أنهم الفرقة الناجية، ففي تفسير القرطبي: عن أبي الفرج الجوزي أنه قال: فإن قيل هذه الفرق معروفة فالجواب أنا نعرف الافتراق وأصول الفرق وأن كل طائفة من الفرق انقسمت إلى فرق وإن لم نحط بأسماء تلك الفرق ومذاهبها فقد ظهر لنا من أصول الفرق الحرورية والقدرية والجهمية والمرجئة والرافضة والجبرية. وقال بعض أهل العلم أصل الفرق الضالة هذه الفرق الست وقد انقسمت كل فرقة منها اثنتي عشرة فرقة فصارت اثنتين وسبعين فرقة، ثم ساق كلام أهل الفرق ومعتقداتهم.

وقال الإيجي في المواقف: وأما الفرقة المستثناة الذين قال فيهم: هم الذين على ما أنا عليه وأصحابي، فهم الأشاعرة والسلف من المحدثين وأهل السنة والجماعة، ومذهبهم خال من بدع هؤلاء... ثم ساق عقائد أهل السنة.

وقال بعض الإمامية: والضرورة قاضية بأن كل فرقة تدعي أنها الحق وأنها الفرقة الناجية، ولا يجوز أن يقال: جميع المسلمين كلهم على الحق، لأن النبي المبعوث بهذا الدين جعل الحق مع فرقة واحدة من ثلاث وسبعين، ولا يجوز التقليد لفرقة دون أخرى، فإن ذلك ترجيح من غير مرجح، فوجب على كل واحد النظر في أديان المسلمين وأتباع الحق المبين، والإعراض عن متابعة دين الآباء والأمهات، كما هو طريقة أهل السنة. فنقول: لما وقفت على المذاهب الفاسدة والآراء الكاسدة التي سبقت إليها الإشارة، يشهد كل عاقل بملاحظة أباطيلهم وأكاذيبهم مع قطر النظر عن البراهين العقلية النقلية على فسادها أنها ردية خارجة عن دين الإسلام. ولكن الشأن في بيان الأدلة على حقية مذهب الإمامية على ما وصل إلينا من طرقهم وصحاحهم المعتبرة، إذ إقامة الحجة على خلافة الأئمة الاثني عشر من طريقتنا لا يوجب إلزام الخصم، إذ ما انفرد به أحد الخصمين لا يجب على الآخر التسليم والإذعان، بل لا بد من إقامة المفحم. ثم ساق ما يرجح به مذهب الإمامية. وهذا المنهج في إثبات الفرقة المحقة باطل، فإنه يعتمد سلفاً على حقانية ما عليه القائل، ثم يقيس عليه بطلان المذاهب الأخرى، دون أن يقدم البرهان على ذلك، ولهذا أمكن أن تدعي كل فرقة أنها الفرقة المحقة، وأن مذهبها خال من البدع، في الوقت الذي يتهمها آخرون بأنها مليئة بالبدع. وكل الفرق تزعم أنها جمعت الآثار الصحيحة عن النبي (ص) وأحواله وأفعاله وحركاته وسكناته بالنقل الصحيح عن جهابذة الحديث وأئمة الدين. وكل الفرق تدعي أنها تقتفي اثار الرسول (ص) وتتمسك بأحكامه المنقولة عنه بالنقل الثابت الصحيح، في الوقت الذي يتهمهما الاخرون بتخلفها عنه (ص). ومن يدعي أن سنة الرسول (ص) قد ظهرت لكل شخص، يرده اخر بأنك وقعت ضحية أكاذيب، ونقل خاطئ، وأن ما تدعيه من سنة واضحة هو سنة موضوعة، وهكذا، فكيف يمكن لشخص أن يقنع اخر بأمثال هذه الكلمات التي هي اقرب إلى ادعاءات واتهامات.

والإنصاف أن الفرق لا يراد بها هنا مطلق الأتباع، بل أئمتها، فالذين هم في النار هم أئمة الفرق المخالفة للفرقة الناجية، أما الأتباع فليسوا محكومين بكونهم أهل النار على سبيل البت والجزم، بل هذا مرتبط بالمعرفة، وبما قامت به الحجة عليهم فيه، كما دلت عليه العقول والمنقول، فلا تصادم هذه الأدلة هذا الحديث المتواتر. وربما يكون المراد بافتراق الأمة إلى هذه الفرق ليس افتراقها إلى مذاهب، بل ربما تكون الفرقة الناجية خليطاً بين هذا وذاك، وأن العبرة بما حوته القلوب واستسلمت به لله تعالى قدر معرفتها به وبأحكامه، ولو كانت مخطئة، فيبعد أن يكون مناط الحكم على امرى بأنه من أهل النار، من خلال مقارنة الشخص مع واقع الأمر، فقد يدخل النار جاهل كما أشرنا وإن كان على خطأ، أو باطل، فإذا كانت الفرقة الناجية إشارة إلى أقوام قد يكونون مشتتين في المذاهب، فإن الفرق الضالة قد تكون عبارة عن مذاهب اعتقادية اتضح لأهلها انحرافها عن الإسلام، وابتداعها فيه، وتلطيها خلفه، وأنها كلها تتحدث باسم الإسلام. وإن نظرة إلى واقعنا في هذه الأيام، والمذاهب التي تظهر باسم الإسلام والتي لا تنتمي إلى الفرق التي تذكر عادة في الملل والنحل يكشف لك عما قلناه، خصوصاً إذا بنينا على أن التقسيم هو بلحاظ آخر الزمان.

أما الفرقة من حيث هي فرقة، وأنها على باطل أو ضلال، فيجب أن يستند إلى أدلة صحيحة، وهي ترتكز أساساً على الجانب العقائدي، وما شكل أساساً من أسس المذاهب والفرق، فعلى العاقل عندما يسمع هذا الحديث أن يسرع للبحث عن الحق والحقيقة حتى لا يكون منتمياً إلى فرقة باطلة ضالة، وعليه أن لا يكتفي بما يطلق كفتوى أنهم هم الفرقة المحقة، فعليه أن لا يصدقني لمحض أني قلت له إننا الفرقة المحقة، كما عليه أن لا يصدق غيري في ذلك، بل عليه التمحيص وبذل الجهد، ولن ينفعه يوم القيامة أن يتكل في بيان ذلك على من اتبعه وقلده، فيومئذ يتبرأ الذين اتُّبِعوا من الذين اتَّبَعوا، ما لم تستدرك التابع رحمة الله تعالى، ويكون له عذر يعذره عنده تعالى فيما جهله، وضل عنه، فما كل ضال في النار إلا من كان على ضلالة لا يعذر فيها.

وعلى كل حال فقد تبين لك أن هذا الحديث لا يصح جعله قاعدة للتكفير، فهذا تحريف له عن موضعه وعن معناه.

 

 

*http://www.tajamo.org