Google
    Web    islamology.org        البحث   في

 

 

الوحدة الإسلامية

  الحوار في الإسلام طريق التفكير في مشروع الوحدة -1
  حوار في الوحدة الإسلامية طريق التفكير في مشروع الوحدة -2
 

مداخل واقعية لنجاح الحوار الإسلامي المسيحي

عوامل تمزق المسلمين وإشكالية الوحدة

     

 

 

حوار في الوحدة الإسلامية

سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

 مرجعية البيت الإسلامي

س: إذا حاولنا إعادة ترتيب أوراق البيت الإسلامي التي ستحظى بإهتمامكم بماذا سنخرج؟

ج: مشكلة البيت الإسلامي أنه يفقد المرجعية الفكرية التي تلاحق الواقع في جميع تطلعاته، ليدرسها وليجمع مفرداتها وليعمل على إيجاد لقاء فكري بين مختلف أفراد العائلة الإسلامية، لتقوّم كل جهة أفكارها وتصوراتها ومشاكلها وقضاياها... وذلك مقارنة بالقضايا التي تقدمها الجهة الأخرى، ليخرج الجميع من خلال هذا الحوار الإسلامي المتميز بدارسة الخصوصيات العميقة التي تمثل تنوع واقع الحركة الإسلامية بعيداً عن الأضواء، وبعيداً عن الشعارات، وليخرج الجميع باستراتيجية واحدة تتوزع فيها المواقع الإسلامية المتعددة الأدوار حتى يكون لنا خط إسلامي واحد في مواجهة التحديات التي يطلقها موقع الكفر الواحد والاستكبار الواحد. إن المشكلة التي نواجهها في هذه المرحلة، هي أن كل فريق إسلامي حركي يعيش مشاكله الخاصة بعيداً عن الاهتمامات التي تربطه بالآخر، ما يجعل من كل طرف أو جهة فريقاً، وإن أراد الاهتمام بمشاكل الفريق الآخر، فإنه يريدها من خلال خدمة خصوصيته لا من خلال خدمة الجو العام. إنني أزعم أنه ليست هناك حركة إسلامية واحدة، هناك حركات إسلامية قد تكون متباعدة في الفكر أو في الخط السياسي أو في أساليب العمل السياسي، ومن الضروري لأية قيادة إسلامية أن تعمل على تجميع هذه المواقع وترتيبها، والعمل على إيجاد حالة من التعارف في ما بينها.

وعلينا في هذه المرحلة بالذات، إذا لم نستطع الوصول إلى اتفاق على تحديد سلّم الأولويات التي يجب مواجهتها، أن نعمل على إيجاد تواصل بين الإسلاميين يوحد إعلامهم في مواجهة الإعلام الاستكباري العدواني الواحد، المتعدد الأصوات، المتنوع الأدوار، الذي يشن حرباً عالمية إعلامية سياسية على كل المواقع الإسلامية.

إن علينا أن نعمل على إيجاد قاعدة إعلامية موحدة، يمكن أن تواجه هذه الحرب الموحدة، حتى نستطيع أن نحمي أنفسنا من هذا الهجوم الصاعق، لتبقى لنا مواقعنا في الوجدان العالمي، ولنتمكن بعد ذلك من أن نرتب أمورنا في وضع طبيعي أو قريب إلى الوضع الطبيعي.

* * *

التقريب الموضوعي بين المذاهب

س: في هذا المجال هل يمكن الحديث عن تقريب حقيقي بين المذاهب الإسلامية؟

ج: إن مسألة التقريب تحتاج إلى نوعين من العمل، الأول في الحركة الفكرية بمعنى أن يبحث كل فريق من المسلمين، وفق المعايير الفكرية العلمية، عقائده وخطوطه الفكرية من جديد، بحيث يعرف الشيعة ما هو خط التشيع في العمق، بالمعنى العلمي الذي يمكن لهم أن يدافعوا من خلاله عن أفكارهم وعقائدهم ومذاهبهم الفقهية ومفاهيمهم الإسلامية استناداً إلى المصادر الإسلامية الأصيلة؛ وأن يدرس السنّة كذلك عقائدهم ومذاهبهم الفقهية، وفق هذه المعايير أيضاً، بحيث يشعرون أن بإمكانهم أن يدافعوا عن المذهب بطريقة إسلامية منفتحة على كل المصادر الإسلامية، لأن المشكلة التي تواجهنا هي أن كل فريق يحاول أن ينطلق بالحجة مذهبياً لا إسلامياً بالمعنى المنفتح، ولهذا لا نجد هناك لغة للتفاهم بينهم، لأن كلاً منهم يتحدث مع الآخرين باللغة التي يحركها في دائرته الخاصة بعيداً عن اللغة الإسلامية الأشمل، لذلك فإننا نلاحظ أن ما يتحدث به السنة والشيعة في خلافاتهم هو ما كانوا يتحدثون به قبل أكثر من ألف عام.

في ضوء ذلك، فإننا نرى أن مفردة واحدة لم تتغير، أو أُعيد النظر فيها عند الطرفين، لا على مستوى الإشكالات التي يوجهها كل فريق للآخر ولا على مستوى الأسلوب.. ولا على مستوى الحجج التي يقدمها هذا الطرف أو ذاك بالرغم من أن الحياة الفكرية تطورت وطرحت أشياء كثيرة يمكن إستخدامها في حل الكثير من المشكلات.

أما أسباب هذه المشكلة فتعود إلى أن السنّة لا يريدون أن يتنازلوا عن شيء مما ورثوه، والشيعة أيضاً لا يريدون أن يتنازلوا عن شيء مما ورثوه، بغض النظر عما إذا كان ما ورثوه يخضع للبرهان أو للدليل. ومن هنا علينا أن ندرس ما عندنا، وعليهم أن يدرسوا ما عندهم بطريقة علمية موضوعية، فلا يكون معيار القبول أو الرفض لهذه المفردات الفكرية أو تلك، التزام العلماء القدماء بها أو عدم التزامهم، بل أن يكون المعيار العلمي هو الاستناد إلى تلك القاعدة الأساسية التي تدعونا إلى الرجوع في كل ما نتنازع حوله إلى الله وإلى الرسول، مما يجعلنا نحتاج إلى فهم قرآني منفتح وإلى توثيق الأحاديث وفهمها فهماً منفتحاً. هذه هي النقطة الأولى، وإن لم نعالجها فمن الصعب أن يكون هناك تقارب فكري بين السنة والشيعة، لأن التقارب إنما ينطلق من خلال الحوار النقدي للذات مع الذات الذي يشكل أساساً للحوار مع الآخر.

* * *

القواسم المشتركة لأمة واحدة

س: ألا يمكن أيضاً محاولة دراسة قواسم مشتركة يلتقي السنة والشيعة عليها؟

ج: تماماً ومن هذه النقطة التي أشرت إليها، نحن نستهدي بالقرآن في ذلك، فعندما نقرأ قوله تعالى:{قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله}[آل عمران:64] وكذلك عندما نقرأ قوله تعالى:

{ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون}[العنكبوت/46] عندما نقرأ هذين النصين نجد أن القرآن أراد أن يدعو أهل الكتاب من اليهود والنصارى إلى الكلمة السواء، وهي التوحيد والإيمان بالرسالات، ونحن نعرف كم هي المفردات التفصيلية التي يختلف المسلمون مع النصارى واليهود حولها، في ما يتعلق بعقيدة التوحيد وفي تفاصيل عقيدة النبوة، ولكن الله سبحانه وتعالى عندما أراد لنا أن نلتقي على الأرض المشتركة قال لنا: انطلقوا من الخط العام للمبدأ ولا تدخلوا في التفاصيل فإذا وضعتم أرجلكم على الأرض المشتركة وقفتم وأطلقتم كلماتكم على أساس الكلمة السواء، فإن بإمكانكم أن تناقشوا المفردت الخلافية بروح اللقاء بدلاً من مناقشتها بروح الفراق.

إذا كانت الدعوة الإلهية للوصول إلى الكلمة السواء بين المسلمين والمسيحين، إذن، فإنّه على الرغم من الكثير من المفردات التفصيلية الخلافية بينهما، فإنه من الأولى التوصل إلى هذه الكلمة السواء بين السنة والشيعة التي لا تشمل المفردات الخلافية بينهما إلا مقداراً ضئيلاً بمقارنة بما بين المسلمين والمسيحيين.. هذا هو المنهج الإسلامي في معالجة هذه المشكلة، أما إذا كنا نريد أن نبحث التفاصيل في البداية، لنجعل منها حاجزاً بيننا ليمنعنا ذلك من اللقاء، فإن ذلك ليس من دين الإسلام في شيء. إن منهج الإسلام هو الإلتزام بنداء {تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم}، الذي يدعو إلى اللقاء على قاعدة الاتفاق، لا إلى مجرد الحوار فقط.

* * *

بين الاجتهاد المعاصر والإسلام التاريخي

س: إن من الواضح أن نظرتنا للإسلام تأثرت كثيراً بوجهات نظر المجتهدين الإسلاميين الذين سبقونا في التاريخ، في حين حدثت متغيرات كثيرة لا تحكمها نصوص محددة، ما يتطلب الاجتهاد لمواكبتها، الذي يؤدي إلى آراء متعددة يختلط فيها انتسابها إلى التاريخ وإلى الحالة المعاصرة، كيف نواجه هذا التحدي؟

ج: عندما يرث المسلمون إسلامهم من التاريخ، ولا يمنعوا النظر والفكر في النصوص والمصادر الأصلية أو في طبيعة واقعهم المعاصر، فإن التعصب سيحكم عملية انتسابهم إلى هذا الدين، وسيصبح الإسلام هنا يدخل في دائرة الأرث التاريخي.

على أن المذهبية الفكرية أو تعدد الاجتهادات، يما تعنيه من تعدد وجهات النظر في فهم الإسلام، سواء على مستوى علم الكلام وعلم الفقه وغيره، هي مسألة طبيعية في التصور الإسلامي للفكر والشريعة، وليس الإسلام بدعة من الأديان أو من الأفكار في هذا المجال. نحن نعرف أيضاً أن النصرانية تحتوي عدة مذاهب في المفاهيم العامة العقيدية والطقوسية وكذلك اليهودية، وإذا أردنا أن ننفذ إلى العناوين العلمانية المتحركة في عالمي القومية والماركسية، نجد أكثر من خط قومي وماركسي يختلف عن الآخر، ويمكن أن يقال الشيء ذاته عن الديمقراطية التي يكثر الحديث عنها.

لقد انطلقت المذهبية الفكرية في الإسلام من موقع اختلاف المسلمين في فهم النص والتأويل والقواعد العامة، التي تحكم المتغيرات الحادثة في الواقع، مما لم يكن له نص محدد حوله، ولذلك كان بالإمكان أن يكون هذا التنوع المذهبي في المسألة الفكرية والفقهية مصدر غنى للمسلمين، يثري التجربة الاجتهادية الإسلامية ويفتح من خلال الخلاف الفكري أكثر من أفق، مما قد لا نحصل عليه لو كان الاجتهاد واحداً. لأن الاجتهاد الواحد سيعيق تطور النتائج الفكرية والفقهية في الإسلام من خلال تصور الفهم الاحادي المجافي لإمكانية تنوع المذاهب الجديدة في داخل الواقع الإسلامي الفكري.