... the science of peace

 

 
  مقالات آراء و مدخلات

  

أسس الثورة النبوية

الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر - قدس سره
 

 

  • الوحي وحده هو القادر على ان يؤمن التربية الثورية والخلفية النفسية الصالحة التي تنشيء ثائرين لايريدون في الارض علواً ولا فساداً وتجعل من المستضعفين ائمة لكي يتحملوا اعباء الخلافة بحق

  • دعا الانبياء الى جهادين احدهما : الجهاد الاكبر من اجل ان يكون المستضعفون ائمة وينتصروا على شهواتهم ويبنوا انفسهم بناء ثورياً صالحاً، والاخر: الجهاد الاصغر من اجل ازالة المستغلين والظالمين

  • وعلى هذا الأساس نؤمن بان الثورة الحقيقة لا يمكن ان تنفصل بحال عن الوحي والنبوة وما لها من امتدادات في حياة الإنسان

الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر (قدس سره)

مقدمة :

انتقال السلطة وتغير الحاكم وتجدد الحكومات وقيام الثورات، امر ألفته البشرية كألفتها لتجدد الحياة واستمرار مسيرتها بولادة البشر. وكما ان البعض يولدون بصورة طبيعية والبعض يسبق زمانه فيحتاج الى رعاية والبعض يتأخر فيخرج بالقسر بعملية قيصرية، كذلك تبدل الحكومات يتغيير حكامها، فقد يتغير الحاكم داخل الاسرة الحاكمة بموت السابق ومجيء اللاحق بلا ضجة ولا ضوضاء، الا الحزن على السابق والفرحة باللاحق، وقد يستعجل القدر فيجيء بولي العهد قبل اوانه وقد يستعجل الطامحون فيطيحون بالحكومات قبل ان يستكملواهم ادوات التغيير لديهم وحينئذ يحتاج الحاكم وحكومته الى الرعاية والمدارات الى ان تصل الى قرارها، وقد يتجبر الحاكم فلا يترك مجالاً لغيره، ولا يتحمل ان احدا غيره على كرسيه، فتمر السنون وهو متربع على كرسي الملك يظلم ويقتل ويبني ويهدم حتى يأتي من يستأصله بعملية قيصرية رغم انفه ليخرجه من الظلمة التي تلفه الى نور الحقيقة ليرى الواقع علىحاله ان كان قد بقي له لب يعقل به وحكمة يركن اليها. وحديثنا ينصب على الحالة الاخيرة، حالة من لا يتوقع لنفسه الفناء ولا لحكومته التبدل والتغيير، فيتجبر ويطغى ويمارس كل انواع الظلم اينما كان وكيفما كان حتى يثور عليه من يثور ويطيح بعرشه. غير ان للثورة على الطواغيت اسبابا، وللثوار اهدافا وغايات، تتعدد وتتنوع بتعدد اهداف وغايات الثوار انفسهم، وحديث الشهيد (قده) الذي ننشره ونقدمه لقارئنا الكريم، يتولى بيان اقسام الثورة ومواصفاتها ويوضح اهداف وغايات الثوار بالشكل الذي يمكن ان يكون اساساً لثقافة سياسية مركزة في هذا المجال:

 

شهد التاريخ البشري منذ اقدم عصور الاستغلال اساسين مختلفين للثورة:

الاساس الاول: ما تزخر به قلوب المستضعفين والمضطهدين من المشاعر الشخصية المتقدة بسبب ظلم الاخرين واستهتارهم بحقوق الجماعة ومصالحها وهذا الشعور يتكون ويمتد في المستضعفين تدريجاً كلما ازدادت حالتهم سوءاً وازداد المستغلون لهم عتواً واستهتاراً بهم، ولكي يتحول هذا الشعور الى ثورة لا بد له من بؤرة تستقطبه وتنبثق عن هذه البؤرة التي تستقطب هذا الشعور القيادة التي تتزعم المستضعفين في كفاحهم ضد المستغلين والثورة عليهم.

واذ لا حظنا هذا الاساس بعمق نجد انه يتعامل مع نفس المشاعر الشخصية والمادية التي خلقتها ظروف الاستغلال فالإستغلال يكرس في جميع افراد المجتمع الشعور الشخصي بالمصلحة وينمي فيهم الاهتمام الذاتي بالتملك والسيطرة غير ان هذا الشعور وهذا الاهتمام ينعكس ايجابيا في المستغلين على صورة الاستيلاء المحموم علىكل ما تمتد اليه ايديهم، وتسخير كل الامكانات من اجل اشباء هذه المطامع، وينعكس الشعور والاهتمام نفسه سلبياً في المستضعفين على صورة المقاومة الصامتة اولاً والمتحركة ثانياً، والثائرة ثالثاً، على المستغلين وهي مقاومة تحمل نفس الخلفية النفسية التي يحملها المستغلون وتنطلق من نفس الشاعر والاحاسيس التي خلقتها ظروف الاستغلال وهذا يؤدي في الحقيقة الى ان الثورة لن تكون ثورة على الاستغلال وعلى جذوره، ولن تعيد الجماعة الى مسيرتها الرشيدة ودورها الخلافي الصالح وانما هي ثورة على تجسيد معين للاستغلال من قبل المتضررين من ذلك التجسيد، ومن هنا كانت تغييراً لمواقع الاستغلال اكثر من كونها استئصالاً للإستغلال نفسه.

الاساس الثاني: استئصال المشاعر التي خلقتها ظروف الاستغلال واعتماد مشاعر اخرى اساساً للثورة، وبكلمة اخرى تطوير تلك المشاعر على نحو تمثل الاحساس بالقيم الموضوعية للعدل والحق والقسط والايمان بعبودية الانسان لله التي تحرره من كل عبودية، وبالكرامة الانسانية، وهذه المشاعر تخلق القاعدة التي تتبنى تصفية الاستغلال، لا لأنه يمس مصالحها الشخصية فحسب بل لأنه ايضاً يمس المصالح الحقيقية للظالمين والمظلومين على السواء، وتنتزع وسائل السيطرة من المستغلين لا طمعاً فيها وحرصاً على احتكارها، بل ايماناً بأنها من حق الجماعة كلها، وتلغي العلاقات الاجتماعية التي نشأت على اساس الاستغلال، لا لتنشيء علاقات مماثلة لفئة اخرى من المجتمع بل لتعيد الى الجماعة البشرية الشروط الضرورية لممارسة الخلافة العامة على الارض وتحقيق اهدافها الرشيدة.

وواضح من خلال المقارنة ان الاساس الثاني وحده هو الذي يشكل الخلفية الحقيقية للثورة والرصيد الروحي القادر على جعلها ثورة بدلا عن تجميدها في منتصف الطريق بينما الاساس الاول لا يمكن ان ينجز سوى ثورة نسبية تتغير فيها مواقع الاستغلال.

غير ان مجرد ذلك لا يكفى وحده لاختيار الاساس الثاني واعتماد المستضعفين له في كفاحهم، ذلك لأن الاساس الثاني يتوقف على تربية للمحتوى الداخلي للثائرين انفسهم واعداد روحي ونفسي - من خلال التعبئة والممارسة الثوريتين - يطهرهم من مشاعر الاستغلال ويستأصل من نفوسهم الحرص المسعور على طبيات هذه الحياة وثرواتها المادية - سواء كان حرصاً مسعوراً في حالة هيجان كما في نفوس المستغلين او في حالة كبت كما في نفوس المستضعفين - وهذه التربية لا يمكن ان تبداً من داخل الجماعة التي انحرفت مسيرتها وتمزقت وحدتها بل لا بد من تربية تتلقاها ولا بد من هدى ينفذ الى قلوبها من خارج الظروف النفسية التي تعيقها وهنا يأتي دور الوحي والنبوة.

(فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه) البقرة /213.

وتتحقق بذلك كلمة الله.

(اني اعلم ما لا تعلمون) البقرة /30

بعد ان تحققت نبوءة الملائكة، فالوحي وحده هو القادر على ان يؤمن التربية الثورية والخلفية النفسية الصالحة التي تنشيء ثائرين لايريدون في الارض علواً ولا فساداً وتجعل من المستضعفين ائمة لكي يتحملوا اعباء الخلافة بحق ويكونوا هم الوارثين.

(تلك الدار الاخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فساداً) القصص /83.

ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الارض فنجعلهم ائمة ونجعلهم الوارثين)القصص /5.

والنبي الرسول هو حامل الرسالة من السماء والانسان المبني ربانياً لكي يبني للثورة قواعدها الصالحة، ويعيد الى الجماعة الشروط الحقيقية لاستعادة دورها الخلافي الصالح وذك باتماد الاساس الثاني.

ومن هنا دعا الانبياء الى جهادين، احدهما: الجهاد الاكبر من اجل ان يكون المستضعفون ائمة وينتصروا على شهواتهم ويبنوا انف سهم بناء ثورياً صالحاً، والاخر: الجهاد الاصغر من اجل ازالة المستغلين والظالمين عن مواقعهم.

وتسير العمليتان في ثورة الانبياء جنباً الى جنب فالنبي ينتقل بأصحابه دائماً من الجهاد الاكبر الى الاصغر ومن الجهاد الاصغر الى الاكبر بل انهم يمارسون الجهادين في وقت واحد وحتى عندما يخوضون ساحات القتال وفي احرج لحظات الحرب انظروا الى الثائر النموذجي في الاسلام الامام علي بن ابي طالب كيف اقدم بكل شجاعة وبطولة على مبارزة رجل الحرب الاول في العرب عمرو بن عبد ود، [فقد] اعتبر الناس ذلك منه انتحاراً شبه محقق، ثم كيف امسك عن قتله بضع لحظات بعد ان تغلب عليه لان عمرو اغضبه فلم يشأ ان يقتله وفي نفسه مشاعر غضب شخصي وحرص على ان ينجز هذا الواجب الجهادي في لحظة لا غضب لديه فيها الا لله تعالى ولكرامة الانسان على الارض وبهذا حقق انتصاراً عظيماً في مقاييس كلا الجهادين في موقف واحد فريد.

وعلى هذا الأساس نؤمن بان الثورة الحقيقة لا يمكن ان تنفصل بحال عن الوحي والنبوة وما لها من امتدادات في حياة الإنسان، كما ان النبوة والرسالة الربانية لا تنفصل بحال عن الثورة الاجتماعية على الاستغلال والترف والطغيان. <<

__________________

(1) بل يمكن القول انها علاقة الانسان بالطبيعة ايضاً.

 

 

 

 

  http://www.islamology.com

















 

     
 
Home
الهدف السامي للحياة الإنسانية
الروحية في الإسلام و المجتمع
الإسلام وكرامة الإنسان
الإسلام ومتطلبات العصر
الأصالة أو ذاتية الإسلام
أسس الأخلاق وركائزها
المحبة في التربية
 
 
 
 
 
 
 
 




 
Treatise on Rights
Human Rights
Enemies' Rights
Justice
Religions
Practices
 
 
 
 
 
 
 
 
22