... the science of peace

 

 
  مقالات آراء و مدخلات

  

السنن التاريخية في القرآن الكريم

الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر - قدس سره
 

أساليب القرآن في بيان سنن التاريخ

عملية التغيير الاجتماعي وابعادها

ثلاث حقائق مهمة

كشف القرآن عن سنن التاريخ

اشكال السنن التاريخية في القرآن

مجال السنن على الساحة التاريخية

الدين سنة الهية من الشكل الثالث

 

 
  • الدين سنة وقانون الهي لابد منه.
  • قاوم القرآن الكريم النظرة العفوية او النظرة الغيبية الاستسلامية لتفسير الأحداث ونبه العقل البشري الى ان للساحة التارخية سننها وقوانينها.
  • يعرض القرآن الكريم الدين على شكلين تارة يعرضه بوصفه تشريعا وقانونا اعتباريا (شرع لكم من الدين...) واخرى يبينه سنة من سنن التاريخ وقانونا داخلا في صميم تركيب وفطرة الإنسان (فطرة الله التي فطر الناس عليها)

<الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر (قدس سره)

مقدمة :

تعتبر ظاهرة توافق الأحداث الخطيرة والمهمة من الظواهر الملفتة للنظر في حركة التاريخ البشري. فعلى سبيل المثال نرى انه بحمد الله تعالى ولى وانتهى نظام الطاغوت في بغداد وهي نهاية ارتقبها المؤمنون وراهنوا عليها في ضوء سنن الله تعالى في ازالة الظلم واهلاك الطواغيت، ولكن الذي جعل لهذه النهاية طعما آخرا هو انها جاءت في شهر صفر الخير، وهو الشهر الذي تعرض فيه نظام صدام اللعين لزوار الحسين (ع) في الأربعين عام (1977م) فيما عرف بانتفاضة صفر، كما جاءت هذه النهاية بالتحديد في يوم 9 نيسان وهو يوم شهادة السيد محمد باقر الصدر واخته العلوية عام (1980م) على يد صدام وزمرته المارقة. ولا ينبغي ان تفسر هذه الموافقات على انها من المصادفات، فانه لا صدفة في هذا الكون ولا صدفة في حركة التاريخ. وفي البحث التالي يتحدث السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس سره) ومن خلال العرض القرآني ـ عن السنن والقوانين التي تحكم حركة التاريخ في خطواتها العامة والتي تجعل الساحة التاريخية كغيرها من الساحات خاضعة لنظام يخرجها من حالة العبث واللانتظام.

 

اعتنى القرآن الكريم بسنن التاريخ:

الساحة التاريخية كأي ساحة اخرى زاخرة بمجموعة من الظواهر، وكما ان الظواهر في كل ساحة اخرى من الساحات لها سنن ولها نواميس فإن من حقنا ان نتساءل: هل ان الظوهر التي تزخر بها الساحة التاريخية أيضا ذات سنن وذات نواميس؟ وما هو موقف القرآن الكريم من هذه السنن والنواميس؟ وما هو عطاؤه في مقام تأكيد هذا المفهوم ايجابا او سلبا، اجمالا او تفصيلا؟

وقد يخيل الى بعض الاشخاص، اننا لا ينبغي ان نترقب من القرآن الكريم ان يتحدث عن سنن التاريخ ؛ لأن البحث في سنن التاريخ بحث علمي كالبحث في سنن الطبيعة والفلك والذرة والنبات، والقرآن الكريم لم ينزل كتاب اكتشاف بل كتاب هداية، الا ان هذه الملاحظة رغم ان الروح العامة فيها صحيحة، ولكن مع هذا يوجد فرق جوهري بين الساحة التاريخية وبقية ساحات الكون، هذا الفرق الجوهري يجعل من هذه الساحة ومن سنن هذه الساحة امرا مرتبطا اشد الارتباط بوظيفة القرآن ككتاب هداية، خلافا لبقية الساحات الكونية والميادين الاخرى للمعرفة البشرية ؛ وذلك ان القرآن كتاب هداية وعملية تغيير، هذه العملية التي عبر عنها في القرآن الكريم بأنها اخراج للناس من الظلمات الى النور.

وعملية التغيير هذه فيها جانبان: الجانب الأول: جانب المحتوى والمضمون الذي تدعو اليه هذه العملية التغييرية ويتمثل بالشريعة التي نزلت على النبي محمد (ص)، وهذا الجانب من عملية التغيير جانب رباني وهو فوق التاريخ. الجانب الثاني: عملية التغيير بوصفها تجسيدا بشريا واقعا على الساحة التاريخية مترابطا مع الجماعات والتيارات الاخرى التي تكتنف هذا التجسيد والتي تؤيد او تقاوم هذا التجسيد، وهي من هذا الجانب عملية بشرية، تتحكم فيها الى درجة كبيرة سنن التاريخ التي تتحكم في بقية الجماعات وفي بقية الفئات على مر الزمن.

حينما اراد القرآن ان يتحدث عن انكسار المسلمين في غزوة احد بعد ان احرزوا ذلك الانتصار الحاسم في غزوة بدر، قال: (وتلك الايام نداولها بين الناس) آل عمران/140. هنا اخذ يتكلم عن المسلمين بوصفهم اناسا، قال: بأن هذه القضية هي في الحقيقة ترتبط بسنن التاريخ، المسلمون انتصروا في بدر حينما كانت الشروط الموضوعية للنصر بحسب منطق سنن التاريخ تفرض ان ينتصروا، وخسروا المعركة في احد حينما كانت الشروط الموضوعية في معركة احد تفرض عليهم ان يخسروا المعركة. (ان يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الايام نداولها بين الناس) آل عمران/140. لا تتخيلوا ان النصر حق الهي لكم، وانما النصر حق طبيعي لكم بقدر ما يمكن ان توفروا الشروط الموضوعية لهذا النصر بحسب منطق سنن التاريخ التي وضعها الله سبحانه وتعالى كونيا لا تشريعيا، وحيث انكم في غزوة احد لم تتوفر لديكم هذه الشروط ولهذا خسرتم المعركة.

بل يذهب القرآن الى اكثر من ذلك حين يهدد هذه الجماعة البشرية التي كانت انظف واطهر جماعة على مسرح التاريخ بأنهم اذا لم يقوموا بدورهم التاريخي، واذا لم يكونوا على مستوى مسؤولية رسالة السماء فان سنن التاريخ سوف تعزلهم وسوف تأتي بأمم اخرى قد تهيأت لها الظروف الموضوعية الافضل لكي تلعب هذا الدور، (الا تنفروا يعذبكم عذابا اليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شئ قدير) التوبة/39. (يا ايها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه اذله على المؤمنين اعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم) المائدة/54.

بيّن القرآن سنن التاريخ باشكال مختلفة وبأساليب متعددة في كثير من الآيات، مرة على مستوى اعطاء نفس هذا المفهوم بالنحو الكلي: ان للتاريخ قوانين، ومرة اخرى بينها على مستوى عرض نفس هذه القوانين وبيان امثلة منها، وثالثة بينها في سياق امتزاج النظرية مع التطبيق. كما اكد في آيات اخرى على استقراء التاريخ، وهي عملية بطبيعتها تريد ان تفتش عن سنة وقانون، والا فلا معنى للاستقراء من دون افتراض ذلك. قال تعالى (وان كادوا ليستفزونك من الارض ليخرجوك منها واذا لا يلبثون خلافك الا قليلا سنة من قد ارسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا) الاسراء/76ـ77 وقال: (ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا واوذوا حتى اتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين) الانعام/34. (افلم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين امثالهم) محمد/10.

ان المفهوم القرآني يعتبر فتحا عظيما للقرآن الكريم ؛ لأننا ـ في حدود ما نعلم ـ نجد ان القرآن الكريم اول كتاب عرفه الانسان اكد على هذا المفهوم وكشف عنه واصر عليه وقاوم بكل ما لديه من وسائل الاقناع والتفهيم، قاوم النظرة العفوية او النظرة الغيبية الاستسلامية لتفسير الاحداث، الانسان الاعتيادي كان يفسر احداث التاريخ بوصفها كومة متراكمة من الاحداث، قائمة على الصدفة، القرآن الكريم قاوم هذه النظرة العفوية وقاوم هذه النظرة الاستسلامية ونبه العقل البشري الى ان هذه الساحة لها سنن ولها قوانينها، وانه لكي تستطيع ان تكون انسانا فاعلا مؤثرا لابد لك ان تكتشف هذه السنن، لابد لك ان تتعرف على هذه القوانين لكي تستطيع ان تتحكم فيها.

هذا الفتح القرآني الجليل هو الذي مهد الى تنبه الفكر البشري بعد ذلك بقرون، الى ان تجري محاولات لفهم التاريخ فهما علميا. بعد نزول القرآن بثمانية قرون بدأت هذه المحاولات، بدأت على ايدي المسلمين انفسهم، فقام ابن خلدون بمحاولة لدراسة التاريخ وكشف سننه وقوانينه، ثم بعد ذلك بأربعة قرون /على أقل تقدير/ اتجه الفكر الاوربي في بدايات ما يسمى بعصر النهضة، بدأ لكي يجسد هذا المفهوم، هذا المفهوم الذي ضيعه المسلمون، والذي لم يستطيع المسلمون ان يتوغلوا الى اعماقه، هذا المفهوم اخذه الفكر الغربي في بدايات عصر النهضة، وبدأت هناك ابحاث متنوعة ومختلفة حول فهم التاريخ وفهم سنن التاريخ، ونشأت على هذا الاساس اتجاهات مثالية ومادية ومتوسطة ومدارس متعددة، كل واحدة منها تحاول ان تحدد نواميس التاريخ. وقد تكون المادية التاريخية اشهر هذه المدارس وأوسعها تغلغلا واكثرها تأثيرا في التاريخ نفسه.

من خلال استعراضنا السابق للنصوص القرآنية الكريمة التي أوضحت فكرة السنن التاريخية واكدت عليها، يمكننا ان نستخلص ثلاث حقائق اكد عليها القرآن الكريم بالنسبة الى سنن التاريخ:

الحقيقة الاولى: ان السنن القرآنية للتاريخ ذات طابع علمي ؛ لأنها تتميز بالاطراد الذي يميز القانون العلمي.

الحقيقة الثانية: انها ذات طابع رباني ؛ لأنها تمثل حكمة الله وحسن تدبيره على الساحة التاريخية.

الحقيقة الثالثة: انها ذات طابع انساني ؛ لأنها لا تفصل الانسان عن دوره الايجابي ولا تعطل فيه ارادته وحريته اختيراه، وانما تؤكد اكثر فأكثر مسؤوليته على الساحة التاريخية.

والسؤال الذي نواجهه بعد ذلك هو تشخيص ميدان هذه السنن؟

لكن قبل هذا يجب ان نعرف ماذا نقصد بالساحة التاريخية؟

الساحة التاريخية: عبارة عن الساحة التي تحوي تلك الحوادث والقضايا التي يهتم بها المؤرخون، ويسجلونها في كتبهم.

فالسؤال هنا اذن هو هكذا: هل أن كل هذه الحوادث والقضايا التي يضبطها المؤرخون وتدخل في نطاق مهمتهم التاريخية والتسجيلية، هل كلها محكومة بالسنن التاريخية؟ او ان جزءا معينا من هذه الحوادث والقضايا هو الذي تحكمه سنن التاريخ؟

الصحيح ان جزءا معينا من هذه الحوادث والقضايا هو الذي تحكمه سنن التاريخ. هناك حوادث لا تنطبق عليها سنن التاريخ، بل تنطبق عليها القوانين الفيزيائية او الفسلجية او قوانين الحياة او اي قوانين اخرى لمختلف الساحات الكونية الاخرى. مثلا: موت ابي طالب، موت خديجة في سنة معينة(1)، حادثة تاريخية مهمة تدخل في نطاق ضبط المؤرخين، واكثر من هذا هي حادثة ذات بعد في التاريخ ترتبط بها آثار كثيرة في التاريخ، ولكنها لا تحكمها سنن التاريخ، تحكمها قوانين فسلجية، قوانين الحياة التي تفرض المرض و الشيخوخة ضمن شروط معينة وظروف معينة.

ان العمل التاريخي الذي تحكمه سنن التاريخ هو العمل الذي يكون حاملا لعلاقة مع هدف وغاية، ويكون في نفس الوقت ذا ارضية اوسع من وجود الفرد، ذا موج يتخذ من المجتمع علة مادية له وبهذا يكون عملا اجتماعيا.

هناك ثلاثة اشكال تتخذها السنة التاريخية في القرآن الكريم، لابد من استعراضها ومقارنتها والتدقيق في اوجه الفرق بينها:

1 ـ الشكل الأول للسنة التاريخية: هو شكل القضية الشرطية. في هذا الشكل تتمثل السنة التاريخية في قضية شرطية تربط بين حادثتين او مجموعتين من الحوادث على الساحة التاريخية وتؤكد العلاقة الموضوعية بين الشرط والجزاء، وانه متى ما تحقق الشرط تحقق الجزاء. وهذه صياغة نجدها في كثير من القوانين والسنن الطبيعية والكونية في مختلف الساحات الاخرى. فمثلا: حينما نتحدث عن قانون طبيعي لغليان الماء، نتحدث بلغة القضية الشرطية، نقول بأن الماء اذا تعرض الى الحرارة بدرجة معينة سوف يحدث الغليان. هذا قانون طبيعي يربط بين الشرط والجزاء ويؤكد ان حالة التعرض الى الحرارة ضمن مواصفات معينة تذكر في طرف الشرط، تستتبع حادثة طبيعية معينة وهي غليان هذا الماء، تحول هذا الماء من سائل الى غاز. هذا القانون مصاغ على نهج القضية الشرطية. ومن الواضح ان هذا القانون الطبيعي لا ينبئنا شيئا عن تحقق الشرط وعدم تحققه، ولا يتعرض الى مدى وجود الشرط وعدم وجوده، ولا ينبئنا بشئ عن تحقق الشرط ايجابا او سلبا، وانما ينبئنا عن ان الجزاء لا ينفك عن الشرط، متى ما وجد الشرط وجد الجزاء. فالغليان نتيجة مرتبطة موضوعيا بالشرط.

ومثل هذه القوانين تقدم خدمة كبيرة للإنسان في حياته الاعتيادية وتلعب دورا عظيما في توجيه الانسان ؛ لأن الإنسان ضمن تعرفه على هذه القوانين يصبح بإمكانه ان يتصرف بالنسبة الى الجزاء، ففي كل حالة يرى انه بحاجة الى الجزاء يوفر شروط هذا القانون، وفي كل حالة يكون الجزاء متعارضا مع مصالحه ومشاعره يحاول الحيلولة دون توفر شروط هذا القانون. اذن القانون الموضوع بنهج القضية الشرطية موجه عملي للإنسان في حياته. ومن هنا تتجلى حكمة الله سبحانه وتعالى في صياغة نظام الكون على مستوى القوانين وعلى مستوى الروابط المطردة والسنن الثابتة ؛ لأن صياغة الكون ضمن روابط مطردة وعلاقات ثابتة هو الذي يجعل الإنسان يتعرف على موضع قدميه، وعلى الوسائل التي يجب ان يسلكها في سبيل تكييف بيئته وحياته والوصول الى اشباع حاجته. فلو ان الغليان في الماء كان يحدث صدفة ومن دون رابطة قانونية مطردة مع حادثة اخرى كالحرارة، اذن لما استطاع الانسان ان يتحكم في هذه الظاهرة متى ما كانت حياته بحاجة اليها، وان يتفاداها متى ما كانت حياته بحاجة الى تفاديها، انما كانت له هذه القدرة باعتبار ان هذه الظاهرة وضعت في موضع ثابت من سنن الكون وطرح على الانسان القانون الطبيعي بلغة القضية الشرطية، فأصبح ينظر في نور لا في ظلام، ويستطيع في ضوء هذا القانون الطبيعي ان يتصرف.

نفس الشئ نجده في الشكل الأول من السنن التاريخية القرآنية، فإن عددا كبيرا من السنن التاريخية في القرآن قد تمت صياغتها على شكل القضية الشرطية التي تربط ما بين حادثتين اجتماعيتين او تاريخيتين، بحيث انه متى وجدت الحادثة الأولى وجدت الحادثة الثانية. ففي قوله تعالى (ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) الرعد/11 اشارة الى سنة تاريخية بينت بلغة القضية الشرطية ؛ لأن مرجع هذا المفاد القرآني الى ان هناك علاقة بين تغييرين: بين تغيير المحتوى الداخلي للإنسان، وتغيير الوضع الظاهري للبشرية والانسانية. مفاد هذه العلاقة قضية شرطية: انه متى ما وجد ذاك التغيير في انفس القوم وجد هذا التغيير في بنائهم وكيانهم. وكذلك في قوله تعالى (وَ أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأََسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً) الجن/16، تشير الآية الكريمة الى سنة من سنن التاريخ، سنة تربط بين وفرة الانتاج بعدالة التوزيع. هذه السنة ايضا هي بلغة القضية الشرطية كما هو الواضح من صياغتها النحوية ايضا.

2 ـ الشكل الثاني الذي تتخذه السنن التاريخية: شكل القضية الفعلية الناجزة الوجودية المحققة، وهذا الشكل ايضا نجد له امثلة وشواهد في القوانين الطبيعية والكونية. مثلا: العالم الفلكي حينما يصدر حكما علميا على ضوء قوانين مسارات الفلك، بأن الشمس سوف تنكسف في اليوم الفلاني او ان القمر سوف ينخسف في اليوم الفلاني، فانه قانون علمي وقضية علمية، الا انها قضية وجودية ناجزة، ليست قضية شرطية. فالانسان لا يملك تجاه هذه القضية ان يغير من ظروفها، ان يعدل من شروطها ؛ لأنها لم تبين كلغة قضية شرطية، وانما بينت على مستوى القضية الفعلية الوجودية: الشمس سوف تنكسف، القمر سوف ينخسف. هذه قضية فعلية تنظر الى الزمان الآتي وتخبر عن وقوع هذه الحادثة على اي حال. كذلك الانواء الجوية، القرارات العلمية التي تصدر عن الانواء الجوية: المطر ينهمر على المنطقة الفلانية. هذا ايضا يعبر عن قضية فعلية وجودية لم تصغ بلغة القضية الشرطية، وانما صيغت بلغة التنجيز والتحقيق بلحاظ مكان معين وزمان معين. هذا هو الشكل الثاني من السنن التاريخية.

هذا الشكل من السنن التاريخية هو الذي اوحى في الفكر الاوروبي بتوهم التعارض بين فكرة سنن التاريخ وفكرة اختيار الانسان وارادته. نشأ هذا التوهم الخاطئ الذي يقول بأن فكرة سنن التاريخ لا يمكن ان تجتمع الى جانب فكرة اختيار الانسان ؛ لأن سنن التاريخ هي التي تنظم مسار الانسان وحياة الانسان، اذن ماذا يبقى لإرادة الانسان؟ هذا التوهم ادى الى ان بعض المفكرين يذهب الى ان الانسان له دور سلبي فقط حفاظا على سنن التاريخ وعلى موضوعية هذه السنن. وذهب بعض آخر في مقام التوفيق ما بين هاتين الفكرتين ولو ظاهريا الى ان اختيار الانسان نفسه هو ايضا يخضع لسنن التاريخ ولقوانين التاريخ [فهذا البعض] لا يضحي باختيار الانسان، لكن يقول بأن اختيار الانسان لنفسه حادثة تاريخية ايضا، اذن هو بدوره يخضع للسنن، هذه تضحية باختيار الانسان لكن بصورة مبطنة غير مكشوفة. بينما ذهب فريق ثالث الى: الى التضحية بسنن التاريخ لحساب اختيار الانسان، فذهب جملة من المفكرين الاوروبيين الى انه مادام الانسان مختارا فلابد من أن يستثنى الساحة التاريخية من الساحات الكونية في مقام التقنين الموضوعي، لابد وان يقال بأنه لا سنن موضوعية للساحة التاريخية حفاظا على ارادة الانسان وعلى اختيار الانسان.

وهذه المواقف كلها خاطئة ؛ لأنها جميعا تقوم على ذلك الوهم الخاطئ، وهم الاعتقاد بوجود تناقض اساسي بين مقولة السنة التاريخية ومقولة الاختيار، وهذا التوهم نشأ من قصر النظر على الشكل الثاني من اشكال السنة التاريخية، اي قصر النظر على السنة التاريخية المصاغة بلغة القضية الفعلية الوجودية الناجزة. لو كنا نقصر النظر على هذا الشكل من سنن التاريخ، ولو كنا نقول بأن هذا الشكل هو الذي يستوعب كل الساحة التاريخية، لكان هذا التوهم واردا، ولكنا يمكننا ابطال هذا التوهم عن طريق الالتفات الى الشكل الاول من اشكال السنن الذي تصاغ فيه السنة التاريخية بوصفها قضية شرطية. وكثيرا ما تكون هذه القضية الشرطية في شرطها معبرة عن ارادة الانسان واختياره، بمعنى ان اختيار الانسان يمثل محور القضية الشرطية وشرطها. اذن فالقضية الشرطية كالأمثلة التي ذكرناها من القرآن الكريم تتحدث عن علاقة بين الشرط والجزاء، والشرط هو فعل الانسان، وارادتُه: (ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) الرعد/11. فالتغيير هنا اسند اليهم فهو فعلهم، ابداعهم وارادتهم.

اذن السنة التاريخية حينما تصاغ بلغة القضية الشرطية، وحينما يحتل ابداع الانسان واختيار الانسان موضوع الشرط في هذه القضية الشرطية تصبح هذه السنة متلائمة تماما مع اختيار الانسان، بل ان السنة حينئذ تُطغي اختيار الانسان، تزيده اختيارا وقدرة وتمكنا من التصرف في موقفه، فكما ان ذلك القانون الطبيعي للغليان يزيد من قدرة الانسان في ان يتحكم في الغليان بعد ان عرف شروطه وظروفه كذلك السنن التاريخية ذات الصيغ الشرطية، هي في الحقيقة ليست على حساب ارادة الانسان، وليست نقيضا لاختيار الانسان، بل هي مؤكدة لاختيار الانسان، وتوضح للإنسان نتائج الاختيار لكي يستطيع ان يقتبس ما يريده من هذه النتائج، لكي يتعرف على الطريق الذي يسلك به الى هذه النتيجة او الى تلك النتيجة، فيسير على ضوء وكتاب منير. هذا هو الشكل الثاني للسنة التاريخية.

3 ـ الشكل الثالث للسنة التاريخية: وهو شكل اهتم به القرآن الكريم اهتماما كبيرا، هو السنة التاريخية المصاغة على صورة تجاه طبيعي في حركة التاريخ لا على صورة قانون صارم حدي. وفرق بين الاتجاه والقانون. ولكي تتضح الفذلكة في ذلك لابد وان نطرح الفكرة الاعتيادية التي نعيشها في اذهاننا عن القانون.

القانون العلمي كما نتصوره عادة: عبارة عن تلك السنة التي لا تقبل التحدي من قبل الانسان ؛ لأنها قانون من قوانين الكون والطبيعية فلا يمكن للإنسان ان يتحداها ويخرج عن طاعتها. يمكنه ان لا يصلي ؛ لأن وجوب الصلاة حكم تشريعي وليس قانونا تكوينيا، يمكنه ان يشرب الخمر ؛ لأن حرمة شرب الخمر قانون تشريعي وليس قانونا تكوينيا، لكنه لا يمكنه ان يتحدى القوانين الكونية والسنن الموضوعية، مثلا: لا يمكنه ان يجعل الماء لا يغلي اذا توفرت شروط الغليان، لأن هذا قانون، والقانون صارم، والصرامة تأبى التحدي.

هذه هي الفكرة التي نتصورها عادة عن القوانين، وهي فكرة صحيحة الى حد ما، لكن ليس من الضروري ان تكون كل سنة طبيعية موضوعية على هذا الشكل بحيث تأبى التحدي ولا يمكن تحديها من قبل الانسان بهذه الطريقة، بل هناك تجاهات موضوعية في حركة التاريخ وفي مسار الانسان، الا ان هذه الاتجاهات لها شئ من المرونة بحيث انها تقبل التحدي ولو على شوط قصير، وان لم تقبل التحدي على شوط طويل. انت لا تستطيع ان تؤخر موعد غليان الماء لحظة، لكن تستطيع ان تجمد هذه الاتجاهات لحظات من عمر التاريخ، لكن هذا لا يعني انها ليست تجاهات تمثل واقعا موضوعيا في حركة التاريخ، هي تجاهات ولكنها مرنة تقبل التحدي لفترة ثم تحطم المتحدي نفسه.

لكي اقرب الفكرة نستطيع ان نقول بأن هناك تجاها في تركيب الانسان، تجاها موضوعيا لا تشريعيا، الى اقامة العلاقات المعينة بين الذكر والانثى في مجتمع الانسان ضمن اطار من اطر النكاح موضوعي اعملت العناية في سبيل تكوينه في مسار حركة الانسان. لا نستطيع ان نقول: ان هذا مجرد قانون تشريعي او مجرد حكم شرعي، وانما هذا تجاه رُكب في طبيعة الانسان وفي تركيبه، وهو الاتجاه الى الاتصال بين الذكر والانثى وادامة النوع عن طريق هذا الاتصال ضمن اطار من اطر النكاح الاجتماعي هذه سنة، لكنها سنة على مستوى الاتجاه لا على مستوى القانون. لماذا؟ لأن التحدي لهذه السنة لفترة ما ممكن. امكن لقوم لوط ان يتحدوا هذه السنة فترة من الزمن، بينما لم يكن بإمكانهم ان يتحدوا سنة الغليان بشكل من الاشكال، لكنهم تحدوا هذه السنة، الا ان تحدي هذه السنة على المدى الطويل يؤدي الى ان يتحطم المتحدي كما تحطم مجتمع قوم لوط.

الاتجاه الى توزيع الميادين بين المرأة والرجل اتجاه موضوعي، وليس اتجاها ناشئا من قرار تشريعي. اتجاه ركب في طبيعة الرجل والمرأة، ولكن هذا الاتجاه يمكن ان يتحدى، يمكن استصدار تشريع يفرض على الرجل بأن يبقى في البيت ليتولى دور الحضانة والتربية، وان تخرج المرأة الى الخارج لكي تتولى مشاق العمل والجهد. هذا بالامكان ان يتحقق عن طريق تشريع معين وبهذا يحصل التحدي لهذا الاتجاه، لكن هذا التحدي سوف لن يستمر ؛ لأننا بهذا سوف نخسر ونجمد كل تلك القابليات التي زودت بها المرأة من قبل هذا الاتجاه لممارسة دور الحضانة والامومة، وسوف نخسر كل تلك القابليات التي زود بها الرجل من اجل ممارسة دور يتوقف على الجلد والصبر والثبات وطول النفس. تماما من قبيل ان تسلم بناية، تسلم نجارياتها الى حداد، وحدادياتها الى نجار. يمكن ان تصنع هكذا ويمكن ان تنشأ البناية ايضا، لكن هذه البناية سوف تنهار سوف لن يستمر هذا التحدي على شوط طويل، سوف ينقطع في شوط قصير. كل تجاه من هذا القبيل هو في الحقيقة سنة موضوعية من سنة التاريخ ومن سنن حركة الانسان، ولكنها سنة مرنة تقبل التحدي على الشوط القصير، ولكنها تجيب على هذا التحدي.

ان اهم مصداق يعرضه القرآن الكريم لهذا الشكل من السنن هو الدين. القرآن الكريم يرى ان الدين ليس فقط تشريعا وقانونا اعتباريا بل هو سنة موضوعية من سنن التاريخ، ولهذا يعرض الدين على شكلين: تارة يعرضه بوصفه تشريعا وقانونا اعتباريا كأن يقول: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي اوحينا اليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى ان اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم اليه) الشورى/13. هنا يبين الدين كتشريع، كقرار، كأمر من الله سبحانه وتعالى.

لكن في مجال آخر يبينهُ سنةً من سنن التاريخ وقانونا داخلا في صميم تركيب الانسان وفطرة الانسان. قال سبحانه وتعالى: (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن اكثر الناس لا يعلمون) الروم/30. هنا الدين لم يعد مجرد تشريع او مجرد قرار من اعلى وانما الدين هنا فطرة للناس، هو فطرة الله التي فطر عليها الناس ولا تبديل لخلق الله. هذا الكلام كلام موضوعي خبري لا تشريعي انشائي. لا تبديل لخلق الله: يعني كما انك لا يمكنك ان تنتزع من الانسان اي جزء من اجزائه التي تقوّمه، كذلك لا يمكنك ان تنتزع من الانسان حاجته الى دين الله.

الدين ليس مقولة حضارية مكتسبة على مر التاريخ يمكن اعطاؤها ويمكن الاستغناء عنها ؛ لأنها في حالة من هذا القبيل لا تكون فطرة الله التي فطر الناس عليها ولا تكون خلق الله الذي لا تبديل له. القرآن يريد ان يقول بأن الدين ليس مقولة من هذه المقولات التي بالامكان اخذها وبالامكان الاستغناء عنها، الدين خلق الله: (فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله). هذا الكلام (لا) هنا ليست ناهية بل نافية، يعني هذا الدين لا يمكن ان ينفك عن خلق الله مادام الانسان انسانا.

فالدين الالهي سنة وقانون لا بد منه، ولكنها ليست سنة صارمة على مستوى قانون الغليان، بل هو سنة تقبل التحدي على الشوط القصير، كما كان بالامكان تحدي سنة النكاح والتزاوج الطبيعي، عن طريق الشذوذ الجنسي لكن على شوط قصير، كذلك يمكننا ايضا تحدي الدين كسنة على شوط قصير عن طريق الالحاد وغمض العين عن هذه الحقيقة الكبرى، ولكن هذا التحدي لا يكون الا على شوط قصير ؛ لأن العقاب سوف ينزل بالمتحدي. العقاب هنا ليس بمعنى العقاب الذي ينزل على من يرتكب مخالفة شرعية او قانونية على يد الدولة او على يد ملائكة العذاب في السماء يوم القيامة، وانما العقاب هنا ينزل من سنن التاريخ نفسها. <<

___________________________

الهوامش :

(1) وقعت وفاة أبي طالب (ع) ووفاة ام المؤمنين خديجة (ع) في العام العاشر بعد البعثة النبوية وسمي ذلك العام بعام الحزن.

 

 

  http://www.islamology.com

















 

     
 
Home
الهدف السامي للحياة الإنسانية
الروحية في الإسلام و المجتمع
الإسلام وكرامة الإنسان
الإسلام ومتطلبات العصر
الأصالة أو ذاتية الإسلام
أسس الأخلاق وركائزها
المحبة في التربية
 
 
 
 
 
 
 
 




 
Treatise on Rights
Human Rights
Enemies' Rights
Justice
Religions
Practices
 
 
 
 
 
 
 
 
22