Google

 

  Web    islamology.org        البحث   في

 

حركة التاريخ في وعي أهل البيت  عليهم السلام*

نبيل علي صالح

يمثل البعد التاريخي أحد أهم الأبعاد والمعالم الحية في ثقافة (وحضارة) أية أمة، ولذلك فهو يدخل –من حيث كونه ذاكرة جماعية– دخولاً جوهرياً في التكوين الفكري والروحي لأجيالها على امتداد الزمن كله. وطالما أن للتاريخ هذه المكانة العالية والمنزلة الرفيعة في تراث وحياة الشعوب والأمم لا بد من تواصل دراسته وتحليله، وإعادة قراءته من جديد قراءة واعية ومدركة، تحاول أن تفلسفه وتتعرف على جذوره الأصيلة ومضامينه الخصبة والمعطاءة.

وتتصاعد هذه المسؤوليات الفكرية والعملية في وعي المسألة التاريخية أكثر فأكثر بالنسبة للأمم التي تعيش أزمات ومصاعب حضارية غير عادية. كتلك التي تعيشها وتواجهها مجتمعاتنا الإسلامية التي تعيش في ظل ثقافة تاريخية ساكنة وجامدة تكاد لا تعطي شيئاً جديداً للحياة والإنسان في عصرنا الراهن.

طبعاً لا شك أن مجتمعاتنا تواجه تحديات ومتغيرات معقدة تطال مختلف التكوينات والنظم الفكرية والتاريخية والعملية لوجودها تماماً كحال أي مجتمع آخر، منها تحديات تاريخية ملحة، بالإضافة إلى تحدياتها الثقافية والسياسية والاقتصادية.. وأعني بها: تحديات ضرورة كتابة تاريخنا بأيدينا ووعينا وإدراكنا لتراثنا وقيمنا الحقيقية، ومن خلال فهمنا العملي للإسلام وقضاياه الأساسية الكبرى في الحياة، وذلك في مواجهة قراءات الآخرين لتاريخنا من موقع التأثر بالنزعات الفكرية المختلفة المسيطرة حالياً، التي تستهدف تحطيم الكيان التاريخي الصحيح للأمة، وإعادة تفسيره وضبطه بما يتناسب مع رؤيتها الخاصة للدين الإسلامي نفسه والتي تقوم على تأكيد الجوانب الفردية فقط من دون نظرته الجماعية، وتشجيع النظرة التجزيئية في فهم الإسلام. وللأسف لقد وصلنا –في هذا المجال- إلى مرحلة خطيرة من حالة التردي والضعف أصبح فيها الغلاة والمتعصبون –في داخل الإسلام قبل خارجه- هم الذين يخططون ويكتبون وينظمون ويفسرون لنا تاريخ الإسلام، ويقرءونه علينا قراءات متعددة بعيدة كل البعد عن روح التجرد والموضوعية والأمانة العلمية بالرغم من ادعائها الفارغ التمسك بذلك.

وبالنظر إلى هذا المستوى المتدني من التفكير أو التعرض الدراسي اللامسؤول لتاريخنا الإسلامي فقد انطبعت عقول أجيالنا باعتقاد خاطئ ومنحرف مفاده: أن التمسك بالتاريخ الإسلامي، والإيمان بمواقعه ورموزه هو نوع من التخلف والجمود والرجعية والغفلة والانزواء عن العالم والحضارة.

من هنا علينا أن نقف بثبات ووعي أمام المشكلات السياسية والاجتماعية والثقافية والحضارية المختلفة التي يتخبط بها الواقع العربي والإسلامي حالياً، لندرس حجمها، وطبيعتها، وأسبابها المتمثلة -بحدودها العليا- في حالة الضعف والإرباك والتمزق الداخلي والخارجي في طبيعة الواقع السلبي المهزوم الذي يعيشه المسلمون راهناً، الأمر الذي جعلهم معزولين تماماً عن مواكبة مستجدات الحياة، وبالتالي ساهم في إبقائهم خارج عملية صنع التاريخ من خلال ابتعادهم عن فهم واستلهام دروس وتجارب الدورة الحضارية المتسارعة حالياً.

ونحن عندما نؤكد على أهمية صياغة خطاب تاريخي منفتح على تطورات الحياة ومشاكلها ومتغيراتها السريعة -حتى يتسنى لنا العيش في داخل عصرنا، وفهم لغته وأجوائه وذهنيته– فإننا لا نقصد بذلك أن نتأثر سلباً ببعض طروحات هذا العصر، أو أن نتبنى بعض مفاهيمه وقيمه المنحرفة، بل إننا نريد أن نتفهم حركة العصر، وندرس لغته وروحه حتى نتمكن من امتلاك العناصر المناسبة للدخول إليه، وحماية أنفسنا منه، أو هدايته ورفعه نحو الأعلى. إن توافر الأمور السابقة أمر ملح ضروري، و لابد له من أن ينطلق من خلال وجود حركة ثقافية إسلامية تمتد جذورها إلى مفاهيم الإسلام، وعقائده، وشرائعه، ومناهجه، وأساليبه.

إن فتح الطريق وتمهيده نحو العمل في بناء الحاضر الإسلامي، يتطلب منا إعادة النظر بمجمل دراساتنا التاريخية من خلال إلغاء النظرة أو الهالة المقدسة التي نؤطر تاريخنا بها، والتركيز على الجانب الواقعي العقلاني والموضوعي في فهم قضايا وأوضاع هذا التاريخ الذي لم يعد مجرد تسجيل أو سرد حرفي لقصص وأحداث عاشت في الماضي السحيق، بل أصبح –وهذا ما يجب أن يكون - أداة فاعلة ومؤثرة جداً في عملية بناء وتركيز الحاضر وصنع المستقبل.

وبطبيعة الحال نحن عندما نركز على أهمية ((وعي التاريخ)) لا ((تقديس التاريخ)) في دراسة الحاضر، وتأسيس المستقبل، من خلال كونه عاملاً أساسياً في البنية الثقافية للإنسان والمجتمع، وعنصراً مساعداً في عمليات الفكر وتراكم المعرفة والخبرة البشرية، فإننا لا نعتبر أن التاريخ الإسلامي على حق دائماً، وهو عنصر مقدس بكل ما فيه من تجارب وأفكار وأوضاع، أو أن الحقيقة موجودة في داخله. وبالمقابل نحن لا نقر لأولئك الذين يواجهون حاضرهم ويتجهون نحو مستقبلهم وهم بلا جذور أو أصول.

وهذا هو الموقف المغالي في رفض التاريخ (بالمعنى السلبي). بمعنى أن أصحاب هذا الخط يرفضون الوقوف عند أية تجربة تاريخية حتى ولو كانت مثمرة وناجحة وقادرة على تقديم عبرة مفيدة للحاضر والمستقبل. وهذا ما يجعل الإنسان -كما يقال– ((ريشة في مهب الريح))، وغير قادر على التماسك في الحاضر، كما ويفقده ذلك القدرة على ممارسة دوره الأصيل والمبدع في بناء الحضارة الإنسانية، ويجعله تابعاً ومستلباً للآخرين عندما يضعون له أدوار العمل والتمثيل على مسرح الحياة.

كيف تتعامل الأمة مع رموزها وأئمتها؟!

تزخر الحياة التاريخية لأي شعب من الشعوب بالكثير من الرموز والشخصيات التاريخية المؤثرة التي كان لها دور هام ورائد ومسؤول في نهضة الأمة، وصنع حركتها وأحداثها التاريخية المتجددة والمشرقة على طريق إنجاز طموحاتها الإنسانية، وتحقيق مشروعها الحضاري الإسلامي في بناء وجودها الإسلامي الفاعل والواعي كأمة هادية لها دور ومسؤولية رسالية كبيرة أمام الله تعالى في المدى الزمني الطويل.

إن طريقة تعاملنا –كأفراد وأمة- مع هذه الرموز المقدسة(1).. (التي تركت بصمات نوعية طيبة ومؤثرة، في تحديد مسارات الأمة التاريخية، وإثراء حركتها الحضارية الهادفة، وأساليب ارتباطنا الواعي بنهجهم المعرفي والعقائدي السلوكي المنفتح) لا بد أن تستند على دراسة تاريخية معمقة ووافية في طبيعة تجسيدهم للفكر الأصيل الذي التزموا به، ووعوه في العقل والقلب والروح والحركة.

وأما في مجالنا التاريخي الإسلامي فإننا نجد أن هناك رموزاً ومواقع مقدسة كثيرة، بعضها لم يستطع أن يضيف شيئاً جديداً إلى ساحة الحياة الإنسانية، بل بقي معزولاً ومنغلقاً على نفسه في أوضاع حياتية صغيرة، وبعضها الآخر قدم بعلمه ووعيه وسلوكه الملتزم الكثير من الأفكار والمآثر والإبداعات الخالدة التي لا تزال آثارها النفسية والعملية فاعلة وماثلة بقوة في ذهنية الأمة وواقعها الحي حتى الآن.

وقد كان أئمة أهل البيت(ع) من هؤلاء النماذج الرفيعة، والرموز العظيمة، والمعالم المضيئة التي انطلقت وارتفعت في سماء هذه الأمة من خلال أمرين اثنين:

1-طبيعة الأدوار والمهام الرسالية التاريخية التي التزمتها وعملت عليها، وجاهدت من أجلها، وضحت بالغالي والرخيص في سبيل تحقيقها.

2- المواقف العملية الصلبة التي وقفهتا في وجه التحديات والأزمات التي عاصرتها، ودافعت من خلالها عن الإسلام الصحيح، وعقائده، وتشريعاته.

لقد تحرك الأئمة(ع) -في مختلف مجالات العمل والدعوة في التاريخ- بانفتاح كامل على كل قلب وروح، وواجهوا بعقل وفكر كل تعقيدات الواقع الثقافي والاجتماعي الذي عاش فيه كل واحد منهم، ورفضوا الانزواء والانكماش في الزوايا المظلمة والضيقة، من أجل أن يكون لهم وعي الواقع الإسلامي، ودقة المواقف المتخذة والأدوار المتبعة في هذا الإطار.

ومن خلال هذه الرؤية الموضوعية لحركة ودور الرمز المقدس في بعده التاريخي الإسلامي، لا يمكننا - نحن أبناء هذا العصر المعولم في سياسته واقتصاده وإعلامه وثقافته- إلا أن نعمل وننشط وننتج ونؤثر في تاريخنا الحالي من موقع وعينا العميق، ودراستنا المركزة لمستجداته ومتغيراته، وكيفية التعامل معها تماماً كما وعى ودرس وتعامل الأئمة(ع) مع تاريخهم الذي عاشوا فيه، ومارسوا مسؤولياتهم الكبيرة في نطاقه.

ونحن –حقيقةً- لا نريد من خلال هذا العمل رفض التعامل بالمطلق مع تاريخ الآباء والأجداد(2)، وإلغاء تاريخهم من أساسه. ولكننا نريد أن نحترم وعيهم للمسألة التاريخية من خلال نقد هذا الوعي، ومحاكمته على أساس القرآن والمنطق والعقل. وبذلك يكون لنا الاختيار السليم والجدي في الاعتقاد بالفكر والمنهج الذي نجد أنه يتناسب مع أولوياتنا وأدوارنا وفكرنا ومسؤولياتنا وظروفنا الراهنة، وطبيعة البراهين القرآنية والأدلة العلمية الموضوعية الموجودة في داخله.

إننا يجب أن نعمل من أجل جعل أئمة أهل البيت(ع) يتحركون معنا في حياتنا ومواقعنا من جديد ليقودوا حركتنا من موقعهم الفكري الإسلامي، ومن موقعهم الروحي الإيماني، ومن إمامتهم المتحركة في اتجاه حماية الدين من الانحراف عن خط الله تعالى ورسوله الكريم(ص).

من هذا المنطلق نحن ندعو الأمة ممثلة بعلمائها ومفكريها ودعاتها العاقلين المنفتحين المدركين لجوهر وحقيقة الدين كرسالة (محبة وانفتاح وقيم إنسانية رفيعة) إلى إثارة كل مفاهيمهم وأفكارهم(ع) عقيدة، وشريعة، ومنهجاً أخلاقياً رشيداً في حياة الأمة ووعيها لتختزن في داخل مشاعرها وذهنيتها حقيقة الإسلام فلا تستغرق في أجواء الغيب المجرد والمأساة العميقة، فقد يكون للغيب بعض الملامح في حياتهم(ع) مما يخص الله به أولياؤه، ولكنهم لا يتحولون بذلك إلى شخصيات غيبية (3)، وقد يكون للمأساة بعض الدور في داخلهم، ولكنها ليست المأساة المنطلقة من حالة في الذات، بل من حركة في الرسالة مما يجعلها مثيرة للاعتزاز والعمل والتأسي الحسن بدلاً من أن تكون مثيرة للحزن والبكاء والانفعال في اللحظة فقط.

إن أمتنا الإسلامية التي صنعت وامتلكت كل هذا التاريخ المثير للجدل، وعلامات الاستفهام الإيجابية والسلبية، يجدر بها أن لا تقف عند هذا الحد من التاريخ، بل عليها أن تنطلق لتصنع لنفسها تاريخاً مشرقاً ومعطاءً جديداً.

وصحيح أن آباءنا فتحوا العالم، وانتصروا على كثير من مواقع الظلم والضلال والاستكبار ولكن السؤال المطروح حالياً: ماذا فعلنا نحن؟! ماذا قدمنا؟! وأي البلاد فتحنا؟! من هنا علينا دائماً أن نعمل في الأمة، ومع الأمة، من أجل رفع وتطوير مستواها الحضاري والعلمي والرسالي، من خلال وعينا للتاريخ، وأشخاصه، ومعطياته لندرس ذلك كله- كما ذكرنا- بثقة وثبات وتخطيط، ونتحمل مسؤولياتنا كاملة في صناعة هذا التاريخ، كما صنعوا هم تاريخهم، وتحملوا مسؤولياتهم في سبيل إنجازه والوصول إليه.

وهذا ما يوحي لنا بضرورة أن نستفيد من تجاربهم، ونتعلم منهم خصوصاً الاستفادة من خبرات وتجارب الأئمة(ع) في باعتبار أن خط الولاية لهم هو خط الإسلام الأصيل نفسه في فكره، وعقائده، وأسلوبه العملي، وحركته باتجاه التغيير، لذلك لا بد لكل أتباعهم ومحبيهم من أن يعيشوا الالتزام الإسلامي الصادق والأمين في كل تجاربهم وأعمالهم الخاصة والعامة، وفي قضايا الواقع والحياة.

ضمن السياق نؤكد على أن قيمة التاريخ لا تنحصر في كونها قدمت لنا رموزاً وشخوصاً عظيمة في معنى الذات وإنما في كونها أعطت لنا رموزاً وعظماء في معنى الرسالة الباقية الممتدة قيمياً في حجم الأبد كله، من خلال وعي واستلهام دورهم ورسالتهم في حجم الحياة الواسعة، في تقديم بعض الإضاءات العملية العلمية والثقافية والسياسية على طريق بناء الإنسان الواعي والمنفتح على ربه، وعلى عصره، وعلى مجتمعه وأمته، وعلى كل القضايا المصيرية والحيوية في الحياة، ليكون له الدور الفاعل في حركة الإنسان الآخر والحضارة المعاصرة، من حيث أنه صاحب رسالة ربانية شاملة، وأطروحة رسالية مفاهيمية للعالم أجمع تطالبه بالانفتاح الدائم و المستمر على كل الأمور العامة في المرحلة الحاضرة والمستقبلية، كي يصل إلى هذا المستوى المتقدم والمتصاعد من الفهم الدقيق لرسالته، والحجم الكبير لمسؤولياته خصوصاً في المجال التاريخي، وذلك من خلال إخراجه لهذا التاريخ -ورموزه الهادية والمستنيرة– من الدهاليز المظلمة، والمجاهيل البعيدة بطريقة مدروسة وهادفة إلى ساحة الحياة الرحبة لنتنفس جميعاً فيها الهواء النظيف الطلق، فيما يتصل بكيفية استلهام تاريخ وتجارب هذه الرموز في واقع حياتنا الراهنة، بما يخدم توجهاتنا ونشاطاتنا وفعالياتنا، ويساهم في إعطاء بعض الحلول لمشاكلنا المتزايدة التي نعيش تحدياتها حالياً.. كي يبقى الإسلام الواعي والمنفتح والمستنير القلب النابض للأمة، والقاعدة المنهجية والعملية الراسخة لعاطفتها وحياتها.

إن المطلوب -في هذا المجال- هو أن نعترف بالدور الهام للتاريخ في حركة الحياة والإنسان، ونعمل على استخدامه استخداماً متوازناً وحكيماً ومعتدلاً لكي نكون أقدر على التحرك الفاعل في حاضرنا المليء بالمشاكل والأوضاع الصعبة، وأكثر شعوراً بخطورة قراراتنا فيما يتعلق بشؤون المستقبل الإسلامي لأن التاريخ -في هذه الحالة- حياة أجيال تصنع بهذه القرارات -المستقبلية بالنسبة إلينا- حاضرها الذي هو مستقبلنا المظنون الذي قد لا نشاركها فيه لأننا نكون حين إذٍ وقد غادرنا الحياة، ومن ثم فلا نواجه نتائج قراراتنا الماضية.n


 الهوامش:

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(1)- إن إطلاقنا صفة ((المقدسة)) على تلك الرموز لا يعني –بأي حال من الأحوال- أننا نعطل حركية الأسباب، ودور السنن الإلهية، والعلل التاريخية الواقعية في صنع هذه الشخصيات ، والتأثير الإيجابي في بناء خصائصها النفسية والعملية. كما انه لا يغنينا أبداً -في الوقت نفسه– عن إنجاز الدراسة الموضوعية والعلمية الخاصة بتاريخنا ومقدساتنا ورموزنا الكبيرة. فقدسية هذا الموقع أو ذاك الرمز نابعة أساساً –في الوعي الديني– من سلوكه وعمله وكسبه الحياتي والوجودي، وعمله الدائم على الخط الموصل إلى نيل رضا الله بالدرجة الأسمى والأعلى في الفكر والممارسة، في خدمته للحياة والإنسان على طريق تحقيق سعادته وكماله الممكن له. ومن هنا يأتي معنى القدسية -لتلك المواقع التاريخية– قائماً على الحقيقة الموضوعية العميقة والمجردة عن الأهواء والنزعات الذاتية السلبية من أجل تحقيق الفهم الواعي لدورها وأحداثها وأعمالها، والاستفادة العملية القصوى من تجاربها التاريخية، وأدوارها الرسالية في خط البناء التاريخي الهادف إلى توليد أمة ومجتمع حضاري متطور ومنتج وقادر على الوصول إلى مواقع الحضور العالمي، والمنافسة الحضارية السلمية مع باقي حضارات وثقافات العالم.

(2)- يقول الله تعالى: (((إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون))) (الزخرف:22 ) وهو تعالى يرشدنا من خلال هذه الآية الكريمة إلى ضرورة ألا يخضع الإنسان في عقله والتزاماته العملية في الحياة إلى عقل الآخرين الذي سبقوه زمنياً بل أن يرفض قدسية الأباء والأجداد الذي لا يملكون شيئاً من عناصر القداسة سوى أنهم عاشوا في التاريخ، وهذا أمر لا علاقة له بالقداسة مطلقاً. لأن تقادم الزمن على الفكرة والرمز لا يعطيهما أية قدسية في هذا المجال.

(3)- نلاحظ على كثير من الدراسات والأفكار التي ينتجها بعض المثقفين والنخب المفكرة (دينياً وعلمانياً) أنها تريد تجميد حياة الأئمة في داخل المراحل الزمنية التي عايشوها، ومنع التفكير بها على امتداد تجربتهم في الحياة. وينطلق عملهم هذا من خلال التأكيد على أن الإمام مجرد شخصية مقدسة، وقمة إنسانية شامخة تعيش في عالم الخيال والجمال المطلق، نتطلع إليها من بعيد من دون أن نحاول الوصول إليها أو الاقتراب منها، واكتشافها عن قرب، ووعيها، ليكون الالتزام بالأئمة(ع) –من خلال ذلك- مجرد التزام تقليدي ساكن خال من أي مضمون حي ومتحرك، والاقتصار على التعاطي معهم(ع) في طبيعة الاعتراف بموقعهم التاريخي من دون أن يترك ذلك أية تأثيرات عملية في حياتنا من خلال أفكاره وأخلاقه، فيبقى لهم الاسم العالي الذي تكرره الأجيال وتردده السنون والأيام من دون أن يعيشه الناس في حياتهم فكراً روحياً ممتداً إلى المواقع الحياتية كلها. وهذا ما نلاحظه سلوكياً من خلال نوعية الارتباط التقليدي الساذج مع الأئمة(ع) في إطار التركيز المكثف على الجانب الشخصي في حياتهم، من خلال تمظهراته الواقعية في حركة الاحتفالات بالمواليد والوفيات التي نتحدث فيها عن آفاق الفرح والحزن الجامد والفارغ. وربما يعود سبب هذا السلوك غير المتوازن في طبيعة التعامل مع شخصيات وقضايا التاريخ إلى طبيعة الجو النفسي الذي تفرضه ((الألفة)) مع العادة أو التقليد، وعدم توافر المعطيات والقدرة العملية على تركها والتخلص منها على طريقة المتنبي في قوله:

 

خلقت ألوفاً لو رجعت إلى الصبا

لفارقت شيبي موجع القلب باكياً

 

http://www.alwahdaalislamyia.net