Google

 

  Web    islamology.org        البحث   في

 

 

 

قراءة في كتاب 

الإسلام والعلمانية في الشرق الأوسط

 

 

 

المذاهب الإسلامية مدارس فقهية*

الدكتور علي الشيخ عمار

بعضنا يرجو أن تكون هذه هي حال المسلمين، أي أن تكون مذاهبهم المختلفة مجرد مدارس فقهية، الخلاف في داخلها مبرر لأسباب بعضها يرتبط باجتهاد العلماء وتفسيرهم للنصوص، والبعض الآخر بالظروف الزمانية والمكانية والتي بحسبها يعمل الفقهاء على استنباط الأحكام من أدلتها. هذا إضافة إلى تنوع الطرق والمسالك التي على أساسها تتبنى الأحكام الشرعية المرتبطة بالأمور كافة: العبادات والمعاملات، هذه التي تشمل جميع مناحي الحياة وقد اعتدنا على تصنيفها اليوم ما بين سياسية ودينية واجتماعية واقتصادية وقضائية وإدارية وتربوية وصحية.

إن التاريخ غني بمثل هذه المدارس الفقهية وهي صنفت بحسب الدارسين المعاصرين كالتالي: المذهب المالكي، المذهب الحنفي، المذهب الشافعي، المذهب الحنبلي والمذهب الجعفري، هذا مع العلم أن اتجاهات فقهية مختلفة كثيرة غنية ومتعددة قديمة وحديثة ومعاصرة، تخالف المذاهب الخمسة، تظهر على الدوام لتنبئ عن حيوية غير اعتيادية للإنسان المسلم والعقل المسلم ولتعلن بالفم الملآن بأن باب الاجتهاد على مصراعيه، بل أكثر من ذلك، بأن الاجتهاد واجب وإذا شئت فرض كفاية لا يجوز لأمة الإسلام أن تغفل عنه أو حتى أن تقصّر فيه.

اعتقد إن علماء الإسلام متيقظون ومدركون لأهمية هذه المسألة وهم لأجل ذلك مستعدون على الدوام وجاهزون للإجابة عن تساؤلات تفرضها طبيعة الحياة الإنسانية وهذه التبدلات التي طرأت وهذا النمو الحضاري والتقدم العلمي والتطورات المتسارعة التي طاولت وما تزال جوانب الحياة الإنسانية كافة: الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتشريعية... هذا إضافة إلى أننا وأمام هذا الوعي الإسلامي المتنامي الشامل لجميع القطاعات الشعبية وشرائح المجتمع المختلفة مضطرون إلى مواكبة هذه التحولات العميقة، عن طريق البحث العلمي التي أصبحت وسائله بمتناول الجميع.

قلت إن بعضنا، وأرجو أن يكون جميعنا يسأل الله العلي القدير أن يجعل اختلاف المسلمين كاختلاف العلماء رحمة، بحيث لا يتعدى المسائل الفرعية المتعلقة بالأحكام التي يدأب الفقهاء على استنباطها من الأدلة المتاحة والمسالك المتبناة، وأن يبقى هذا الاختلاف في حدود التنوع المسموح به، هذا التنوع الذي يثري المجتمعات والعصور الإسلامية بالأفكار والآراء والاجتهاد ويزيد في حيويتها ويسمح بإيجاد حلول ناجحة لقضايا الإنسان وتلبية لحاجاته الكثيرة، حتى ولو عدى هذا الاختلاف المسائل الفقيهة إلى مسائل كلامية ترتبط بذات الخالق سبحانه وتعالى وصفاته وأفعاله، والإنسان والكون والنبوة والإمامة إلى ما هنالك من المسائل المتشعبة التي تناولتها الفرق الكلامية على مر التاريخ.. ونحن وتعلقاً منا بهذا الرجاء، وإيماناً منا بأن الدعاء أو الأمنية الخيرة الصادقة قابلة للتحقق بمشيئة الله تعالى، وحتى يتحول سعينا إلى الوحدة الإسلامية عملاً جاداً يؤتي أكله بعون الله تعالى، لا بد أن نتوقف ملياً عند أمور أهمها:

1- هل نريد حقاً أن تكون المذاهب الإسلامية، مذهب أهل السنة والجماعة، والإمامية الإثني عشرية، مجرد مدارس فقهية؟ بمعنى أن يتم التوصل إلى تفاهم نهائي حول المسائل الاعتقادية الأساسية، ومنها أركان الإيمان بطريقة تسوق شيئاً من الاطمئنان إلى قلوب المؤمنين الذين يعيشون حالات خوف وقلق نتيجة ما يتناهى إلى أسماعهم من كلام يصل إلى حد تكفير الآخر ورميه بشتى النعوت، من مثل: الردة والنفاق والزندقة..؟ هل هذا متاح؟ وما السبيل إليه؟ وهل استطاعت المؤتمرات العديدة منذ عشرات السنين، بل مئات السنين ولجان التقريب بين المذاهب الإسلامية أن تحقق نجاحاً في هذا الشأن؟! أنا أتساءل فقط.

هل النية تتجه إلى مثل هذه الغاية؟ دون أن يعني ذلك أني أشكك في مقدرة الإنسان المسلم والعلماء المسلمين والمخلصين من أبناء الأمة على صياغة مرتكزات لمثل هذا التوحد على أسس إيمانية تستلهم الكتاب والسنة الصحيحة وسيرة خاتم النبيين محمد بن عبد الله (ص).

هذا ما أردته من هذا العنوان، على الرغم من حالة الخوف التي تنتابني عند إثارة هذه المسألة نتيجة ردات الفعل المتشائمة التي تصدر من هنا وهنالك معلنة عقم المحاولات في هذا الاتجاه لأسباب كثيرة ليست أقلها التمترس خلف قناعات موروثة قد لا تصمد أمام خواطر إنسانية حميمة تطلق لنفسها العنان من دون حسابات متهمة من قبل المراقبين أو الناقدين الأذكياء.

فأن نقول إن المذاهب الإسلامية هي مدارس فقهية فقط، هذا يعني واحداً من اثنين لا ثالث لهما: إما أن هذا هو واقع الحال، وإما أن المسلمين وعلماءهم على طريق الوصول إلى هذا الهدف السامي الكبير. وفي كلتا الحالتين نحن بخير إن شاء الله والإنسان بخير كذلك.

2- وبما أننا بصدد الحديث عن إمكانية تجاوز الاختلاف العميق إلى ما هو مباح ومقبول، فإنه لا بد من التذكير بأن الحوار المنفتح على كل الأمور، ضرورة تقتضيها طبيعة الغاية التي نسعى من اجل الوصول إليها، أعني بالحوار هنا والنقاش الهادى الرصين الذي لا توضع في وجهه أية عوائق أو محرمات أو ما يسمى بالإحراجات، طالما أن المسائل تتجه صوب تولد قناعة راسخة بأننا مذهب واحد، عقيدتنا واحدة وبأن الاختلاف فيما بيننا ناتج فقط عن اجتهادات الفقهاء وطرقهم في استنباط الأحكام الشرعية كما هي الحال في المذاهب الفقهية المختلفة، أو إذا شئت المدارس الفقهية المتعددة، وهنا تحضرني حادثة حصلت معي عندما كنت أحاور بعض الإخوة المثقفين من السنة والشيعة، إذ هالني يومها ما سمعت من بعضهم بأنه لا يجوز التحاور حول هذه المسائل الاعتقادية التي تعتبر في نظر هذا البعض من المقدسات، وأحدهم، وأنا أحبه واحترمه قال لي يومها: «أنا أجلك عن هذا الكلام الذي سمعته منك» في إشارة منه إلى تجرُّئي على بعض الذي لا يناقش؟ مسلمات من هنا ومقدسات من هناك وثوابت ومحرمات... في أي شي‏ء نتحاور إذن وكيف يمكن لنا أن نصل إلى قواسم مشتركة أو إلى وحدة فقهية حقيقية أساسها الرضا والاقتناع وليس المسايرة وعدم الإحراج؟!.

أنا أعرف أيها الإخوة، كيف ينظر بعضنا إلى بعض، وأنا أسمع كلاماً من هذا الجانب أو ذاك لا يبشر بخير، وفي اعتقادي أنه لا يصح أن تبقى الأمور على ما هي عليه اليوم، وأن الطريق إلى الوحدة هو التحاور الأخوي الذي يستبعد أية خلفيات لا أخوية ويتحرر من أية نوايا غير طيبة، وأنا لا استثني فريقاً واحداً من الفريقين ولكن اعتقد أننا جميعاً نتحمل المسؤولية أمام الله سبحانه وتعالى ولن يكون بالإمكان تبرئة الذات من تهم تكاد تكون ثابتة.

3- وما يجعلنا نطمئن إلى أننا في النهاية سنكون موحدين رغم اختلاف مذاهبنا، هو يقيننا بأن الإنسان الذي كرمه الخالق سبحانه وتعالى واختصه بقدرات، تكاد تكون جميعها عجيبة ومميزة، من المفترض أنه يسعى خلال حياته ومسيرته إلى الله تعالى، إلى الخلاص. هذا الخلاص الذي لا يتحقق إلا عن طريق معرفة الحق والانتصار لهذا الحق الذي يتولد عنه كل خير وكل ما فيه صلاح لهذا الإنسان في دنياه وآخرته.

وبما أننا أمة تبحث عن خلاصها وخلاص الإنسان، وبما أن هذا الخلاص لا يكون كما ذكرت، إلا بالتوصل إلى معرفة الحق أو الحقيقة أو الحقائق جميعها، وبما أنه أيضاً لا يمكن معرفة الحق وتمييزه عن الباطل إلا عن طريق البحث والتنقيب والتمحيص... كان لابد إذن من التعمق في هذه المهمة السامية الراقية الملائمة لمكانة الإنسان وطبيعته. ومما يؤرقنا أيها الإخوة ويدفعنا أكثر في اتجاه هذه المهمة هو خوفنا على المصير وحبنا لأخوتنا، وحرصنا على الإنسان الذي نعتقد انه القيمة الحقيقة وأنه المقصود من خلال كل العقائد الإيمانية التي بُعث بها الرسل عليهم السلام والشرائع الدينية التي فرضها الله تعالى.

من أجل ذلك أنا أعتقد أن طريق الوحدة هو ذاته طريق البحث عن الحقيقة، طريق معرفة الحق، لأن معرفة الحق منا جميعاً وانتصارنا له من شأنه أن يوحدنا وان يجعلنا أمة متعاونة على البر والتقوى كما نحب وكما يريد الخالق سبحانه وتعالى.

4- ومما يزيدنا اقتناعاً بسهولة المهمة التي ألقيت على عاتقنا من أجل أن نُطمئن أنفسنا مرة جديدة بأننا سنة وشيعة لا يسعنا إلا أن نكون أمة واحدة (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)نفعل الخيرات ونصلح الأرض، هي مقدرتنا جميعاً كمسلمين، على اعتماد قراءة جديدة لتاريخنا أو إعادة صياغة هذا التاريخ بأسلوب يتلاءم مع حرصنا على وحدة المسلمين على الرغم من تنوع مذاهبهم الفكرية أو الفقهية.

وإذا علمنا يقيناً بأن محاولات عديدة جرت في أماكن مختلفة وعصور متفاوتة لاختلاق كلام أو روايات أو أحاديث ونسبتها إلى النبي (ص)، مما بات يعرف اليوم بالأحاديث الموضوعة والإسرائيليات إلى ما هنالك.. فإننا نؤكد على ضوء ذلك بأن التاريخ الإسلامي الذي كتب في مراحل متأخرة فيه الكثير من المغالطات والأخطاء المقصودة، أو حتى غير المقصودة. وإذا كان الخبر الواحد عن حادثة معينة ينقل إلينا اليوم عبر وسائل الإعلام التي تمتلك أجهزة اتصالات متطورة جداً ومراسلين متخصصين، بروايات مختلفة تكاد تكون متناقضة، وذلك تبعاً لسياسات وربما أهواء متعارضة أو ربما لأسباب أخرى، فإذا كان هذا ما يحصل في أيامنا، وعلى مرأى ومسمع من الجميع، فماذا نقول في المؤرخين أو الرواة الذين ننقل عنهم أخبار المسلمين الأوائل في عصر النبوة وما بعده؟!

أقول هذا الكلام، لأن الكثير من الأفكار والآراء والمعتقدات قد بنيت على مثل هذه الأخبار والروايات التي وصلتنا عبر كتب التاريخ أو حتى كتب السيرة والسنّة النبوية المطهرة.

من أجل ذلك، أجدنا مدعوين ونحن نعبر طريق الوحدة والاختلاف المشروع، إلى إعادة النظر بكل الأخبار والروايات التي وللأسف تدق الإسفين تلو الآخر في جسد هذه الأمة التي أرادها الله سبحانه وتعالى خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله. هذه الأمة المؤمنة التي قال عنها رسولنا الكريم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).

وإذا كان المسلمون الأوائل قد امتلكوا الجرأة لإعادة النظر في آلاف الأحاديث المنسوبة إلى النبي (ص) حفاظاً على السنة النبوية، وتشبثاً بوحدة المسلمين ومنعاً لأي اختراق يتهدد الأمة في عقيدتها وشريعتها، أفلا نشعر نحن اليوم أنه بات من واجبنا إجراء مراجعة علمية جادة لتاريخنا على ضوء ما توفر لدينا من قدرات ووسائل، الغاية منها تنقية هذا التاريخ من كل ما من شأنه أن يباعد بيننا ويصطنع الموانع أمام تآخينا...

من واجبنا إذن، السعي إلى ذلك بخاصة وأننا في مؤتمر يحمل عنواناً جريئاً، إن لم نقل ثورياً: «الوحدة الإسلامية في مواجهة فتنة التكفير». فالتاريخ، كما أفهمه هو في خدمة الإيمان والإنسان والأخوة والتقارب والتعاون، ولا يجوز أبداً أن تكون بعض المعتقدات المستلة من بعض الروايات التي نشكك في صحتها ونطعن في موضوعيتها، أساساً نبني عليه علاقاتنا القلقة والمضطربة مع أخوتنا، وثابتاً نؤكد بناءً عليه تفرقنا وتمزق هذه الأمة، امة محمد (ص) الرحمة المهداة، (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). أرجو أن أكون قد استطعت أن أبين القصد من إثارة هذه المسألة المفيدة والشاقة في آن، راجياً الله أن يسدد خطانا جميعاً وأن يهدينا سواء السبيل.

5- المذاهب الإسلامية إذن هي مدارس فقهية لأننا قادرون، إذا أردنا ذلك على أن نكون فريقاً واحداً في جميع المناسبات التي تستدعي منا أن نكون كذلك، ولا يخفي على أحدنا كم هي الحاجة ملحة في عصرنا هذا، إلى أن نتخذ سوياً المواقف ذاتها وأن نسلك ذات الدرب حتى نخرج أنفسنا من كوننا جزءاً هامشياً من هذه البشرية التي قطعت أشواطاً بعيدة في مجالات مختلفة وهي تحتاجنا في رسالتنا ودعوتنا وأخلاقياتنا وإنسانيتنا وشريعتنا الغراء من أجل تصويب المسار في الاتجاه الذي يجعل من منجزات حضارتها علاجاً وافياً لمشكلات هذا الإنسان دونما التفات إلى جنسه أو لونه أو لغته أو البلاد التي ينتمي إليها، بدلاً من أن يكون هذا النتاج الحضاري الإنساني في خدمة أطماع البعض ومشاريعه الشيطانية لقهر الشعوب الأخرى وإجبارها على البقاء في دائرة التخلف الذي يتسبب بحالات من المعاناة والآلام والأمراض والجهل والفقر والجوع.

بإمكاننا إذن أن نتوحد هنا، ومخاطبة العالم بكوننا أصحاب رسالة سماوية واحدة نتوجه بخطاب واحد علّ‏َ الله يصلح بنا ما أفسده الآخرون. لا أصدق أن موانع حقيقة تحول بيننا وبين ذلك وإن كان الذي يسيطر على عقول البعض من أوهام هي مجرد أوهام، وموروثات متهافتة لا تصمد أمام العقول المستنيرة والقلوب الخاشعة الممتلئة حباً لله ولرسوله.

6- والشي‏ء الهام في هذه المرحلة الدقيقة، هو احترام بعضنا للبعض الآخر، بمعنى أن يكون بعضنا مقبولاً لدى البعض الآخر دونما حرج ما، وبوضوح تام يجعل واحدنا يطمئن إلى أخيه ويشعر أنه يتعامل مع من يثق بصدقه وحسن نواياه وصفاء سريرته، هذا من شأنه أن يفتح الطريق أمام تعاون في كافة المجالات بما يؤدي إلى خير كثير تقطف ثماره مجتمعاتنا التي تشكو الفرقة والتشرذم.

العديد منا يتعاطى في الكثير من المواقع، من منطلق أن الآخر يرفضه أو يتربص به، وهذه ذهنية مسيطرة في بعض الأوساط مما يجعل عملية التقارب بين أبناء الرسالة الواحدة عملية حذرة جداً وكأن فيها شيئاً من المخاطرة!!.. هذا إضافة إلى أن البعض منا يعتبر الإساءة إلى الآخرين، في مناسبات مختلفة، لها ما يبررها طالما أن المتعارف عليه هو وجود فريقين متباينين في خندقين متقابلين.

مثل هذه الأفكار المضطربة، ليس بمقدورها، على خطورتها قطع الطريق نهائياً على مشروع وحدة المسلمين التي يسعى إليها المخلصون في هذه الأمة، إلا أنها وللأسف تشكل عاملاً سلبياً يضاف إلى تلك المعوقات التي تطل برأسها في كل مرة يتم فيها الكلام عن الوحدة والأخوة والتعاون على البر والتقوى. فالمطلوب إذن ونحن نستحضر العوامل الإيجابية المساعدة، المزيد من الوضوح والمزيد من القبول المتبادل والمزيد من الطيبة والاهتداء بهدي كتاب الله تعالى الذي يرشد المؤمنين إلى الأساليب الناجعة المساعدة على جمع الشمل ووحدة الكلمة وإصلاح الأمور كلها.

7- نحن نتكلم عن وحدة المسلمين، في أسبوع الوحدة الإسلامية، ونحن نحث الخطى على طريق الوحدة، نحن أبناء الحركة الإسلامية، سنة وشيعة، الذين نؤمن أن الشريعة الإسلامية هي الشريعة التي فرضها الله سبحانه وتعالى لإصلاح الإنسان والمجتمع، ونسعى كي تعم بخيرها مجتمعاتنا والمجتمعات الإنسانية الأخرى، نؤكد من هنا عبر هذا المؤتمر الوحدوي، على أنه لا بديل عن تعاوننا جميعاً وتوحيد جهودنا في المجالات كافة، الدعوية والثقافية والاجتماعية والسياسية والإعلامية... إذ لا يجوز مطلقاً تشتيت القدرات والطاقات في ميادين يشعر المسلمون بحاجتهم إلى تالف وتنسيق بين الهيئات والقوى والمؤسسات الرسمية والشعبية والشخصيات التي ترفع لواء الإسلام، هذا الدين العظيم الذي يأخذ بأيدي المجتمعات الإنسانية إلى سعادة مرجوة يتخبط إنسان اليوم في السعي إليها عبر علوم وفلسفات تبدو قاصرة إلا عن تحقيق عدد من الرغبات وتأمين الكثير من الحاجات.

بعض الإخوة العلماء السنة والشيعة، وهم يتحدثون في مناسبات مختلفة عن وحدة المسلمين بكونها حاجة ضرورية، أشاروا إلى أنه وفي حال تعذر اجتماع المسلمين وتوحدهم على فكر واحد أو فقه واحد، لا بد من تعاونهم فيما بينهم في الميدان السياسي، بخاصة وأن مجتمعاتنا الإسلامية تعيش حالة اضطراب داخلي نتيجة اغتصاب السلطات من قبل أدوات قمعية وسيطرة خارجية وتهديد دائم تمارسه قوى عدوانية تتصرف بدافع من أطماعها ومخاوفها من أن يستعيد المسلمون مكانتهم في قلب هذا العالم وروحه وضميره.

لا يحق لنا كقوى إسلامية، من المفترض أنها متعاونة أو سائرة على طريق الوحدة، لا يحق لنا أن نختلف أو نتخاصم أو تتضارب مواقفنا من قضايا سياسية محلية أو إقليمية أو دولية، كما أنه ليس من حقنا أن نفترق لأعذار مختلفة، في مناسبات سياسية هامة أو محطات سياسية مرتبطة بمستقبل الأوطان ومصيرها، مثل مقاومة الاحتلال، أو المواجهة مع الحكومات الظالمة والسعي إلى إصلاح الأوضاع العامة، أو الانتخابات النيابية... إلى ما هنالك من مسائل نشعر أن تضامننا حيالها والتعاون والتنسيق فيما بيننا هي من الأمور التي من المفترض أن لا يختلف عليها اثنان من أبناء الحركات والقوى والمؤسسات الإسلامية.

وإذا كنا في لبنان قد تعاونا في إطار المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني البغيض، وجرى تنسيق بيننا بشكل أو بآخر، وإذا كنا نلتقي في مناسبات على مواقف سياسية واحدة أو متقاربة، أو نجري لقاءات سياسية دورية في المحافظات اللبنانية كافة.. إلا انه من المستهجن مثلاً أن تأتي مناسبة الانتخابات النيابية، وهي من أهم المحطات السياسية في لبنان، البلد الديمقراطي العريق كما يقولون، فتتوزع القوى والأحزاب والحركات والمؤسسات الإسلامية على جبهات متعارضة ولوائح متقابلة في بيروت والشمال والبقاع والجنوب؟! مثل هذه التصرفات ألا تدعو إلى الدهشة؟ ألا يصاب المراقبون بشي‏ء من الارتباك والحيرة؟ وكم علامة استفهام يمكن أن توضع قبل وبعد مثل هذه الأعمال أو القرارات أو حتى النتائج؟!.

وإذا كنا في لبنان نختلق الأعذار لتبرير أخطائنا التي نرجو أن تكون في حدود الأخطاء وألا تكون أكبر من ذلك بكثير، فما هي الأعذار التي يمكن أن نسوقها أو نستحضرها أو نصوغها ونصطنعها لأنفسنا في العراق مثلاً أو في أفغانستان... حيث الاحتلال وعمليات القهر والإذلال والسيطرة الكاملة على البلاد ونهب الثروات.. هل يجوز أن نختلف حول مسألة مقاومة الاحتلال أو حول القضايا المرتبطة بمستقبل العراق ونظامه السياسي أو إلى ما هنالك من الأمور التي ينبغي وللوهلة الأولى أن يوحد الإسلاميون موقفهم منها دونما تردد.

أحببت أن أسوق هنا عدداً من الأمثلة، ليس من أجل أن يصاب البعض بشي‏ء من الإحباط ولكن من أجل أن نلتفت إلى مثل هذه الأشياء التي يريدها البعض عائقاً في وجه وحدة المسلمين وحاجزاً يمنع الإسلاميين من صياغة ميثاقهم المشترك والانطلاق سوياً صوب مستقبل مبني على أسس من الإسلام ووحدة الصف والإخلاص في جميع الأعمال.

لقد ذكرت بعض الثغرات بهدف تجنبها وحتى أسرع الخطى في اتجاه الوحدة التي نستشعر أهميتها وضرورتها خاصة وأننا كقوى إسلامية نبدي على الدوام الرغبة الصادقة في تحقيقها وتفاؤلاً كبيراً يستند إلى قناعة متولدة بأن الاختلاف المذهبي يمكن أن يفهم على أنه كالاختلاف أو التنوع الفقهي أو الفكري أو العلمي، أحد عوامل الغنى في هذه الساحة الإسلامية التي من المسلم به أنها تتسع للجميع.

فما دمنا مسلمين نؤمن بالله ورسوله وبالقرآن الذي أنزل هدىً للناس وبينات من الهدى والفرقان، وما دمنا نؤمن بأن البعث حق وأن النار حق، وما دمنا نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر من الله تعالى، لا مجال بعد ذلك إذن للمخاوف التي نبديها من أننا لا يمكن أن نصل إلى وحدة حقيقية فيما بيننا. فنحن مجتمعون على أصول إيمانية واحدة وملتزمون أركان الإسلام الحنيف فنشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ونقيم الصلاة ونؤتي الزكاة ونصوم رمضان ونحج البيت الحرام ما استطعنا إلى ذلك سبيلا.

أليست هذه هي الوحدة الحقيقة؟ تبقى أمور هامة أساسية أو فرعية من الضروري أن نسعى كعلماء ومؤسسات وحركات وقوى وأحزاب، دون كلل من أجل التوصل إلى شي‏ء نهائي حيالها بطريقة تؤدي إلى رضى الله تعالى وإلى ترسيخ وحدة المسلمين وتثبيت الأسس التي تنبني عليها وتقوية أواصر الحب والمودة التي تربط بينهم.

هناك آليات محددة، سعيت في كلمتي هذه إلى التذكير ببعضها، علّ‏َ الله ينفعنا بها ويصلح من أحوالنا ويهدينا إلى أرشد أمرنا ويغفر لنا ويرحمنا.

لا يفوتنا أخيراً أن نتوجه إلى الإخوة في تجمع العلماء المسلمين في لبنان بالشكر الجزيل على تنظيمهم ورعايتهم لهذا المؤتمر الكريم راجين الله أن يسدد خطاكم ويحقق آمالكم ويجمع بكم شمل المسلمين ويوحد كلمتهم، والحمد لله رب العالمين.n

 

http://www.alwahdaalislamyia.net