... the science of peace

 

 
  مقالات آراء و مدخلات

  
                                               

الأصالة أو ذاتية الإسلام  *

السيد موسى الصدر

الأصالة

ركن الإسلام في الأديان

الطابع المميَّز للإسلام

الله

الملائكة

الشيطان

النبي

المعاد

الأصالة:

تحت هذا العنوان، نناقش ما ملأ كتب المستشرقين، والكثيرين من الباحثين الجدد، حيث أكَّدوا أن الإسلام أخذ الكثير الكثير من عقائد الأديان السماوية الأخرى، التي كانت شائعة في أوساط العالم العربي، حيث كانت معبراً لرحلات النبي محمد(ص) التجارية قبل ظهور الإسلام.

وتحدثوا أيضاً عن تأثر الإسلام بالأفكار والعادات الدفينة السائدة في الجزيرة العربية، وعند الفرس والروم الذين كانوا على اتصال تجاري وسياسي مع العرب في مكة، وكذلك بالعادات السومرية أو الصابئة، التي أثرت في العبادات والسير الإسلامية.

ركن الإسلام في الأديان:

وقبل أن ندرس مدى صحة هذا الكلام، يجب أن نلاحظ منطق الإسلام حول الأديان السماوية الأخرى.

فالقرآن يعلن أن رسالة محمد، هي العقد الأخير من سلسلة الأديان الإلهية، وأن محمداً(ص) هو خاتم الأنبياء، مؤمن بهم ومصدق بأنهم رسل ربه.

ودليل ذلك قوله تعالى:{قل ما كنت بدعاً من الرسل}[الأحقاف46/9].

{آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كلٌّ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله}[البقرة/285].

والقرآن يؤكد أيضاً أن دين الله واحد ويسميه "الإسلام"، ويعتبر أن جميع الأنبياء كانوا يبشرون به، وقد جعل الله لكل منهم شرعةً ومنهاجاً.

{شرّع لكم من الدين ما وصَّى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه}[الشورى/ 13].

وفي كثير من الآيات القرآنية، نجد القرآن، ينقل عقائد وأحكاماً وقصصاً تربوية عن الرسالات السماوية، ويعتمد عليها.

إذا لاحظنا هذا المنطق، فلا نجد أية غرابة أو أي مانع، من بعض التشابه في العقائد والأحكام والأخلاق الإسلامية، مع الأديان السماوية الأخرى.

الطابع المميَّز للإسلام:

ولكننا نقول: إن الإسلام مع ذلك له طابع خاص في جميع حقوله وتعاليمه، يعطيه ذاتية خاصة، ويميزه عما عداه من الأديان ومن العقائد الأخرى.

والباحث في مختلف حقول الإسلام، يمكنه أن يكتشف هذا الطابع بوضوح، هذا الطابع الذي يعبر عنه بالتوحيد، فيسمى الإسلام بـ "دين التوحيد".

فكلمة الإسلام، حسب المصطلح القرآني، هو التسليم لله رب العالمين الذي:

{وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه يرجعون}[آل عمران/ 83].

فالإسلام إذاً، هو الانضمام والانخراط في سلك جميع من في السماوات والأرض، والاتحاد معهم في المبدأ والسير والمرجع أزلياً أبدياً.

والإسلام أيضاً حسب التفسير القرآني، هو السجود الإرادي من الإنسان، وتسبيحه وصلاته، والتحاقه بذلك بركب الكائنات الواحد، الذي هو بمجموع أجزائه، ساجد ومسبِّح ومصلِّ لله الواحد في محراب الكون الواحد.

{ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدوابّ وكثير من الناس}[الحج/18].

{يسبِّح لله ما في السموات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير}[التغابن/1].

{ويسبِّح الرعد بحمده}[الرعد/13].

{تسبِّح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم}[الإسراء/44].

{ألم تر أن الله يسبِّح له من في السموات والأرض والطير صافّات كلٌّ قد علم صلاته وتسبيحه][النور/41].

كما ويصوّر الإسلام المجتمع على هيئة الجسد الواحد الذي "إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الأجزاء بالسهر والحمى".

والإنسان، أيضاً في رأي الإسلام، موجودٌ واحد بجسمه وروحه، وحدة متكاملة متفاعلة.

وفي حقل العقيدة والإيمان، فإنّ الله هو الأول والآخر والظاهر والباطن والمبدأ والمنتهى.

{إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون}[البقرة/156].

وأمّا الغاية من السير والعبادة والجهاد، هو الله الواحد.

{وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين}[البينّة/5].

وفي الأنظمة الاجتماعية والمالية والمدنية والأخلاقية، نجد محاولات واضحة لجعلها تستند إلى قاعدة واحدة، تقرب من الأفراد، حتى تجعل من كلِّ واحد بعضاً من الكلّ، لا فرداً من الكليّ على حدِّ التعبير المنطقي.

وقد عبّر القرآن عن الأموال والتعهدات، والقوى المادية والمعنوية للأفراد المختلفة، أنها "لكم"، فأضافها إلى المجموع، تكريساً لهذه التربية وتأكيداً لهذه القاعدة.

وتأثر الفن الإسلامي بهذا الطابع المميز، فأصبح طابعة الانحناء الذي يشكلِّ خطا" واحداً على اختلاف أشكاله وأنواعه.

وبكلمةٍ موجزة، فإنَّ الطابع المميَّز للإسلام، هو الوحدة في الإيمان والتشريع والفن والتفسيرات.

فلنعد الآن إلى ذكر بعض التفاصيل، خاصةً حول ما ورد في عبارات البروفسير هنري ماسيه، مؤلف كتاب (الإسلام)، والمستشرق الفرنسي المعروف، لكي نرى الأصالة الذاتية بوضوح أكثر.

الله:

فالله هو الذات الواحد الأحد، ليس كمثله شيء، له الأسماء الحسنى والأمثال العليا، والصفات الكمالية كلها، يتعالى عن كل نقص وحاجة، فهو الصمد، لم يلد ولم يولد، مجرد من الانتساب الخاص إلى كل شيء، أو إلى كل فرد، أو إلى كل ظاهرة.

فالعالم بأجمعه، والبشر بجميع أفراده، والأحداث كلها أمامه سواء.

وهو الخالق والمستمر في خلقه، ولا وجود ولا بقاء للموجودات دون إرادته، ودون تصرفه، عالم الغيب والشهادة، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.

ويرى الباحث، أنّ هذا الكمال المطلق، الذي يتجلى في تفسير الله، يعكس على الخلق جوانب تربوية عديدة، ويبعده عن أنّه مجرد فكرة تجريدية، وصورة قلبية، أو طقوس مذهبية.

فالتعمق في التجرد، والابتعاد عن الشبه، والتعالي عن أي ربط خاص بشيء، ينـزع صفة القداسة الذاتية عن كل شيء، ويحرِّر الإنسان من أي قيد عقلي أو عملي أو عاطفي أو اجتماعي، فيجعل منه، وهو عبد الله، الحر المنطلق في جميع شؤون الحياة، لا يقف أمامه مانع.

وينعكس الكمال الإلهي على الكون كلِّه، وعلى الإنسان بالذات، فيرى الكون والإنسان في أحسن صورة، وأكمل تقويم، وأدقّ تنظيم.

والإحاطة القيومية، على حدِّ التعبير القرآني، تربط بين التجرد المطلق الإلهي، وبين أن يكون الله أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد، وأن تكون الأرض جميعاً في قبضته والسموات مطويات بيمينه، فالأبصار لا تدركه ولكنه يدرك الأبصار.

"كلّ ما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه فهو مخلوق لكم مردود إليكم".

ومع ذلك "هو معكم أينما كنتم"، حيث إنه "مع كل شيء لا بالمقارنة وغير كل شيء لا بالمزايلة"(نهج البلاغة).

وهذه الإحاطة، تشعر الإنسان بالاطمئنان بالقوة، وتزيل عنه الوحشة، وتوحي إليه بالمسؤولية.

وهكذا نرى تأثير الفكرة العميق في الحياة الإنسانية وابتعادها عن التجريد.

{ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله}[البقرة/115].

"قلب المؤمن عرش الرحمن" و "أنا عند المنكسرة قلوبهم" و "من عاد مريضاً فقد عادني في عرشي" و "والمحسن يلمس يد الله حال إحسانه".

هكذا يرى الباحث، صورة جديدةً لله في الإسلام، تختلف عن جميع الصور الأخرى.

وإذا كان يمكننا تلخيص الإيمان المسيحي بالله بكلمة موجزة هي أن "الله هو المحبة"، فإنه يمكن تلخيص الإيمان الإسلامي بالله بأن "الله هو الحق" بما لكلمة الحق من معنى.

ولقد أجاد مترجمو القرآن المتأخرون، حيث احتفظوا بكلمة الله، من دون تعبير آخر مشابه في سائر اللغات.

الملائكة:

وهي فكرة قديمة قدم الأديان، لكنها بصورة عامة، في الإسلام وفي الأديان كلها، تختلف عما ورد في آراء الفلاسفة باسم أرباب الأنواع، وباسم المُثل الأفلاطونية، أو الأنوار الاستفهدية.

وقد نوقش موضوع الملائكة في الإسلام، في كتب الباحثين من الشرق والغرب، مناقشات مفصّلة. وساعدهم على هذه المناقشات، كلمات علماء الكلام والسير من الأساطير حول الملائكة، وحول المقربين منهم، كجبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل بالذات.

ورأى بعض المستشرقين الكبار، خلال مقارناتهم، أن هذه الفكرة في الإسلام دخيلة، واعتمدوا لذلك صيغ هذه الأسماء وغير ذلك.

ونحن حينما نحاول البحث في ذاتية الفكرة الإسلامية عن الملائكة، نعيد إلى ذاكرة القرّاء ما ورد في أول المحاضرة، حول تصديق الإسلام بالأديان السماوية السابقة، وبما جاء فيها، ثم نقول: إن ما ورد في كلمات علماء المسلمين في الكلام والسيرة والفقه أيضاً، كله يحمِّل قائليها المسؤولية.

أما مصادر الشريعة الإسلامية فخالية من هذه التفاصيل، ولا تهتم إلا بالإيمان بالملائكة، وبالجانب التربوي منه، الذي سوف نبحث فيه.

أما حقيقة الملائكة، وتفاصيلها وتجردها وماديتها، فلا نجدها في المصادر الأصلية، ولهذا فالاعتقاد بهذه التفاصيل وبغيرها، لا يُعدَّ من الإيمان الإسلامي الذي يدين به المسلم.

بل كلّ ما يجب أن يؤمن به المسلم، هو وجود ملائكة الله فقط.

كما يجب أن يؤمن بالله وبكتبه وبرسله، وأن الله جعل من الملائكة رسلاً، وأنهم يسبِّحون بحمد ربهم ويقدِّسونه في الليل والنهار، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.

يؤمن المسلم بهذا كله، لأن القرآن نص عليه وأخبر عنه. أما الجانب العلمي في فكرة الملائكة، فلا أعرف أي مبدأ أو دين غير الإسلام تعرَّض له، ما عدا الذي ورد في إنجيل متى في الإصحاح الأول، وفي أعمال الرسل بصورة موجزة.

هذا الجانب، تشير إليه بعض الآيات القرآنية، التي تعبر عن الملائكة بـ "المدبرات أمراً"، والتي تسند كثيراً من الأحداث الكبار في الدنيا والآخرة إلى الملائكة، ومن هذه الآيات:

{إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنـزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون * نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة} [فصلت/30-31].

وتتلخص الفكرة، في أن الملائكة هم الذين يدبِّرون القوى الكونية الظاهرة والخفية بأمر من الله، وأنهم يطيعون الله ولا يتخلّفون عن أمره. فمن يسلك سبيل الحق تواكبه الملائكة قائلين له {نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة}.

فالسالك ليس منفرداً في طريق الحق، بل القوى الكونية التي هي طوع يد الملائكة، تسانده وتقويه، وترفع عنه وحشته.

إن المؤمن السالك في سبيل الحق والعدل، لا يشعر بالوحدة والوحشة، بل يشعر بمواكبة الكون وتأييده لقواه، فيطمئن بأنه المنتصر حيث {فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير}[التحريم/4].

وهذا الشعور ضروري بالنسبة لحملة الرسالات وأصحاب المبادىء، الذين يحاولون التأسيس وإعادة بناء الإنسان ومجتمعه.

الشيطان:

والحديث عن الشيطان، ملك الشرور، يرتبط بالحديث عن الملائكة، حيث إنه كان مخلوقاً معهم، حسب وصف القرآن، قبل خلق آدم، مطيعاً ساجداً، مسبِّحاً لله، ثم عصاه حينما أمره بالسجود لآدم، فرفض استكباراً واعتزازاً بعنصره، ثم أُمهل إلى يوم الدين، وهو يقود حملة إغواء البشر وتضليلهم، بالتعاون مع جنوده قوى الشر.

ويختلف هذا التفسير اختلافاً كلياً عن معنى "أهريمان" عند الفرس القدامى، حيث إنه خالق الشرور، وهو في صراع دائم على رأيهم مع "أهور مزدا" إله الخير.

يختلف تفسير الشيطان المخلوق، عن "أهريمان اختلافاً كبيراً من جهة المبدأ والأثر لكل واحد منهما.

حيث إن مشكلة الصراع النفسي التي يعانيها الإنسان المؤمن، بين ميول الخير والشر هي مشكلةٌ كبيرة، فهو يرى الكون كله والمجتمع والإنسان في حالة تنافر وتناقض وتجزئة، وهذا الإنسان الذي يشعر بالازدواجية في وجوده وفي مجتمعه، وفي مبدئه ومصيره، ويعيش في صراع أبدي ذاتاً وسلوكاً وزماناً، لهو إنسان محطَّم ضعيف حقاً.

ويختلف معنى الشيطان في الإسلام عن معنى ملاك جهنم، ورئيس هذا العالم، وإله الدنيا في سائر التفسيرات.

وأخيراً، يتفاوت مفهومنا عن الشيطان عن رأي البعض، من أنه الموحّد الأكبر الذي امتنع عن السجود لغير الله، وصار عندهم رأس القديسين وقائد الموحّدين.

أما أصالة الفكر الديني حول الشيطان، فإنها تبلغ القمة في القرآن من الناحية التربوية.

فإن الشيطان اسمه الأصلي إبليس، الذي كان من المقربين عند الله، فطرد من مقام القرب، لأجل معصية صدرت عنه استكباراً، فسمِّي الشيطان. فكان انحرافه وطرده وشقاؤه بسبب عصيانه أوامر ربه، لا لذاتية الشقاء فيه، ولا لعفوية الطرد وإبعاده عن مقام القرب.

ومن جهة ثانية، فإنَّ الشيطان كذات، يمثِّل وحدة قوى الشر وتكتّلها أمام قوى الخير، في صراع أزلي أبدي بين الحق والباطل مهما كان نوعهما، أو وصفهما، أو قدرهما.

وأهم النواحي التربوية في إعطاء فكرة الشيطان، واستلامه مهمة الإغواء والتضليل مع جنوده، التي منها النفس الأمَّارة بالسوء، أهم هذه النواحي، هي تكريس اختيار الإنسان، والتأكيد على أنه مُخيَّر بين الخير والشر، لا مُسيّر لا يهتدي إلا إلى دوره الكوني المقرر له.

وقد أوضح القرآن الكريم هذه الناحية، في لوحة تاريخية رائعة، أوضح فيها كيفية الخلق، في سورة البقرة في الآيات من30 إلى 38. وبموجب هذه الآيات، أراد الله أن يجعل في الأرض خليفة، لا آلة مسيّرة، ولا شبه آلة، بل أراد خلق موجود يتصرف حسب إرادته، ويمارس حريته. حيث إن حرية التصرف لا تتم إلا مع وجود نزعتي الخير والشر في الإنسان، ومع وجود طريقي الخير والشر في الأرض.

خلق الله الإنسان بهذه الخصائص، ثم علَّمه الأسماء، وجعله مستعداً لمعرفة حقائق الكون، والقوى الكونية، متمكّناً من الإحاطة بها عن طريق معرفتها.

ثم أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم، فخضعوا وسجدوا له بأمر الله.

وخضوعهم للإنسان، يستلزم مطاوعة القوى الكونية التي هي بيد الملائكة له. فأصبح آدم سيد الكون، خليفة الله في الأرض. وامتنع إبليس من السجود لآدم، وطرد من مقام المقرَّبين، وأمهل حسب طلبه إلى يوم الوقت المعلوم. وبدأ هو وجنوده بإغواء البشر. وأصبحوا من الدعاة إلى طريق الشر، يساندون النـزعة الشريرة في الإنسان.

فالكون ميدان للسير في الخط المستقيم وللانحراف والضلال. والإنسان أمام مفترق الطريقين، يسمع صوت الله بلسان عقله، وبلسان ضميره، وبلسان أنبياء الله، وبالطرق الأخرى للهداية،ويسهم وصوت الشيطان بلسان نفسه الأمارة بالسوء، وبلسان عناصر السوء والفساد من البشر وغيرهم. يستمع الإنسان في حياته إلى النداءين، فيجيب بملء إرادته لنداء الخير، أو لنداء الشر.

وهكذا نرى أن الشيطان في مفهومه الإسلامي يقوم بدور بارز في تعميق التخير الإنساني.

{ليهلك من هلك عن بينة ويحى من حيي عن بينة}[الأنفال/42].

النبي:

والنبي، هو عبد من عباد الله، له ما لهم من الحالات والرغبات، ويشعر بما يشعرون به من الصراع النفسي بين الخير والشر. لكنه يتبع في القول والفعل ومعاشرة الناس ما يوحى إليه، وإن لم يكن مطابقاً لمراضيهم. لا ينحرف، ولا ينطق عن الهوى، ولا يساير، ولا يجامل رغبات الناس، ولا يزن الأمور بموازين البشر السائدة.

إن النبي عبد من عباد الله، لا ملاك ولا نصف إله. يعيش ويهرم ويموت ويحشر ويحاسب يوم القيامة، وبذلك يصبح قدوةً صالحة للناس إماماً لهم، وسنداً حياً لواقعية رسالته، مثبتاً إمكانية تطبيق تعاليمه الدينية.

وقد ورد في القرآن الكريم، في سيرة الأنبياء عامةً، وفي سيرة النبي محمد(ص) خاصةً، دلائل كثيرة على ذلك، حيث وجه إليهم النقد والتشجيع، والتأييد والتهديد، والنصيحة والعتاب على بعض التصرفات.

والنبي مع ذلك، يتمتع بعناية الله، ووحيه، وتسديده، وبذلك يصبح قوله وعمله ورضاه عن عمل الآخرين، سيرةً وأسوة حسنة للأمة.

فالصفة المميزة للنبي في رأي الإسلام، كونه عبداً ورسولاً في الوقت نفسه، وبذلك تبدو بوضوح أصالة الفكر، وعدم انفعالها بالعاطفة الطبقية، كما يقول "برتراند راسل"، حيث يتهم الإسلام بذلك، نظراً لموقفه من السيد المسيح، وتأكيده أنه ما قتل وما صلب.

إن الإسلام المنكر لصلب المسيح، يؤكد أن كثيراً من الأنبياء قتلوا في سبيل رسالتهم.

{أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون} [البقرة/87].

فلا ينكر صلب المسيح لعاطفة ما، ولا للتأثر بآراء "النوستيسيزم"، بدليل موقفه أيضاً من المسيح بالذات، بل للرسالة مقام إنساني كبير، لا ينـزع صفات البشر عن حاملها، وهو مع ذلك مقام الاتصال بالله، ونقل تعاليمه بكل أمانة، ودون أيّ خطأ أو تحريف.

المعاد:

إن المعاد من المبادىء العامة لجميع الأديان، ولأكثر المدارس الفلسفية، ولكنه عند الإسلام يتميز بخصائص مهمة تجعله فكرةً ذات أصالة.

هذه الميزات، هي:

أولاً:

إن الجزاء في يوم المعاد، نتيجة حتمية للأفعال الصادرة عن الإنسان: {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تودُّ لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً}[آل عمران/30].

ويختلف هذا التفسير، عن المجازاة في الحقوق الجزائية، وعن تفاسير المعاد في غير الإسلام، حيث إن الجزاء نوع من رد الفعل الحسن أو القبيح، للانتقام، أو للتأديب، أو الإصلاح.

فالعمل يختلف عن الجزاء عادةً، ولكن الجزاء في المعاد الإسلامي، هو نفس الأعمال التي تتمثل بالصورة المتناسبة لعالم الخلود.

ثانياً:

والمعاد هو يوم بروز النتائج ووقت اكتشاف حقيقة الأعمال، وإلاّ فالجزاء حسب تحديد القرآن، مقترن بالعمل وقت صدوره ولكنه خفيّ عن الأبصار.

{ذلك يوم الوعيد * وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد * لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد}[ق/20-22].

ثالثاً:

فالمعاد في الإسلام هو تمثل الإنسان بجسمه وروحه للحساب، ليتلقى حصاد عمره.

أما النقاش المعروف بين فلاسفة الإسلام الملتزمين، إنما هو حول تحديد معنى الجسم الذي يحشر، في أصل المعاد الجسماني.

والباحث يعرف بعد هذه الملاحظات، مدى الفرق الواضح بين المعاد الإسلامي، وبين معنى السماء، أو معنى عودة الروح عند المصريين القدامى، أو الوثنيين في الجزيرة، أو إنتصار النور على الظلمة عند المجوس.

وأخيراً:

تبلغ الذاتية في الإسلام قمتها في قسم الأمثال وقسم التاريخ، حيث إننا نعرف اليوم مدى ثقافة الإنسان في أقطار العالم، ومقدار معرفته في العلوم والتاريخ حال ظهور النبي محمد وحال نزول القرآن. إننا نعرف ذلك، ولكننا نجد أن القرآن لم يتأثر أصلاً بالآراء العلمية السائدة في عصره، وبالمعلومات التاريخية المعروفة عند البشر في ذلك الوقت.

فالآيات الواردة في الاستشهاد بحركات الشمس والقمر والنجوم والأرض وغيرها، لم تتأثر إطلاقاً بالهيئة البطليموسية وآرائها.

والآيات التي تشير إلى مبدأ الخلق، وتكوين الأرض، واتساع الكون، وغيرها، تكاد أن تنطبق على أحدث النظريات العلمية، من دون تأثر بثقافة عصر نزول القرآن.

والآيات التي تنقل تاريخ الفراعنة، وخاصةً فيما يعود إلى فرعون يوسف، وتسميته بالعزيز، وفي ما يعود إلى غرق فرعون المعاصر للنبي موسى، ونجاته ببدنه، هذه الآيات لم تتأثر أصلاً بالروايات الشائعة في عصر ظهور النبي محمد، بل إن بعض هذه المعلومات كانت خفية عن معرفة البشر، إلى زمن اكتشاف تاريخ الفراعنة بواسطة شامبليون.

*Taken from www.bayynat.org  Copy Rights; http://www.islamology.com

















 

     
 
Home
الهدف السامي للحياة الإنسانية
الروحية في الإسلام و المجتمع
الإسلام وكرامة الإنسان
الإسلام ومتطلبات العصر
الأصالة أو ذاتية الإسلام
أسس الأخلاق وركائزها
المحبة في التربية
 
 
 
 
 
 
 
 




 
Treatise on Rights
Human Rights
Enemies' Rights
Justice
Religions
Practices
 
 
 
 
 
 
 
 
22